لقد اجتهد المُزَني وجهد في تأليفه للمختصَر غاية الجهد، فأفنى فيه ريعان عمره وحشاشته، قال البَيْهَقي: «قرأت في كتاب أبي منصور الحمشاذي ﵀: سمعت الإمام أبا الوليد يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول: سمعت المُزَني يقول: كنت في تأليف هذا الكتاب عشرين سنة، وألَّفته ثلاث مرات، وغيَّرْتُه، وكنت كلما أردت تأليفه أصوم قبله ثلاثة أيام، وأصلِّي كذا كذا ركعة» (^١).
وقال الروياني: «مكث في جمع هذا الكتاب نَيِّفًا وعشرين سنة، وما اعترض فيه باعتراض ولا اختار قولًا على غيره إلا بعد ما صلى ركعتين واستخار الله تعالى فيه» (^٢).
وقد يستغرب من لا خبرة له بكلام الشافعي ويستبعد هذه المدة المديدة، ولا غرابة، فإن الاختصار الذي قام به المُزَني -﵀- لم يكن ليتمَّ إلا
_________________
(١) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٩).
(٢) انظر «بحر المذهب» (١/ ٢٥)، وانظر «التعليقة» للقاضي الحسين (١/ ١١٠).
[ المقدمة / ٩٧ ]
بعد جمع استقرائي لكتب الشافعي الكثيرة، ثم تفهم للمجموع وتفسير له، ثم تطلع إلى الأصول التي بنى عليها الشافعي، ومن ثم التعبير عن فقهه بأقرب لفظ وأدقِّ عبارة، «وفي نظم كلام الشافعي تعقيد لا يطَّلع عليه إلا من جمع إلى فهمه أوفر حظّ من اللغة» كما قال إمام الحرمين (^١)، فلم يكن بُدٌّ من التهذيب والتدقيق على مدار السِّنِي العشرين، بل مع كل رجوع للكتاب ومع كل درس وتسميع له.
ولمَّا تمَّ له ما أراد من تأليفه على أحسن نظم ثم من تهذيبه وتدقيقه كان هو أول المعجبين بترصيفه، فقال يوسف بن عبدالأحد القُمِّي: سمعت المُزَني يقول: «لو أدركني الشافعي لسمع مني هذا المختصَر» (^٢).
وقد يقال بأن المُزَني يغبط البُوَيْطي على أنه أسمع الشافعي مختصَره في حياته كما يُرْوَى عنه، لكني لا أجد ما يكفي لتصحيح تلك الرواية عنه، وكل ما في الأمر أن الربيع روى «مختصَر البُوَيْطي» عن الشافعي مباشرة، دون ذكر للبُوَيْطي في سنده، فقال الشيخ تقي الدين ابن الصلاح: «وأظن هذا أو نحوه هو الذي أوقع الحاكم أبا عبدالله الحافظ في أن قال: والذي أراه الحق ما رأيته عن علي بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي مطر القاضي الإسكندري قال: صنَّف أبو يعقوب البُوَيْطي هذا الكتاب وقرأه على الشافعي بحضرة الربيع بن سليمان، فحصل سماعًا للربيع وأخبرنا به عن الشافعي -﵁-» (^٣).
_________________
(١) انظر «النهاية» (١٣/ ٦٥).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٤٥).
(٣) انظر «طبقات الفقهاء الشافعية» لابن الصلاح (٢/ ٦٨٤).
[ المقدمة / ٩٨ ]
قلت: علي بن عبدالله بن أبي مطر الإسكندراني (ت ٣٣٩) من فقهاء المالكية، وكان شيخه في الفقه ابن المواز، وعاش مائة سنة، وضعفه الدارقُطني في «غرائب مالك» وَأورَدَ له خبرًا باطلًا، وقال الذهبي: «صدوق مشهور، قد ذكره النباتي أبو العباس في تذييله لكونه ذكر في سند ضعيف، وهذا لا يضرُّه» (^١).
وهذا ضعف محتمَل في مثل هذه الروايات، لكن يبقى اتصال السند بينه وبين الحاكم أبي عبدالله، فإن عبارته تدل على الوجادة والانقطاع، وكلاهما كفيل بضعف الخبر، ويزداد ضعفًا من جهة المعنى أن التفسير الذي تضمَّنته لا ينطبق على زيادات البُوَيْطي على الشافعي، فهذه لا شك ليست من الشافعي، وحقّ الربيع أن يرويها عن البُوَيْطي، هذا إذا أقررنا له أن من حقِّه أن يروي أصل «المختصَر» عن الشافعي اعتمادًا على هذه الرواية، والذي أميل إليه: أن الربيع لم يأخذ الكتاب عن الشافعي، وإنما أخذه عن مؤلِّفه البُوَيْطي، لكنه استجاز لنفسه حذف اسمه باعتبار سماعه أصله عن الشافعي، وهذا وإن لم يستجزه المحدِّثون على طرقهم فقد يتوسَّع بمثله الفقهاء الذين لا يُعنَون بالأسانيد عناية المحدِّثين، والله أعلم بحقيقة الحال.
_________________
(١) انظر ترجمته في «لسان الميزان».
[ المقدمة / ٩٩ ]