ذكرنا أن المُزَنِيَّ اشتغل في أول أمره بعلم الكلام، وأن الشافعي أوصاه بتركه والبُعد عنه، وقد تَبِعَ نصيحته ولَزِمَ السُّنَّة بفضله، ورُوِي عنه الكثير من الروايات المؤكِّدَةِ التزامَه بطريقة السَّلَفِ في الاعتقاد، لكنه لم يكن من الذين يتعرَّضون للمحنة وقد عاش أيامها، فكانت سلامته سببًا في تعرُّضه لبعض التُّهَم، وسنذكر قصة اتهامه بفساد الاعتقاد، ومن ثَم نبرِّئه بذكر ما صَحَّ عنه من الكلام في أبواب العقيدة.
التهمة والمحنة:
كان أول اتصال المُزَنِيِّ بشيخه الشافعي في مسألة من مسائل الكلام كما ذكرت، وكانت نصيحة الشافعي له البُعد عن الخوض فيها، وقد لَزِمَ المُزَنِيُّ هذا النهج طَوال حياته فما كان أقلَّ حديثه في العقائد، وكان يبتغي بذلك البِرَّ بنصيحة شيخه الشافعي -﵀- ومذهبه، قال أبو عبد الرحمن السُّلَمِي: سمعت عبدالرحمن بن محمد بن حامدالسُّلَمِي: سمعت محمد بن عُقَيْل بن الأزهر يقول: جاء رجل إلى المُزَنِيِّ يسأله عن شيء من
[ المقدمة / ٣١ ]
الكلام، فقال: إنِّي أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، لقد سمعت الشافعي يقول: سُئِلَ مالك عن الكلام والتوحيد، فقال: مُحَال أن نظنَّ بالنبي -ﷺ- أنه علَّم أمته الاستنجاء ولم يعلِّمهم التوحيد، والتوحيد ما قاله النبي -ﷺ-: (أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله)، فما عصم به الدم والمال حقيقة التوحيد» (^١).
وأخرج البيهقي عن أحمد بن أصرم أنه قال: سمعت المُزَني يقول: «القرآن كلام الله، غير مخلوق، وما دِنْت بغير هذا قطُّ، ولكن الشافعي كان ينهانا عن الكلام» (^٢).
وقد عاش المُزَني أيام المحنة في أواخر خلافة المأمون وحتى نهايتها على يد المتوكِّل بن المعتصم، هذه المحنة التي هزَّت العالم الإسلامي قاطبة وقُبض فيها على جلة الأئمة، وفي مقدمتهم الإمام أحمد بن حنبل وأبو يعقوب البُوَيْطي، وكلاهما من تلاميذ الشافعي، فما كان من أبي إبراهيم إلا أنه حاول أن يبقى بمنأًى عن أن يَصْلَى بنارها، ومما يسَّر له ذلك بُعده عن المناصب وأهلها، وسكوته عن الحديث في العقائد والفرق، وما كل الناس بأحمد أو شبيهه، وقد قال المُزَني نفسه: «أحمد بن حنبل .. أبو بكر يوم الرِّدَّة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعليّ يوم صِفِّين» (^٣).
إلا أن السلامة نادرة، والسّتر عزيز، والناس مولعون بالتنقيب عن العقائد والامتحان فيها، فما كان منهم إلا أن اتخذوا من سكوته تهمة،
_________________
(١) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٠/ ٢٦)، وذكره السيوطي في «الحاوي للفتاوي» (٢/ ١٥٥ ط دار الفكر) وصحح إسناده وقال: «وبه أجبت».
(٢) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٥٣).
(٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٧).
[ المقدمة / ٣٢ ]
واستدلُّوا بسلامته في دولة المعتزلة على انحرافه، خصوصًا وقد أخذوا رفيقه البُوَيْطي موثقًا، وتصدَّر هو في مجلسه من بعده، فكثُر فيه القيل والقال، وعزوا له الانحراف في القرآن، فمن قائل بأنه من الواقفين في قضية القول بخلق القرآن، وآخرون عزوا له القول بالخلق.
قال ابن عبدالبَرِّ -﵀-: «كان من يُعاديه ويُنافسه من أهل مصر يرمونه بأنه كان يقول: القرآن مخلوق، فهجره قوم كثير من أهل مصر، حتى كان يجلس مع نحو عشرة من أصحابه إلى عمود في المسجد»، قال ابن عبدالبَرِّ: «وهذا لا يَصِحُّ عنه» (^١).
