الزهد والتعبُّد لله تعالى نتيجة طبيعية للاعتقاد الصحيح حين يتجذَّر في قلب المؤمن، وزهد المُزَني وعبادته محل إجماع بين مترجميه، وهو الصفة اللازمة لجل من عُرِف بالفقه والعلم من السلف الماضين، فلقد أبى العلم في أيديهم أن يكون مَطِيَّة للدنيا الفانية، كما تأبَّت عليهم أنفسهم أن يُذِلُّوها على أبواب السلاطين ونوادي أصحاب الشهوات، وقد قال أبو سعيد بن السكري: «رأيت المُزَني، وما رأيت أَعْبَد لله منه، ولا أتقن للفقه منه» (^١)، وقال الخليلي: «اتفقوا على أنه أزهد أهل العلم بمصر في زمانه وأحسنهم ديانة» (^٢).
وقد كان من الزهد والورع على طريقة صعبة شديدة، فلم يتوضَّأ من حَباب ابن طولون ولم يشرب من كيزانه، قال: لأنه جعل فيه سرجين، والنار لا تطهر، وكان يشرب في الشتاء والصيف من كوزِ صُفْرٍ، قال يوسف
_________________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥١).
(٢) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٢٩).
[ المقدمة / ٤٥ ]
بن عبد الأحد القُمِّي: «وكان يجدِّد الوضوء فيخرج من الجامع ويذهب إلى النيل - ومن الجامع إلى النيل مسافة - فيجدِّد وضوءه ثم يرجع»، وفي كتاب الحَمْشَاذي: «قيل: إن المُزَني كان يصلِّي بمصر الصلوات جماعة، فربما يخرج للطهارة ويتباعد إلى النيل، فإذا رجع وجدهم قد فرغوا من الصلاة، فيعيد تلك الصلاة خمسًا وعشرين مرة» (^١).
وقال يوسف بن عبدالأحد القُمِّيُّ: «صحبت المُزَني ليلة شاتية وبعينه رمد، فكان يجدِّد الوضوء ثم يدعو، ثم ينعس فيقوم ثانيًا فيجدِّد الوضوء، حتى فعل ذلك سبع عشرة مرة» (^٢).
وكان بعيدًا عن موارد الفتنة، مجانبًا عن مصاحبة أهل السلطة، فلم يتولَّ في حياته قضاءً أو منصبًا، بل قال يوسف بن عبدالأحد القُمِّيُّ: «كان إذا استقبله ابن عبدالحكم ومعه جماعة من القضاة، والقلانس على رءوسهم .. يقف ثم يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]، ثم يرفع رأسه ويقول: بلى ربنا نصبر، بلى ربنا نصبر» (^٣).
وقد روى عنه ابن أخته أبو جعفر الطَّحَاوي قال: حدثنا المُزَني قال: أخبرني أبو بكر الحميدي، عن سفيان، عن خلف بن حوشب، قال: قال عيسى ابن مريم -﵇- للحواريِّين: «كما ترك الملوك الحكمة فاتركوهم والدنيا» (^٤)، قلت: وكذلك فعل المُزَني.
_________________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩) للبَيْهَقي، و«الطبقات» (٢/ ٩٤) للسُّبْكي.
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٩).
(٣) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩) للبَيْهَقي.
(٤) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥).
[ المقدمة / ٤٦ ]
وروى الطحاوي أن المُزَني قال: أخبرني أبو بكر الحميدي عن سفيان قال: كان خَلَفٌ يقول: ينبغي للناس أن يتعلَّموا هذه الأبيات في الفتنة:
الحربُ أوَّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ … تسعى بزينتها لكلِّ جهولِ
حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضِرامُها … ولَّت عجوزًا غيرَ ذاتِ حليلِ
شَمْطَاءَ جَزَّتْ رأسَها وتنكَّرت … مكروهةً للشَّمِّ والتَّقْبِيلِ (^١)
ومما يدل على معاناة المُزَنِي تربية نفسه، واجتهاده في مجاهدة شهواته .. اشتغاله بغسل الأموات، المذكِّر لهاذم اللذات، المنبِّه للاستعداد قبل الفوات، وهو الذي تولَّى غسل الإمام الشافعي، وقد روى ابن يونس عن إبراهيم بن محمد الضحَّاك أنه قال: سمعت المُزَني يقول: «عانيت غسل الموتى ليرقَّ قلبي، فصار ذلك لي عادة» (^٢).
وفي قوله: «فصار ذلك لي عادة» إشارة إلى قاعدة جليلة في التربية، وهي قاعدة تحوُّل العبادة عادة، فيقلُّ تأثيرها على النفس، ويضمحلُّ استشعار القائم بها بالقُرْبى، وهذا وارد في الصلوات وأنواع القربات، بل في أجلِّها وهي الدعوات، ثم إن تنبُّه المُزَني إلى هذه القاعدة لدليلٌ على نفس رباني بين جنبيه، رحمة الله عليه.
وبالجملة قال عمرو بن عثمان المَكِّيُّ: «ما رأيت أحدًا من المتعبِّدين في كثرة مَنْ لقيت منهم أشدَّ اجتهادًا من المُزَني، ولا أَدْوَم على العبادة منه، وما رأيت أحدًا أشد تعظيمًا للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقًا على نفسه في الورع، وأوسعه في ذلك على الناس، وكان يقول: أنا خلق من أخلاق الشافعي» (^٣).
_________________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥ - ٣٥٦).
(٢) انظر «تاريخ مصر» (١/ ٤٥) لابن يونس.
(٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٠) و«المدخل» (١/ ٤٣) من طريق أبي عبدالرحمن السَّلَمي، وذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (١٢/ ٤٩٤).
[ المقدمة / ٤٧ ]