اختلاف قول الشافعي بسبب اختلاف الأصحاب في قراءة نصه وتفسيره
فهو في حقيقته من اختلاف الأصحاب لا الإمام.
ومن أمثلته: اختلافهم في قراءة عبارتي: «أحببت، كرهت» في كلام الشافعي، وذلك كثير، منها قول الشافعي (ف: ٣٣٩) في اشتراط العدد في الجمعة: «إنْ خَطَب بهم وهم أربعون، ثم انْفَضُّوا عنْه، ثم رَجَعُوا مكانَهُم .. صَلَّوا الجمعةَ، وإن لم يَعُودوا حتَّى يتباعد .. أحْبَبْتُ أن يبْتَدِئ خُطْبَتَه»، فقوله: «أحببتُ» أثار خلافًا بين الأصحاب، فقال ابن سريج: يجب عليه الإعادة، وهذا هو الأصح واختيار القفال والأكثرين، قالوا: ولفظ الشافعي -﵁-: أوجبت، وأما «أحببت» فهو تصحيف من الناقل أو وهم، قالوا: وربما حملوا «أحببت» على «أوجبت»، فكل واجب محبوب كما أن كل محرم مكروه، ولذلك يُطلق لفظ الكراهة ويراد به التحريم (^١)، ومن
_________________
(١) انظر «العزيز» (٣/ ٢٧١).
[ المقدمة / ١٩٣ ]
أمثلته قوله (ف: ١٠): «ولا أكره من الآنية إلا الذهب والفضة»، قال إمام الحرمين في «النهاية» (١/ ٣٨): «ذكر الشافعي الكراهية وأراد به التحريم، وهو يعتاد ذلك كثيرًا».
ومن أمثلته كذلك: أن يقيد الشافعي جوابه في موضع ويطلق في موضع آخر (^١)، مثل قوله (ف: ٢٦١٧): «وأقَلُّ ما عَلِمْناه مِنْ الحيْضِ: يَوْمٌ»، وقال في مَوْضِعٍ آخَرَ: «يومٌ وليلةٌ»، فحمله بعض الأصحاب على اختلاف القولين، والمذهب حمل المطلق على المبين والقطع بأنه يوم وليلة، قال المُزَني: «يَحْتَمِلُ قَوْلُه يَوْمًا بلَيْلَتِه، فيكُونُ المفَسَّرُ مِنْ قَوْلِه يَقْضِي على المجْمَلِ، وهكذا أصْلُه في العِلْم».
ومن أمثلته كذلك: أن تختلف ألفاظه في حكم مع اتفاق معانيها من وجه واختلاف معانيها من وجه (^٢)، مثل قوله في المظاهر (ف: ٢٤٦٣): «فإذا مُنِعَ الجماعَ أحْبَبْتُ أن يُمْنَعَ القُبَلَ والتَّلَذُّذَ احْتِياطًا حتَّى يُكَفِّرَ»، وقال في رواية الزعفراني: «رأيت أن يُمنع القبلةَ والتلذذَ»، وهى لفظة محتملة، فيحتمل أن تُحمل على الاستحباب والإيجاب، فغلب بعض أصحابنا حكمها في الاختلاف ولم يغلب حكمها في الاتفاق فخرج حكم المسألة على قولين، وحَمْلها على ما صرح به من الاستحباب أولى من حَمْلها على ما يجوز أن يحتمله من الإيجاب.
ومن أمثلته كذلك: أن يختلف منطوقه ومفهومه، مثل قول الشافعي (ف: ٢٧٥١): «يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ على الرَّجُلِ لخادِمِ امْرأتِه نَفَقَةٌ إذا كانَتْ
_________________
(١) انظر القسم التاسع في «نصرة القولين» لابن القاص (ص: ١٢٤)، والقسم الأول في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٤).
(٢) انظر القسم الثاني في «القواطع» للسمعاني (٥/ ٦٥).
[ المقدمة / ١٩٤ ]
ممَّن لا تَخْدُمُ نَفْسَها»، وقال: «إذا لم يَكُنْ لها خادِمٌ فلا يَبِينُ أن يُعْطِيَها خادِمًا»، فتوهم المُزَني هذا قولين للشافعي في وجوب نفقة الخادمة، وذلك أنه قيَّد إيجاب الخدمة بالحال التي لا تقدر على ما لا صلاح لبدنها من زمانة ومرض، فأوهم عدم الوجوب في غير هذه الحالة، كما أنه ذكر لفظ «الاحتمال» موهمًا التردد، والمذهب الذي عليه الجمهور القطع بالوجوب، قال الروياني: «وكثيرًا ما ينصّ الشافعي على أظهر الصورتين ولا يقصد الفرق بين الصورتين»، وقال: «وقد ذكر الشافعي لفظ الاحتمال في مواضع ولم يقصد تعليق القول، وكذلك قال في مسائل كثيرة: (ولا يبين لي كذا وكذا) ولم يقصد به القولين في المسألة» (^١).
_________________
(١) انظر «البحر» (١١/ ٤٤٤)، وانظر مثالًا آخر نحوه في الفقرة: (٧٠٨) من «المختصَر».
[ المقدمة / ١٩٥ ]