المُزَنِيُّ كان أعلم أصحاب الشافعي بمذهبه، وقد نقل ابن السُّبْكِيِّ عن والده أنه قال: «لا يَعْرِف قدر الشخص في العلم إلا من ساواه في رُتْبَتِه وخالطه مع ذلك، وإنما يُعْرَف قدره بمقدار ما أوتيه هو»، قال ابن السُّبْكِيِّ: «وكان يقول لنا: لا أحد من الأصحاب يعرف قدر الشافعي كما يعرفه المُزَنِيُّ، وإنما يعرف المُزَنِيُّ من قدر الشافعي بمقدار قُوَى المُزَنِيِّ، والزائد عليها من قُوَى الشافعي لم يدركه المُزَنِيّ».
ومِمَّا أسعَفَ المُزَنِيَّ في معرفته بالشافعي جمعُه إلى فقهه فقه كُلٍّ من أبي حنيفة ومالك والليث، ثم استقراؤه مؤلَّفات الشافعي وجمعُه بين مُتَّفِقِها ومختلِفها، بحيث يظهر مِنْ تَتَبُّع مختصَره أنه عَرَفَ كل مسألة من مسائل الشافعي وموقعها من كتبه، وعَرَفَ بعد ذلك اتفاق ما بينها والاختلاف، ومما يدل عليه أن المُزَنِيَّ من رُواة الجديد، لكنه جمع إليه القديم أيضًا، وذلك دليل على عنايته بكتب الشافعي القديمة مع الجديدة.
[ المقدمة / ٢٧ ]
وكان له معرفة جيِّدة بعلم الحديث والأثر وإن لم يشتهر به ولم يقصد من أجله، وقد تكون رئاسته في الفقه وأصوله طغت على سائر جوانب المعرفة منه، ثم إنه لم يكن من الرحَّالين في الحديث ولا من المكثِرين من الشيوخ، وجُلُّ حديثه من طريق الشافعي، وهو قليل الرواية على ثقة فيه، قد وثَّقَه ابن يونس (^١)، وكان أحمد بن صالح المصري (ت ٢٤٨ هـ) يبجِّله، وقد قال فيه: «لو أن رجلًا حَلَفَ أنَّه لم يرَ كالمُزَنِيِّ آخَرَ كان صادقًا»، فقال له أبو أفلح المصري: نكتب عنه؟ قال: «إن حدَّثَكم» مرَّتين (^٢)، وقال ابن أبي حاتم: «صدوق» (^٣).
وأخرج ابن السُّبْكِيُّ بسنده من طريق أبي الفوارس أحمد بن محمد الصابوني قال: أخبرنا المُزَنِيُّ: أخبرنا الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله -ﷺ- نهى عن الوِصال، فقيل: إنك تُوَاصِل؟، فقال: «لستُ مثلكم، إني أُطْعَمُ وأُسْقَى»، قال ابن السُّبْكِيُّ: «وبهذا الإسناد: أن رسول الله -ﷺ- ذكر رمضان فقال: لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تُفطروا حتى تروه، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له»، قال: «وبه: أن رسول الله -ﷺ- فرض زكاة الفطر من رمضان، على السنة، على الناس، صاع من تمر، وصاع من شعير، على كل حُرٍّ وعبد، وذكر وأنثى، من المسلمين»، قال ابن السُّبْكِيِّ: «مُتَّفَق عليها، وهي من الأسانيد التي ينبغي أن تُسَمَّى عقد الجوهر ولا حرج» (^٤).
_________________
(١) انظر «تاريخ مصر» (١/ ٤٤).
(٢) أخرجه البَيْهَقِيُّ في «المناقب» (٢/ ٣٥٧).
(٣) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٩٥).
(٤) انظر «الطبقات» (٢/ ٩٥).
[ المقدمة / ٢٨ ]
ومِمَّا عُرِفَ به المُزَنِيُّ حُسن البيان وبلاغة القول، وحقيقٌ به وقد صَحِبَ الشافعي على منزلته الرفيعة في البيان والعربية، وقد شرح في «المختصر» الكثير من مفردات اللغة، وذكر (ف: ١٧٠٩) وصية عمر بن الخطاب لعامله على الحمى هُنَيٍّ حيث قال: «يا هُنَيُّ، ضُمَّ جَناحَك للنَّاسِ، واتَّقِ دَعْوَةَ المظلومِ، فإنَّ دَعْوَةَ المظلومِ مُجابَةٌ، وأدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ والغُنَيْمَةِ، وإيَّايَ ونَعَمَ ابنِ عفَّانَ ونَعَمَ ابنِ عَوْفٍ، فإنَّهما إنْ تَهْلِكْ ماشِيَتُهما يَرْجِعَا إلى نَخْلٍ وزَرْعٍ، وإنَّ رَبَّ الغُنَيْمَةِ يَأتِينِي بعِيالِه فيَقُولُ: يا أميرَ المؤمنين يا أميرَ المؤمنين، أفَتارِكُهُم أنا لا أبا لَكَ؟ فالكَلَأُ أهْوَنُ عليَّ مِنْ الدينارِ والدراهمِ». ثم علق عليه المُزَنِيُّ بقوله: «هذا والله الكلامُ النَّقِيُّ، الذي مَنْ سَمِعَه يَظُنُّ أنّه يَقْدِرُ عليه، وإذا أرادَه أعْوَزَه». وهذا التعليق من المُزَنِيِّ يُشير إلى إحساسه اللُّغَوِيِّ والأدبي، فقد نَبَّه الشيخ عبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧٤ هـ) إلى كلمات صَدَرَتْ عن البُلَغَاء وصلت إلى حَدِّ الإعجاز في معانيها فلا يرام التزيُّد عليها. وكان مما قاله في ذلك: «إنك تجد فُصُولًا تعلم أَنْ لن يُسْتَطَاع في معانيها مثلُها»، قال: «فمِمَّا لا يَخْفَى أنه كذلك .. قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: (قيمة كلِّ امرئ ما يُحْسِنُه)، وقول الحسن رحمة الله عليه: (ما رأيت يقينًا لا شكَّ فيه أشبه بشك لا يقين فيه من الموت)» (^١).
وما ذكرنا دليل على تفنُّنٍ واسعٍ في العلوم لأبي إبراهيم المُزَنِيِّ، وقد روي عنه أنه سمع الشافعي يقول: «من تعلَّم القرآن عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نَبُلَ قدره، ومن كتب الحديث قَوِيَتْ حجته، ومن نظر في اللغة رَقَّ
_________________
(١) انظر «الرسالة الشافية» للجرجاني (الفقرة: ٢٩).
[ المقدمة / ٢٩ ]
طبعه، ومن نظر في الحساب جَزُل رأيه، ومن لم يَصُنْ نفسه لم ينفعه علمه» (^١).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في «المناقب» (١/ ٢٨٢) والخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٥١).
[ المقدمة / ٣٠ ]