قال ابن عبدالبَرِّ: «وله على مذهب الشافعي كتب كثيرة لم يلحقه أحد فيها، ولقد أتعب الناس بعده، منها: (المختصر الكبير) نحو ألف ورقة، ومنها: (المختصر الصغير) الذي عليه العمل نحو من ثلاثمائة ورقة، شرحه قوم كثير، منهم أبو إسحاق المروزي، وأبو العباس بن سريج، ومنها: نحو من مائة جزء مسائل منثورة في فنون من العلم وردّ على المخالفين له»، وقال: «انتشرت كتبه ومختصراته إلى أقطار الأرض شرقًا وغربًا» (^١).
وقال أبو إسحاق الشِّيرازي: «صنَّف كتبًا كثيرة: (الجامع الكبير)، و(الجامع الصغير)، و(مختصر المختصر)، و(المنثور)، و(المسائل المعتبَرة)، و(الترغيب في العلم)، و(كتاب الوثائق)» (^٢).
وقال التاج السُّبْكي: «صنَّف كتبًا كثيرة: (الجامع الكبير)، و(الجامع الصغير)، و(المختصَر)، و(المنثور)، و(المسائل المعتبَرة)، و(الترغيب في
_________________
(١) انظر «الانتقاء» (ص: ١٦٩).
(٢) انظر «طبقات الفقهاء» للشِّيرازي (ص: ٩٧).
[ المقدمة / ٥٩ ]
العلم)، و(كتاب الوثائق)، و(كتاب العقارب)، و(كتاب نهاية الاختصار)» (^١).
هذه الأقوال أصول ما ورد ذكره في ترجمة المُزَني من مصنَّفاته، وتحتاج إلى تحرير وبيان، فأقول:
صنَّف المُزَني في فقه الشافعي سلسلة كتب، من مطوَّل إلى مختصَر، وظاهر صنيع ابن السُّبْكي أنها أربعة كتب: «الجامع الكبير» و«الجامع الصغير» و«المختصَر» و«نهاية الاختصار»، وظاهر صنيع أبي إسحاق الشِّيرازي أنها ثلاثة: «الجامع الكبير» و«الجامع الصغير» و«مختصَر المختصَر»، ولم يذكر ابن عبدالبَرِّ منها إلا كتابين: «المختصَر الكبير» و«المختصَر الصغير»، وكذلك هو عند البَيْهَقي (^٢)، ونصَّا على أن «المختصَر الصغير» هو كتابه المتداول بين الناس.
والذي أميل إليه هو مذهب الشِّيرازي، وذلك لتقدُّمه في معرفة كتب المُزَني، ولا يعارضه ما ذكره ابن عبدالبَرِّ والبَيْهَقي، وإنما أغفلا ذكر «مختصَر المختصَر»، ولم يكن همُّهما حصر مصنَّفاته، وقد قال القاضي الحسين: «المُزَني لمَّا رأى كثرة تفريعات الشافعي وكثرة كتبه استكثره، فاختصر منه كتابًا سمَّاه (جامع الكبير)، وكان كتابًا حسنًا بالغًا، ولم يوجد ذلك الكتاب في ديار خُراسان بالتمام، ثم استكثره فاختصر منه هذا المختصَر الذي تداوله الفقهاء، ثم استكثر هذا المختصَر فصنَّف كتابًا في جزئيات» (^٣)، وهذا صريح فيما ذهبت إليه.
_________________
(١) انظر «الطبقات» للسُّبْكي (٢/ ٩٤).
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٤).
(٣) انظر «التعليقة» للقاضي (١/ ١١٠).
[ المقدمة / ٦٠ ]
وأمَّا ما ذهب إليه ابن السُّبْكي فلا أراه إلا خطأً، ومَرَدُّه - والله أعلم - إلى أنه اطلع للمزني على كتاب «نهاية الاختصار» فزاده على ثبت الشِّيرازي، وحمل كتاب «مختصَر المختصَر» على «المختصر» المتداول، وقد ذكر الروياني: «أن المُزَني اختصر من علم الشافعي كتابًا سماه: (الجامع الكبير)، ثم اختصر منه (الجامع المختصر) الذي يتداوله أصحاب الشافعي ويتدارسونه» (^١)، وهذا دليل على أن المختصَر المتداول إنما اختصر عن «الجامع الكبير» مباشرة، ليس بينهما واسطة.