وعن أبي نُعَيْم قال: سمعتُ أبا القاسم الأَنْمَاطِيَّ يقول: «جالستُ المُزَني عشر سنين، فلما كان بأخرة اجتمعنا في جنازة بعض أصحابه، فقلت: إن الناس يتحدَّثون بمذهب المُزَني فينسبونه إلى أنه يتكلَّم في القرآن ويقول بالمخلوق، فلو سألناه؟ قال: فتقدَّمنا إليه فقلنا: يا أبا إبراهيم، إنما نسمع منك هذا العلم، ونحبُّ أن يُؤخَذ عنا ما نسمع منك، والناس يذكرون أنك سُئِلتَ عن القول بما يقول أهل الحديث في القرآن، ونحن نعلم أنك تقول بالسنة وعلى مذهب أهل الحديث، فلو أظهرت لنا ما تعتقده؟ فأجابنا فقال: أنا لم أعتقد قطُّ إلَّا أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولكني كرهت الخوض في هذا مخافة أن يكثر عليَّ، وأطالب بالنظر في هذا، وأشتغل عن الفقه، فلما كان من الغد بعث إليه رئيس من رؤساء الجهمية بمصر يقال له ابن الأصبغ رسولًا فقال: يا أبا إبراهيم، بعثني إليك فلان وهو يقول: لم تزل تُمْسِكُ عن الخوض في القرآن والكلام فيه، فما الذي بدا لك الآن؟ وقد بلغني أنك أجبت بكذا وكذا، فما حجتك فيما أجبت أن القرآن غير
_________________
(١) انظر «الانتقاء» (١٦٩) لابن عبد البَرِّ.
[ المقدمة / ٣٣ ]
مخلوق؟ فنظر إلينا فقال: ألم أقل لكم: إني كنت أمتنع من أجل أني أطالب بمثل هذا؟! قال أبو القاسم: فقلت أنا أتولَّى عنك جوابه، قال: شأنك، فمضيت إليه فقلت له: إن رسولك جاء إلى أبي إبراهيم بكذا وكذا، فجئت لأتولَّى عنه الجواب وأنا أحد من يحمل عنه العلم، فقال: ما حجتك؟ فقلت له: أقول: القرآن غير مخلوق، وأدلُّ عليه بكتاب الله وسنة رسول الله -ﷺ- وإجماع أمته، ومن حجج العقول التي ركَّبها الله في عباده، قال: فأوردت عليه ذلك فبقى متحيِّرًا»، أخرجه البيهقي وقال: «فالمُزَني -﵀- كان رجلًا ورعًا وزاهدًا يتجنَّب السلاطين، فامتنع من الكلام مخافة أن يُبْتَلَى بالدخول عليهم، مع ما شاهد من محنة البُوَيْطي وأمثاله من أهل السنة في أيام المعتصم والواثق» (^١).
وأخرج اللالكائي عن إبراهيم بن أبي داود البُرُلُّسِيّ المصري أنه قال: «كنا عند نُعَيْم بن حمَّاد جلوسًا، فقال نُعَيْم للمُزَني: ما تقول في القرآن؟ فقال: أقول إنه كلام الله، فقال: غير مخلوق؟ فقال: غير مخلوق، قال: وتقول إن الله يرى يوم القيامة؟ فقال: نعم، قال: فلما افترق الناس قام إليه المُزَني فقال: يا أبا عبد الله، شهرتني على رءوس الناس، فقال: إن الناس قد أكثروا فيك فأردت أن أبرِّئك» (^٢).
وأخرج الذهبي عن أبي زرعة الرازي أنه قال: «بلغني عنه أنه تكلَّم في لفظي بالقرآن مخلوق، فلما خرج عبد الرحيم إليه أمرته أن يسأله عن ذلك، قال: فبكى وقال: معاذَ الله» (^٣).
_________________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٤٦٦).
(٢) انظر «شرح اعتقاد أهل السنة» (رقم: ٨٩١).
(٣) انظر «تذكرة الحفَّاظ» (٢/ ٧٤٣).
