كانت بداية حياة المُزَنِيِّ العلمية على مذهب علماء الرأي والكلام، فكان اتصاله بالشافعي لَمَّا قدِم مصر سببًا في تحوُّله إلى مذهب أصحاب الحديث عقدًا وفقهًا. قال عثمان بن سعيد بن بشار الأنماطي -تلميذ المُزَنِيِّ-: سمعتُ المُزَنِيَّ يقول: «كنت أنظر في الكلام قبل أن يقدَم الشافعي، فلما قدِم أتيته فسألته عن مسألة من الكلام، فقال لي: تدري أين أنت؟ قلت: نعم، في مسجد الفسطاط، قال لي: أنت في تاران، ثم ألقَى عليَّ مسألة في الفقه فأجبت، فأدخل شيئًا أفسد جوابي، فأجبتُ بغير ذلك، فأدخل شيئًا أفسد جوابي، فجعلتُ كلَّما أجبتُ بشيء أفسده، ثم قال لي: هذا الفقه الذي فيه الكتاب والسنة وأقاويل الناس يدخله مثل هذا، فكيف الكلام في رب العالمين الذي فيه الزَّلَل كبير؟»، قال المُزَنِيُّ: «فتركتُ الكلام وأقبلتُ على الفقه»، قال عثمان: «تاران: موضع في بحر القلزم لا تكاد تسلم منه سفينة» (^١).
_________________
(١) انظر «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٢٥)، وانظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقِيِّ (١/ ٤٥٨).
[ المقدمة / ٢١ ]
وعن المُزَنِيِّ أنه قال: «كُنَّا على باب الشافعي نتناظر في الكلام، فخرج إلينا الشافعي وسمع بعض ما كُنَّا فيه، فرجع عنا فما خرج إلينا إلا بعد سبعة أيام، ثم خرج فقال: ما منعني من الخروج إليكم عِلَّة عرضت، ولكن لما سمعتكم تتناظرون فيه، أتظنون أني لا أحسنه؟ لقد دخلت فيه حتى بلغت منه مبلغًا، وما تعاطيت شيئًا إلا وبلغت فيه مبلغًا، حتى الرَّمْي، كنت أرمي بين الغرضين فأصيب من العشرة تسعة، ولكن الكلام لا غاية له، تناظَرُوا في شيء إن أخطأتم فيه يقال لكم: أخطأتم، ولا تناظروا في شيء إن أخطأتم فيه يقال لكم: كفرتم» (^١).
وقال أبو إبراهيم المُزَنِيُّ: «كنت يومًا عند الشافعي أُسائله عن مسائل بلسان أهل الكلام»، قال المُزَنِيُّ: «فجعل يسمع منِّي وينظر إليَّ ثم يجيبني عنها بأحضر جواب، فلما اكتفيت قال لي: يا بنيَّ، أدُلُّكَ على ما هو خير لك من هذا؟ قلت: نعم، فقال: يا بنيَّ، هذا علمٌ إن أنت أصبتَ فيه لم تُؤْجَرْ، وإن أخطأت فيه كَفَرْتَ، فهل لك في علم إن أصبت فيه أُجِرْتَ، وإن أخطأت لم تأثم؟ قلت: وما هو؟، قال: الفقه»، قال المُزَنِيُّ: «فلزمته، فتعلمت منه الفقه ودرست عليه» (^٢).
وقد توطَّدَتْ صلة المُزَنِيِّ بالشافعي إلى درجة الحب المتبادَل والإجلال، وهذا شيء بَيِّنٌ ظاهر من إجلاله له في «المختصر» وغيره من كتبه، وليس الشأن حبه لشيخه، وإنما الشأن حب الشيخ له، فقد كان الشافعي يخصُّه بما لا يخصُّ به غيره (^٣)، وعن أبي إسحاق المَرُّوزِيِّ أنه
_________________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقِيِّ (١/ ٤٥٩).
(٢) انظر «طبقات الشافعية» للسُّبكيِّ (٢/ ٩٨).
(٣) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٢٩).
[ المقدمة / ٢٢ ]
قال: ذكر المُزَنِيُّ أن الشافعي أخذ بيده فقال:
أُحِبُّ من الإخوان كُلَّ مُوَاتِ … وكلَّ غَضِيضِ الطّرْفِ عن عَثَراتي
يصاحبني في كلّ أمرٍ أحبُّه … ويحفظني حيًّا وبعد وفاتي
فَمنْ لي بهذا ليت أَنِّي أصبْتُه … فقاسمته مالي مع الحسناتِ (^١)
وأخرج البيهقي عن المُزَنِيِّ أنه قال: قال لي الشافعي -﵁-: «يا أبا إبراهيم: العلم جهل عند أهل الجهل، كما أن الجهل جهل عند أهل العلم»، قال المُزَنِيُّ: وأنشأ لنفسه:
ومَنْزِلة الفقيه من السفيهِ … كمَنْزِلَة السفيه من الفقيهِ
فهذا زاهد في قرب هذا … وهذا فيه أزهدُ منه فيهِ (^٢)
وهكذا بدأت رحلة المُزَنِيِّ مع الشافعي حتى صار فقيهًا راجح المعرفة، غوَّاصًا على المعاني الدقيقة، عارفًا باختلاف فقهاء الأمصار واتفاقهم، مناظِرًا مِحْجَاجًا متصرِّفًا بأصول الأدلة وقواعد الاستنباط، لكنَّ المُزَنِيَّ لم يقتصر على الشافعي وحده في التفقُّه، فللمُزَنِيِّ مشايخُ غير الشافعي ينتسبون إلى مدارس مختلِفة.
