ذكرت تصريح المُزَني أنه بَنَى كتابه على الاختصار، واشتقاق «الاختصار» من «الخصر»، وهو خلاصة الشيء، واختلفت عبارات أصحابنا في بيان معناه، ومرجعها إلى أصول أربعة:
الأصل الأول - الجمع، ومن هذا سمّي العصا الذي يتوكأ عليها بجميع بدنه: «مخصرة»، وسمّي «الخاصرة»؛ لأنها مجمع البدن من الأعلى ومن الأسفل، فالشافعي له الكثير من الكتب والأمالي، والكثرة والانتشار عائق كبير لمن ابتغى الاستفادة، ذلك أنه ليس كل أحد يتمكَّن من الجمع بين جميع مؤلَّفات الإمام، ثم إذا جمع قد لا يُسعفه الهمة في استقرائها والربط بين شتيت مسائلها، فيأخذ المسألة أخذًا قريبًا دون نظر في قيوده التي ذكرها الشافعي في مختلف مواردها، ويكون ذلك سببًا في نسبة الخطأ والوهم على الشافعي، ولا يتخطَّى هذه العقبات إلا أصحاب الرحلة والهمم العوالي من أفذاذ الأئمة وما أقلهم، فكأن المُزَني رأى أن علم شيخه في طريقه إلى الضياع إن لم يقم بترتيبه في كتاب واحد جامع، وبهذه النظرة
[ المقدمة / ٧٧ ]
ألَّف كتابه: الجامع أو المختصَر الكبير، ثم اختصره بعدُ في هذا الكتاب الذي هو الجامع أو المختصَر الصغير، جمع فيه علم الشافعي في عامة كتبه الجديدة والقديمة.
وثانيها - الترتيب، فجمع متفرِّق كلام الشافعي في المسائل يلزمه ترتيب المادة المجموعة، ومن أصول ترتيب المُزَني في «المختصَر»: جمع المسائل في بابها الذي هو مظنَّتها، وهي عند الشافعي في مظانِّها وغير مظانِّها، ومنها الربط بين مختلف كلام الشافعي حول المسألة في كتبه في موضع واحد، فيذكر المسألة المعنيَّة ثم يقول: «وقال في موضع آخر: …»، «وقال في كتاب كذا: …»، ثم يبيِّن الراجح من قوليه أو أقواله، ومنها ترتيب أصول المسائل وفروعها التي بُنيت على تلك الأصول، فيقدم الأصل ويبني عليه الفرع، وقد يكون الأصل مختلفًا فيه فيستدلّ بالفرع على المختار الراجح عنده من قوليه في الأصل، ومنها الربط بين الكتاب والكتاب الذي يليه، وقد قال الروياني: «كثيرًا ما يختم المُزَني بمسألة من الكتاب الذي يليه» (^١)، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما يدل على أن المُزَني نسج على منوال محمد بن الحسن في بعض الترتيب والتبويب (^٢)، وذلك ممكن مع العلم بعناية المُزَني الفائقة بكتب الشّيباني وفقهه.
وثالثها - إقلال اللفظ مع توفير المعنى، وقد يقال: الإقلال من غير إخلال، ونحوه: قبض البسيط من الكلام وردّه إلى وجيزه، أو: ردّ الكثير إلى القليل مع المحافظة على معنى الكثير، فليس من الاختصار في شيء الإقلال من الألفاظ بما يؤدي إلى الإلغاز واختلال البيان، وإنما الاختصار
_________________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١٠).
(٢) انظر «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥٠).
[ المقدمة / ٧٨ ]
قلة العبارة مع البيان، والذي جعل أسلافنا ينتهجون هذا النوع من الاختصار تيسير نقل الكتاب واستنساخه ودراسته على المتعلمين، حيث إن النسخ اليدوي مع قلة أدواته كان سببًا في عدم الاهتمام بالمطوّلات في كثير من الأحيان، فكان الاختصار هدفًا من أهداف التأليف، كما أنه كان وسيلة من وسائل حفظ الكتاب من الضياع.
وقد ذكرنا أن المُزَني اختصر كتب الشافعي المتفرِّقة في كتاب «الجامع الكبير» في نحو ألف ورقة، ثم استكثر هذا المختصَر الكبير فاختصره في نحو ثلاثمائة ورقة، قريبًا من ثلث حجم «الجامع»، فاهتم الناس بالمختصَر الصغير وتركوا أصله الكبير على اختصاره، حتى قال القاضي الحسين أنه غير موجود في ديار خراسان بالتمام (^١)، وقال ابن الصلاح أنه كالمتروك (^٢)، كما أن الكثير من مؤلفات الشافعي أيضًا ضاعت، وبَقِيَ هذا المختصَر وانتشر وتداوَله الأئمة العلماء بالرواية والشرح والنقد، وقد حَكَى الماوردي أن أصحاب الشافعي «اقتصروا على مختصَر أبي إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني ﵀؛ لانتشار الكتب المبسوطة عن فهم المتعلِّم، واستطالة مراجعتها على العالم، فجعلوا المختصَر أصلًا يمكنهم تقريبه على المبتدئ، واستيفاؤه للمنتهي» (^٣).
ورابعها - إلقاء المباني وإبقاء المعاني، فقد يأتي الشافعي بالمسألة الفقهية مفصلًا في كلام طويل فيضطر المُزَني إلى التصرف في عبارته مع الإبقاء على الغرض المقصود له، وينبغي أن يلاحظ هنا أنه ليس من غرض
_________________
(١) انظر «التعليقة» (١/ ١١٠).
(٢) انظر «شرح مشكل الوسيط» (٣/ ١٢٧)، وقد تقدَّم نقل كلامه.
(٣) انظر «الحاوي» (١/ ٧).
[ المقدمة / ٧٩ ]
المُزَني حذف مباني الشافعي، بل إنه حاول أن يراعيها قدر الإمكان، وأسلوبه في الاختصار اختيار أقرب مباني الشافعي إلى المعنى الذي أراد، ومن أدلة ذلك التطابُق الكبير بين نصوص «المختصَر» و«الأم»، ولا يمكن أن يكون ذلك لولا قصده الحفاظ على نصوص الشافعي كما هي، ومن هنا يمكن القول بأن مراد المُزَني بالاختصار هو جمع نصوص الشافعي المبدَّدة في المسألة الفقهية في بابه واختيار أقربها إلى البيان مع قلة العبارة، فإذا لم يُسعفه ذلك تصرَّف في عبارته بما يقتضيه الضرورة ولا يُحيل المعنى، والله أعلم.
[ المقدمة / ٨٠ ]