[ المقدمة / ٣٤ ]
وقال أبو عَوَانة: «دخلت على أبي إبراهيم المُزَني في مرضه الذي مات فيه، فقلت له: ما قولك في القرآن؟ فقال: كلام الله غير مخلوق، فقلت: هلَّا قلت قبل هذا، قال: لم يزل هذا قولي، وكرهت الكلام فيه؛ لأن الشافعي كان ينهى عن الكلام فيه» (^١).
وقال أبو زكريا يحيى بن زكريا بن حيويه: سمعت المُزَنِي يقول: «القرآن كلام الله غير مخلوق» (^٢).
فهذه الروايات الصحيحة كلها تدل على صحة اعتقاد المُزَنِي وبُعده عَمَّا رُمِيَ به من الخوض في القرآن، وتبيِّن كذلك الأسباب التي جعلته لا يتكلَّم في القرآن، وجملتها: اتقاء المحنة أن تقع عليه، ومن الهدي ألا يتمنى المرء لقاء العدو، فإذا لقيه صبر وثبت، ومنها كذلك: اتقاء الخوض في علم الكلام والجدل في مسائلها شغلًا بالفقه كما أوصاه الشافعي.
شرح السنة للمُزَني:
وهناك رسالة في شرح السنة والمعتقد تُنسَب إلى المُزَني، ولها عنه روايتان:
أحدهما: رواية إسماعيل بن رجاء محدِّث عسقلان، قال: «أنبأنا أبو الحسين المَلْطِي وأبو أحمد محمد بن محمد القَيْسَرَاني، قالا: أنبأنا أحمد بن بكر اليازوري، قال: حدثني الحسن بن علي اليازوري الفقيه، حدثني علي بن عبد الله الحلواني، قال: كنت بأطربلس المغرب فذكرت وأصحاب لنا السنة، إلى أن ذكرنا أبا إبراهيم المُزَني ﵀، فقال بعض
_________________
(١) نقله الذهبي في «العلو للعلي الغفار» (ص ٢١٥ ر ٥٣٥) عن الحاكم.
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٢).
[ المقدمة / ٣٥ ]
أصحابنا: بلغني أنه كان يتكلم في القرآن ويقف، وذكر آخر أنه يقوله، إلى أن اجتمع معنا قوم آخرون فكتبنا إليه نستعلم منه، فكتب إلينا: عصمنا الله وإياكم بالتقوى …» إلخ.
وهذه الرواية ذكر الذهبي أولها في كتاب «العلو» (ص: ١٨٥ ر ٤٩٥)، وهي التي وصلتنا في نسخة مكتبة شهيد علي باشا بتركيا من طريق أبي طاهر السلفي، ومن طريقه ذكره ابن القيم في كتابه «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص: ٢٤٥)، وقال: «رسالته في السنة التي رواها أبو طاهر السِّلَفي عنه بإسناده، ونحن نسوقها بلفظها كلها: بسم الله الرحمن الرحيم …».
وثانيهما: رواية سعد بن علي الزِّنْجَاني، عن أبي محمد الجِلْياني، عن أبيه، عن أبي عبد الله الحسين بن علي الأهوازي، عن أبي القاسم سليمان بن أيوب الطبراني، عن عبد الكريم بن عبد الرحمن بن معاذ بن كثير قال: «جالست علي بن عبدالله الحلواني بأطرابلس المغرب في مجلس مذاكرة، وكنا جماعة من أهل العلم بمذهب السنة، فجرى ذكر علماء بذلك، مثل مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وسفيان الثوري، وداود الأصفهاني، وإسحاق بن راهويه، وأحمد بن حنبل، والمُزَني، فعارض معارض في المُزَني رحمة الله عليه وقال: ليس من جملة العلماء، قلنا: فلِمَ ذلك؟ قال: لأني سمعته يتكلم في القدر، ويجادل بالقياس والنظر، فغمَّنا ذلك أن نسمعه عنه، وأحببنا أن نعلم حقيقة ذلك، فكتبنا إليه كتابًا نسأله أن يشرح لنا حقيقة اعتقاده في القدر، والإرجاء، والسنة، والبعث والنشور، والموازين، والصراط، ونظر الناس إلى وجه الرب تعالى يوم القيامة، وسألناه الجمع والاختصار في الجواب، فلما وصل إليه الكتاب ردَّ إلينا جوابه: بسم الله الرحمن الرحيم …».
