اصطلح المُزَني على التمييز بين كلامه وكلام الشافعي بالعبارات: «قال الشافعي» «قال المُزَني» «قلت أنا».
واصطلح كذلك في مجال الاجتهاد والتخريج ألا ينسب المعنى المستخرج إلى الشافعي صراحة، وإنما يقول في مثله: «عنده» «أصله» «قياس قوله» «معنى قوله»، ويُستفاد من هذا أن ما صدَّره بقوله: «قال الشافعي» نصُّ كلامه، لا معناه فقط كما قد يتوهَّم.
وقد يكون المعنى الذي ينسبه المُزَني إلى الشافعي على قياسه محلَّ أَخْذٍ ورَدٍّ، فيعزو تخريجه إلى نفسه بقوله: «وهذا عندي أولى به»، أو ما أشبه ذلك.
وقد يختم المُزَني تعقيباته على نصوص الشافعي بقوله: «فافهم» أو «فتَفَهَّم» دلالة على دقة النظر فيها، وقال الماوردي: «قول المُزَني: (فتفهم) يريد به الشافعي، قال أصحابنا: كل موضع يقول فيه المُزَني:
[ المقدمة / ١٠١ ]
(تفهم) يريد به الشافعي، وكل موضع يقول فيه: (فافهم) يريد به أصحاب الشافعي» (^١).
قلت: الظاهر أنه يريد بالكلمتين أصحاب الشافعي من تلاميذه، ويدل عليه قوله في بعض المواضع (ف: ٢٢٦٩): «فتَفَهَّم يرْحَمُك اللهُ»، ونحوه (ف: ٣٩٩٢): «فتَفَهَّمْ رحمك الله»، فظاهر هذا خطاب لشخص أمامه حال الدرس، ويقطع الشك باليقين قوله في موضع آخر (ف: ١١٣٦): «فتفهم ولا تغلط عليه»، فلا شك أنه أراد: لا تغلط على الشافعي، ولهذا لا أرى للكلمتين دلالة إلا على دقة المادة المطروحة، وشيء آخر، أن المُزَني لا يريد من السامع أن يأخذ كلامه واجتهاده تلقِّيًا مجردًا وتسليمًا له، فيحثه على النظر فيه والاجتهاد مثلما اجتهد هو، ويدل عليه قوله (ف: ١٨٤٦): «فتَفَهَّمْه كذلك تَجِدْه إن شاء الله»، وقوله (ف: ٢٧٧٨): «فتَفَهَّمُوه كذلك تَجِدُوه إن شاء الله»، وقال في «كتاب الأمر والنهي» (ف: ٢١): «فتفهمه ولا تقلِّد مَنْ وضعَه».
وبما أن المُزَني يأتي بنصوص الشافعي في كتبه ففيه بعض اصطلاحات الشافعي نفسه أيضا، ومنها اصطلاحه في النقل المبهم لآراء الفقهاء، فيقول: «قال بعض أصحابنا» أو: «قال بعض الناس»، أخرج أبو محمد عبدالرحمن بن حاتم في «آداب الشافعي» (ص: ١٥٥) عن أبيه عن الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: «إذا قلت: (قال بعض أصحابنا) فهم أهل المدينة، وإذا قلت: (قال بعض الناس) فهم أهل العراق»، وقال الماوردي:
_________________
(١) انظر «الحاوي» (٢/ ٨٣)، وقد وقع في مطبوعته خطأ صحَّحته بمراجعة مخطوطته في المكتبة الظاهرية الجزء الثاني (ص: ٦٠).
[ المقدمة / ١٠٢ ]
«كل موضع يقول فيه الشافعي: (قال بعض الناس) يريد به أبا حنيفة، وكل موضع قال فيه: (قال بعض أصحابنا) يريد به مالكًا، وإذا أراد غيرهما ذكره باسمه» (^١).
_________________
(١) انظر «الحاوي» (٢/ ٨٣).
[ المقدمة / ١٠٣ ]