فمن شيوخه في فقه أهل الكوفة: شيخ الحنفية أبو محمد علي بن معبد بن شدَّاد العبدي الرَّقِّيُّ (ت ٢١٨ هـ)، تفقَّه على محمد بن الحسن وروى عنه جامعه الكبير والصغير (^٣)، وقد روى المُزَنِيُّ عنه في «المختصر» في موضعين (ف: ٣٤٩٦، و٣٦٨٧). وأخرج الخطيب البغدادي عن المُزَنِيِّ قال: نا علي بن معبد، نا عبيدالله بن عمرو، قال: «كُنَّا عند الأعمش وهو يسأل
_________________
(١) انظر «المناقب» للبيهقي (٢/ ٧٩).
(٢) انظر «المدخل» (٢/ ٧٨٧)، وأخرجه كذلك الخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقِّه» (٢/ ١٤٩).
(٣) انظر «سير أعلام النبلاء» (١٠/ ٦٣١).
[ المقدمة / ٢٣ ]
أبا حنيفة عن مسائل ويجيبه أبو حنيفة، فيقول له الأعمش: من أين لك هذا؟ فيقول: أنت حدثتنا عن إبراهيم بكذا، وحدثتنا عن الشعبي بكذا، قال: فكان الأعمش عند ذلك يقول: يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة» (^١).
ويدل على مداوَمَة المُزَنِيِّ على النظر في فقه أبي حنيفة ما أخرجه الخليلي فقال: «سمعت عبدالله بن محمد الحافظ يقول: سمعت أحمد بن محمد الشُّرُوطِيّ يقول: قلت للطَّحَاوِيِّ: لِمَ خالفتَ خالك واخترتَ مذهب أبي حنيفة؟ قال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة، فلذلك انتقلت إليه» (^٢).
ومن شيوخ المُزَنِيِّ في فقه أهل المدينة: شيخ المالكية أصبغ بن الفرج (ت ٢٢٥ هـ)، وقد قال أبو بكر بن خُزَيْمَة: «سمعت يونس بن عبدالأعلى يقول: أنا ابن وهب، عن مالك: وسألت عن مَسِّ الذَّكَر فقال: أُحِبُّ الوضوء منه، قال: وسمعت يونُس أن أشهب بن عبدالعزيز أخبرهم عن مالك في رجل مَسَّ ذَكَرَه ثم صلَّى ولم يتوضأ وفات الوقت، قال: لا أرى عليه الإعادة، وسألت ابن عبدالحكم: من أعلم أصحابكم وأفقه أصحابكم؟ قال: نحن نقول: لم يكن منهم مثل أشهب بن عبدالعزيز، فسألت المُزَنِيَّ، فقال لي: عبدالرحمن بن القاسم أتبع الرجلين لصاحبه، وأشهب بن عبدالعزيز أفقه الرجلين، وابن وهب أعلم الثلاثة باختلاف المدنيِّين» (^٣)، وهذا يدل على معرفة وافرة بفقه مالك ورجاله.
_________________
(١) انظر «الفقيه والمتفقِّه» (٢/ ١٦٣).
(٢) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٣١).
(٣) انظر هامش «المختصر» (الفقرة: ٤٤)، وأخرج القسمَ الأخير منه البَيهَقيُّ في «المناقب» (٢/ ٣٥٦).
[ المقدمة / ٢٤ ]
ومن شيوخه في فقه الليث بن سعد: يحيى بن عبدالله بن بُكَيْر المَخْزُومِيّ (ت ٢٣١ هـ)، كان جار الليث بن سعد، وهو أثبت الناس فيه، وعنده عن الليث ما ليس عند أحد، وقد نَقَل عنه المُزَنِيُّ في «المختصر» (ف: ٣١٥٠) قول إبطال طلاق السكران ووافقه عليه مخالفًا للشافعي.
ومن شيوخه في السُّنَّة: نُعَيْم بن حَمَّاد، أُخِذ في المحنة مع البُوَيْطِي فمات بالعسكر (سنة ٢٢٩ هـ).
[ المقدمة / ٢٥ ]