[ المقدمة / ٣٦ ]
وهذه الرواية وردت في نسخة مكتبة حمَّاد بن محمد الأنصاري، وهي نسخة فيما يبدو أصابها الكثير من التحريف والزيادة والنقص، فلا ينبغي الأخذ بها إلا حيث وافقت الأولى أو فسَّرتها.
وبالنظر في مقدمة الروايتين يُعلم أن تُهْمَة المُزَني في المعتقد قد جاوزت حدود مصر حتى بلغت طرابلس المغرب، كما جاوزت مسألة خلق القرآن حتى شملت مسائل الإيمان والقدر وجملة المعتقد، فكان ذلك سببًا في طلبهم إليه كتابة رسالة تبيِّن معتقده، لكن مرجع الروايتين إلى علي بن عبدالله الحَلَواني، وهو مجهول، كما أن حامل الرسالة إليه مبهم أيضًا، والحسن بن علي اليازوري الراوي عنه في الرواية الأولى مجهول، وأبو محمد الجلياني وأبوه وعبدالكريم بن عبدالرحمن بن معاذ بن كثير في إسناد الرواية الثانية مجاهيل، ومعلوم أن إسنادًا بهذا القدر لا ينبغي الاعتماد عليه، لكن إقرار أمثال سعد الزِّنْجَاني وأبي طاهر السلفي والذهبي وابن القيم يُضفي عليها صفة الشرعية مع يقيننا بأن مضمون المعتقد في الجملة هو عقيدة سلفنا الصالح، وهو عقيدة المُزَني منهم ما لم يثبت خلافه، ويؤيد بعضه ما ثبت عنه من المسائل بالأسانيد الصحيحة كما سيأتي إن شاء الله.
وقد نشر هذه العقيدة جمال عزون جزاه الله خيرًا معتمدًا على النسختين مع ما أورده ابن القيِّم والذهبي في كتابيهما، إلا أن لي نظرًا في بعض اختياراته، فرأيت إيراد الكتاب على ما رأيت أنا، ومن أراد تفصيل فروق النسخ فعليه بالنسخة المطبوعة.
[ المقدمة / ٣٧ ]
قال أبو إبراهيم المُزَني:
بسم الله الرحمن الرحيم
عصمَنا الله وإياكم بالتقوى ووفَّقَنا وإياكم لموافقة الهدى.
أما بعد:
فإنك -أصلحك الله- سألتَني أن أوضِّح لك من السنة أمرًا تُصَبِّر نفسك على التمسك به، وتدرأ به عنك شبه الأقاويل، وزيغ محدثات الضالين، وقد شرحت لك منهاجًا موضَّحًا، لم آل نفسي وإياك فيه نصحًا، بدأت فيه بحمد الله ذي الرشد والتسديد.
الحمد لله أحق ما بدئ، وأولى مَنْ شكر، وعليه أُثني، الواحد الصمد، الذي ليس له صاحبة ولا ولد، جَلَّ عن المثيل، فلا شبيه له ولا عديل، السميع البصير، العليم الخبير، المنيع الرفيع، عالٍ على عرشه، وهو دانٍ بعلمه مِنْ خلقه، أحاط علمه بالأمور، وأنفذ في خلقه سابق المقدور، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]، فالخلق عاملون بسابق علمه، ونافذون لما خلقهم له من خير وشر، لا يملكون لأنفسهم من الطاعة نفعًا، ولا يجدون إلى صرف المعصية عنها دفعًا.
خلق الخلق بمشيئته عن غير حاجة كانت به، وخلق الملائكة جميعًا لطاعته، وجَبَلهم على عبادته، فمنهم ملائكة بقدرته للعرش حاملون، وطائفة منهم حول عرشه يسبحون، وآخرون بحمده يقدِّسون، واصطفى منهم رسلًا إلى رسله، وبعض مدبِّرون لأمره.
ثم خلق آدم بيده، وأسكنه جنته، وقبْل ذلك للأرض خلقه، ونهاه عن شجرة قد نفذ قضاؤه عليه بأكلها، ثم ابتلاه بما نهاه عنه منها، ثم سلَّط عليه
[ المقدمة / ٣٨ ]
عدوه فأغواه عليها، وجعل أكله لها إلى الأرض سببًا، فما وجد إلى ترك أكلها سبيلًا، ولا عنه لها مذهبًا.
