قال ابن عبد البَرِّ: «كان أعلم أصحاب الشافعي بالنظر، دقيق الفهم والفطنة» (^١)، والظاهر أنه تميَّز بهذه الموهبة في حياة الشافعي نفسه، حتى إن الشافعي قال فيه: «هذا لو ناظر الشيطان لقطعه» (^٢)، قال النووي: «وهذا قاله الشافعي والمُزَني في سِنِّ الحداثة، ثم عاش بعد موت الشافعي ستين سنة يُقصَد من الآفاق وتُشَدُّ إليه الرحال» (^٣).
وكأن المُزَني اكتسب هذه القوة من درسه لمذاهب علماء الأمصار ومناهجهم في الاستدلال، ثم ما عُرف به من اشتغاله بعلم الكلام أوائل الطلب، ولا يُجْهَل ما للشافعي من المنزلة الرفيعة في تأصيل علم الأصول، فأخذه المُزَني منه وتفقَّه فيه.
_________________
(١) انظر «الانتقاء» (١٦٩).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٦).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١٥٧ - ١٥٨).
[ المقدمة / ٥٧ ]
وكان في جدله لا يأخذه في الحق لومة لائم، وقد حكى ابن خَلِّكان والذهبي من مناظراته قال: «لَمَّا وَلِيَ القاضي بكار بن قتيبة القضاء بمصر وجاءها من بغداد، وكان حنفي المذهب، توقَّع الاجتماع بالمُزَني مدة، فلم يتفق له، فاجتمعا يومًا في صلاة جنازة، فقال القاضي بكار لأحد أصحابه: سل المُزَني شيئًا حتى أسمع كلامه، فقال له ذلك الشخص: يا أبا إبراهيم، قد جاء في الأحاديث تحريم النبيذ وجاء تحليله أيضًا، فلم قدَّمتم التحريم على التحليل؟ فقال المُزَني: لم يذهب أحد من العلماء إلى أن النبيذ كان حرامًا في الجاهلية ثم حلل، ووقع الاتفاق على أنه كان حلالًا، فهذا يعضِّد صحة الأحاديث بالتحريم، فاستحسن بكار ذلك منه»، قال الذهبي: «وأيضًا فأحاديث التحريم كثيرة صحاح، وليس كذلك أحاديث الإباحة» (^١).
_________________
(١) انظر «وَفَيَات الأعيان» لابن خَلِّكان (١/ ٢١٨)، و«سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٤٩٤).
[ المقدمة / ٥٨ ]