وبناءً عليه فكتاب «الجامع الكبير» أصل كتبه الثلاثة، وهو عين كتاب «المختصَر الكبير» في نحو ألف ورقة عند ابن عبدالبَرِّ، وقد تداول أصحابنا الشافعية هذا الكتاب ونقلوا عنه الكثير في شروحهم على «المختصَر»، ويلاحظ على القاضي الحسين نَفْي وجوده في بلاد خُراسان، لكن حمزة بن يوسف السّهمي (ت ٤٢٧ هـ) قال: «سمعت أبا بكر بن عبدان [ت ٣٨٨ هـ] يقول: قدم علينا شيراز أبو الحسن علي بن الحسن الجرجاني وكان عنده (جامع الكبير) للمُزَني» (^٢)، وذكر السُّبْكي أن الإمام الكبير أبا أحمد محمد بن سعيد بن محمد بن عبدالله بن أبي القاضي (ت ٣٤٠ هـ) من تلامذة أبي إسحاق المروزي وأبي بكر الصيرفي وطبقتهما .. صنَّف في الفروع «كتاب الحاوي»، قال السُّبْكي: «بناه على (الجامع الكبير) لأبي إبراهيم المُزَني»، قال: «ومنه أخذ الماوردي اسم كتابه» (^٣)، قلت: وربما أخذ منه منهجه أيضًا، فالماوردي كثير الاستشهاد بالجامع الكبير للمُزَني، والله أعلم.
_________________
(١) انظر «بحر المذهب» للروياني (١/ ٢٥).
(٢) انظر «تاريخ جرجان» للسَّهْمي (ص: ٣١٧).
(٣) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٣/ ١٦٥).
[ المقدمة / ٦١ ]
وأمَّا «المختصَر» .. فهو كتابنا الذي نحن بصدد إخراجه والتعليق عليه، وهو بعينه «الجامع الصغير» عند الشِّيرازي، و«المختصَر الصغير» في نحو ثلاثمائة ورقة عند ابن عبدالبَرِّ، وسأتكلَّم عليه في المقدمة الثانية من الدراسة إن شاء الله.
وأما «مختصَر المختصَر» .. فهو و«نهاية الاختصار» واحد، قال ابن السُّبْكي: «وقد وقفت منها على أصل قديم كُتِبَ سنة ثمانين وأربعمائة»، قال: «وكثيرًا ما يذكر في هذا المختصر آراء نفسه، وهو مختصَر جدًّا، لعله نحو ربع التنبيه أو دونه» (^١)، وذكر أنه في مختصره هذا يصرِّح بمخالفة الشافعي في مواضع ذكر بعضها (^٢).
بقي شيء يعكِّر عليَّ صفو هذا الاستنتاج، وهو أن ابن الصلاح قال: «المُزَني -﵀- له (المختصَر الكبير)، وهو كالمتروك، و(المختصَر الصغير)، وهو هذا المختصَر المشهور المعروف بـ (مختصر المُزَني)، الذي أكثر تصانيف الأئمة شروح له، وله (الجامع الكبير) و(الجامع الصغير)، والله أعلم» (^٣)، فجعل المختصَرين غير الجامعين، وهذا بعيد.
وأمَّا «المنثور» .. فقد ذكره كل من الشِّيرازي والسُّبْكي، قال النووي: «المنثور كتاب من كتب المُزَني التي نقلها عن الشافعي» (^٤).
وأما «المسائل المعتبَرة» .. فذكره الشِّيرازي وابن السُّبكي، والظاهر أنه مقصود ابن عبدالبَرِّ بقوله في معرض عَدِّ مصنَّفاته: «ومنها: نحو من مائة
_________________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٦).
(٢) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٢/ ١٠٣).
(٣) انظر «شرح مشكل الوسيط» لابن الصلاح (٣/ ١٢٧).
(٤) انظر «تهذيب الأسماء واللغات» (مادة: نثر).
[ المقدمة / ٦٢ ]
جزء، مسائل منثورة في فنون من العلم وردّ على المخالفين له»، ونقل النووي رأيًا للمُزَني عن طريق صاحب «الشامل» قال: «ذكره المُزَني في مسائله المعتبَرة على الشافعي» (^١)، فقد يُقال بأن اسمه الكامل: «المسائل المعتبَرة على الشافعي».
وأما «العقارب» .. فتفرَّد بذكره ابن السُّبْكي، ونقله عن أبي عاصم العبادي، وقال: «كتاب العقارب .. مختصَر فيه أربعون مسألة ولَّدها المُزَني، ورواها عنه الأنماطي، وأظن ابن الحداد نسج فروعه على منوالها» (^٢)، وذكر بعض غرائبه.
وأما كتابا «الوثائق» و«الترغيب في العلم» .. فلم أجد نصًّا أتبيَّن به حقيقتهما، ولعل الأيام تكشف بعض خباياهما، والله ولي التوفيق.
_________________
(١) انظر «المجموع» للنووي (١/ ٥١٥).
(٢) انظر «الطبقات» للسُّبْكي (٢/ ١٠٥).
[ المقدمة / ٦٣ ]