ثم خلق للجنة من ذريته أهلًا، فهم بأعمالها بمشيئته عاملون، وبقدَرِه وإرادته ينفذون، وخلق من ذريته للنار أهلًا، فخلق لهم أعينًا لا يبصرون بها، وآذانًا لا يسمعون بها، وقلوبًا لا يفقهون بها؛ فهم بذلك عن الهدى محجوبون، وبأعمال أهل النار بسابق قدَره يعملون.
والإيمان قول وعمل، وهما سِيَّان، ونظامان وقرينان، لا نفرِّق بينهما، لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان.
والمؤمنون في الإيمان يتفاضلون، وبصالح الأعمال هم متزايدون، ولا يخرجون بالذنوب من الإيمان، ولا يكفرون بركوب معصية ولا عصيان، ولا نوجب لمحسنهم الجِنان بعد من أوجب له النبي ﵌، ولا نشهد على مسيئهم بالنار.
والقرآن كلام الله ﷿، ومِن لدنه، وليس بمخلوق فيبيد، وقدرة الله ونعته وصفاته كاملات، غير مخلوقات، دائمات، أزليات، وليست بمُحْدَثات فتبيد، ولا كان ربنا ناقصًا فيزيد، جلت صفاته عن شبه المخلوقين، وقصرت عنه فطن الواصفين، قريب بالإجابة عند السؤال، بعيد بالتعزُّز لا ينال، عالٍ على عرشه، بائن من خلقه، موجود، وليس بمعدوم ولا بمفقود.
والخلق ميِّتون بآجالهم، عند نفاد أرزاقهم، وانقطاع آثارهم، ثم هم بعد الضغطة في القبور مساءلون، وبعد البِلَى منشورون، ويوم القيامة إلى ربهم محشورون، ولدى العرض عليه محاسبون، بحضرة الموازين، ونشر صحف الدواوين، أحصاه الله ونَسُوه، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة
[ المقدمة / ٣٩ ]
لو كان غير الله ﷿ الحاكم بين خلقه، فالله يلي الحكم بينهم بعدله بمقدار القائلة في الدنيا، وهو أسرع الحاسبين، كما بدأه لهم من شقاوة وسعادة يومئذ يعودون، فريق في الجنة وفريق في السعير.
وأهل الجنة يومئذ في الجنة يتنعمون، وبصنوف اللذات يتلذَّذون، وبأفضل الكرامة يحبرون، فهم حينئذ إلى ربهم ينظرون، لا يمارون في النظر إليه ولا يشكون، فوجوههم بكرامته ناضرة، وأعينهم بفضله إليه ناظرة، في نعيم دائم مقيم، و﴿لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين﴾ [الحجر: ٤٨]، ﴿أكلها دائم وظلها، تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار﴾ [الرعد: ٣٥].
وأهل الجَحْد عن ربهم يومئذ محجوبون، وفي النار يسجرون، ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾ [المائدة: ٨٠]، و﴿لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور﴾ الآية [فاطر: ٣٦]، خلا من شاء الله من الموحِّدين إخراجَهم منها.
والطاعة لأُولي الأمر فيما كان عند الله - ﷿ - مرضيًّا، واجتناب ما كان مسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَوْرهم، والتوبة إلى الله ﷿ كيما يعطف بهم على رعيتهم، والإمساك عن تكفير أهل القبلة، والبراءة منهم فيما أحدثوا، ما لم يبتدعوا ضلالًا، فمن ابتدع منهم ضلالًا كان على أهل القبلة خارجًا، ومن الدين مارقًا، ويتقرَّب إلى الله ﷿ بالبراءة منه، ويهجر ويحتقر وتجتنب غدته، فهي أعدى من غدة الجرب.
ويقال بفضل خليفة رسول الله ﵌ ثم عمر، فهما وزيرا رسول الله -ﷺ- وضجيعاه، ثم عثمان، ثم علي، ﵃ أجمعين، ثم الباقين من العشرة الذين أوجب لهم رسول الله -ﷺ- الجنة، ونخلص
[ المقدمة / ٤٠ ]
لكل رجل منهم من المحبة بقدر الذي أوجب لهم رسول الله -ﷺ- من التفضيل، ثم لسائر أصحابه من بعدهم ﵃ أجمعين، ويقال بفضلهم، ويذكرون بمحاسن أفعالهم، ونمسك عن الخوض فيما شجر بينهم، فهم خيار أهل الأرض بعد نبيِّهم، ارتضاهم الله ﷿ لنبيِّه، وخلقهم أنصارًا لدينه، فهم أئمة الدين، وأعلام المسلمين، ﵃ أجمعين.
ولا نترك حضور الجمعة، وصلاتها مع بر هذه الأمة وفاجرها لازم، ما كان من البدعة بريا، والجهاد مع كل إمام عدل أو جائر والحج، وإقصار الصلاة في الأسفار، والاختيار فيه بين الصيام والإفطار.
هذه مقالات وأفعال اجتمع عليها الماضون الأولون من أئمة الهدى، وبتوفيق الله اعتصم بها التابعون قدوة ورضى، وجانبوا التكلف فيما كفوا، فسددوا بعون الله ووفّقوا، لم يرغبوا عن الاتِّباع فيقصروا، ولم يجاوزوا فيعتدوا، فنحن بالله واثقون، وعليه متوكّلون، وإليه في اتباع آثارهم راغبون.
هذا «شرح السنة»، تحرَّيت كشفها وأوضحتها، فمن وفَّقه الله للقيام بما أبنته مع معونته له بالقيام على أداء فرائضه بالاحتياط في النجاسات، وإسباغ الطهارة على الطاعات، وأداء الصلوات على الاستطاعات، وإيتاء الزكاة على أهل الجِدَاتِ، والحج على أهل الجِدَة والاستطاعات، وصيام الشهر لأهل الصحَّات، وخمس صلوات سنَّها رسول الله -ﷺ-: صلاة الوتر في كل ليلة، وركعتا الفجر، وصلاة الفطر والنحر، وصلاة كسوف الشمس والقمر إذا نزل، وصلاة الاستسقاء متى وجب، واجتناب المحارم، والاحتراز من النميمة، والكذب، والغيبة، والبغي بغير الحق، وأن يقال
[ المقدمة / ٤١ ]
على الله ما لا يعلم، كل هذا كبائر محرمات، والتحرِّي في المكاسب والمطاعم والمحارم والمشارب والملابس، واجتناب الشهوات، فإنها داعية لركوب المحرمات، فمن رعى حول الحمى فإنه يوشك أن يُواقع الحمى.
فمن يسَّر لهذا فإنه من الدين على هدى، ومن الرحمة على رجاء، ووفَّقنا الله وإياك إلى سبيله الأقوم بمنِّه الجزيل الأقدم وجلاله العليِّ الأكرم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعلى من قرأ علينا السلام، ولا ينال سلام الله الضالين، والحمد لله رب العالمين.
مسائل عن المُزَني في المعتقد:
قال عبدالله: وقد تتبَّعت ما أمكنني جمعه مما قرب تناوله من شوارد مسائل الاعتقاد التي تُروى عن المُزَني ما يدل على أن منهجه في الاعتقاد هو منهج أصحاب الحديث وسلف الأمة في الجملة، فمن ذلك:
قوله في صفات الله تعالى، قال محمد بن إسماعيل الترمذي: «سمعت المُزَني يقول: لا يصح لأحد توحيد حتى يعلم أن الله على العرش بصفاته، قلت: مثل أي شيء؟ قال: سميع بصير عليم قدير» (^١).
وقوله في القدر، قال المُزَني: «سألت الشافعي عن قول النبي -ﷺ-: ستة لعنهم الله، فذكر منهم: المكذِّب بقدر الله، فقلت له: يا أبا عبد الله، مَنْ القدرية؟ فقال: هم الذين زعموا أنَّ الله لا يعلم المعاصي حتى تكون»، أخرجه البَيْهَقي وقال: «وقد سمعت كثيرًا من علماء المعتزلة زَعْم أن منهم من أنكر علمه بها كما أنكر خلقه لها، وقال لي في السِّرِّ: لا يستقيم هذا
_________________
(١) أخرجه الذهبي بسنده في «العلو للعلي الغفار» (ص ١٨٥ ر ٤٩٦)، وقال الألباني في مختصره (ص ٢٠١): «وفيه من لم أعرفه مثل عمرو بن تميم المكي».
[ المقدمة / ٤٢ ]
المذهب إلا بأن ينكرهما جميعًا، إلا أن مشايخنا لا يبوحون بذلك»، قال البَيْهَقي: «ونعوذ بالله من مذهبٍ يُقيم صاحبه على مثل هذا القول» (^١).
وقوله في الإيمان، سأله أبو سعيد الفِرْيَابي في مرضه الذي تُوُفِّي فيه عن الإيمان وهو يومئذ ثقيل من المرض، يغمى عليه مرة، ويُفيق مرة، وقد كانوا صرخوا عليه تلك الليلة وظنوا أنه قد مات، قال أبو سعيد: «فقلت له: أنت إمامي بعد كتاب الله وسنة نبيه -ﷺ-، قولك في الإيمان؟ إن الناس قد اختلفوا فيه: فمنهم من زعم أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ومنهم من قال: قول وعمل يزيد، ومنهم من قال: قول والعمل شرائعه، فقال مجيبًا بسؤال ثقيل: من الذي يقول: قول وعمل؟ قلت: مالك، والليث بن سعد، وابن جريج، وذكرت له جماعة، فقال: لا يعجبني، أو لا أحبُّه أن يكفر أحد، إنما قال: سلني عن الاسم أو معنى الاسم، فتعجبت من سؤاله إياي مع ما هو فيه وهو يُغمى عليه فيما بين ذلك، ثم قال: من أخطأ في الاسم ليس كمن أخطأ في المعنى، الخطأ في المعنى أصعب، ثم قال: فما يقول هذا القائل فيمن جهل بعض الأعمال؟ هو مثل من جهل المعرفة؟ يريد التوحيد كله، ثم قال: هذا باب لم أُعمل فيه فكري، ولكن أنظر لك فيه، فلما قال لي ذلك أُغمي عليه، فقبَّلت جبينه، ولم يعلم بذلك وما شعر بي، وذلك أني قبَّلت في ذلك المجلس يده فمد يدي فقبَّلها، فلما كان بعد العصر من يومي ذلك رجعت إليه، فقال لي ابن أخيه عتيق: إنه سأل عنك وقال: قل له: الإيمان قول وعمل، فقعدت عنده حذاء وجهه، ففتح عينه ثقيلًا، فقال لي: الفِرْيَابي؟ قلت: نعم أكرمك الله، قال: لا خلاف بين الناس أن النبي -ﷺ- طاف بالبيت فقال: إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك»، وهذا
_________________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٤).
[ المقدمة / ٤٣ ]
دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان، قال أبو سعيد: هذا آخر مسألة سألت المُزَنِي عنها، ومات بعد هذا بثلاثة أيام (^١).
هذا وقد كان المُزَنِي يخرج هذا قولًا للشافعي -﵁-، قال المُزَنِي: «إنَّ الشافعي قال في الذبيحة: ولا أكره الصلاة على رسول الله -ﷺ-؛ لأنها إيمان بالله»، قال المُزَنِي: «ففي هذا دليل واضح أنه كان يقول: الإيمان قول وعمل، جعل الصلاة على رسول الله -ﷺ- من الإيمان» (^٢)، وهذا النص مُهم من جهة أنه أصَّلَ للشافعية منهجًا لتخريج أقوال الإمام في العقائد لو أنهم عملوا به كما فعلوا في الفقه، اللهم إلا ما كان من البَيْهَقي حيث خرَّج الكثير من أقوال الشافعي العقدية من مسائله الفقهية.
وقوله في الرؤية، قال المُزَني: «قال ابن هَرِم: قال الشافعي: في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] دليل على أن أولياء الله يرونه يوم القيامة» (^٣).
وقوله في عصمة الأنبياء، قال محمد بن إسحاق: سمعت المُزَنِي وذكر عنده حديث النبي -ﷺ-: «نحن أحق بالشك من إبراهيم»، فقال المُزَني: «لم يَشُكَّ النبي ولا إبراهيم ﵉ في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكَّا أن يجيبهما إلى ما سألا» (^٤).
_________________
(١) أخرجه اللالكائي في «اعتقاد أهل السنة» (رقم: ١٥٩٦)، وأخرجه البَيْهَقي مختصرًا في «المناقب» (٢/ ٣٥٣).
(٢) ذكره البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٣).
(٣) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٣).
(٤) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥).
[ المقدمة / ٤٤ ]