لم يزل المُزَنِي ملازمًا للشافعي منذ وروده مصر وحتى وفاته، ورُوِي عن المُزَنِي أنه قال: «دخلت على محمد بن إدريس الشافعي -﵁- عند وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبدالله؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، وللإخوان مفارقًا، وعلى الله وَارِدًا، وبكأس المنية شاربًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، فلا أدري نفسي إلى الجنة تصير فأهنِّيها، أو إلى النار فأعزِّيها، فقلت: يا أبا عبد الله، رحمك الله، عِظْنِي. فقال لي:
اتقِ الله، ومَثِّل الآخرة في قلبك، واجعل الموت نُصْبَ عَيْنَيْكَ، ولا تنسَ موقفك بين يدي الله ﷿، وكن من الله تعالى عَلى وَجَلٍ، واجتنب محارمَه، وأدِّ فرائضه، وكن مع الحقِّ حيث كان، ولا تستصغرنَّ نعم الله عليك وإن قَلَّت، وقَابِلْها بالشكر، وليكن صمتك تفكُّرًا، وكلامك ذكرًا، ونظرك عبرة، اعفُ عمَّن ظلمك، وصِلْ من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، واصبر على النائبات، واستعذ بالله من النار بالتقوى.
[ المقدمة / ٥١ ]
فقلت: زِدْني رحمك الله يا أبا عبدالله، فقال:
ليكن الصِّدق لِسَانَك، والوفاء عِمادَك، والرحمة ثمرتك، والشكر طهارتك، والحق تجارتك، والتودُّد زينتك، والكتاب فطنتك، والطاعة معيشتك، والرضا أمانتك، والفهم بصيرتك، والرجاء اصطبارك، والخوف جِلْبَابك، والصدقة حِرْزك، والزكاة حصنك، والحياء أميرك، والحلم وزيرك، والتوكُّل درعك، وتكون الدنيا سجنك، والفقر ضَجِيعك، والحقُّ قائدك، والحجُّ والجهاد بغيتك، والقرآن محدِّثك، والله مؤنسك، فمن كانت هذه صفته كانت الجنة منزلته» (^١).
ولقد كان الشافعي -﵀- رجل فراسة ينظر بنور الله، وقد تفرَّس في أصحابه ما هم صائرون إليه، قال الربيع: «دخلنا على الشافعي عند وفاته أنا والبُوَيْطي والمُزَني ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم»، قال: «فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال، ثم التفت إلينا فقال: أمَّا أنت يا أبا يعقوب .. فتموت في حديدك، وأما أنت يا مُزَنِيُّ .. فستكون لك بمصر هَنَاتٌ وهَنَات، ولتدركنَّ زمانًا تكون أقيس أهل ذلك الزمان، وأما أنت يا محمد .. فسترجع إلى مذهب أبيك [يعني: مذهب مالك ﵀]، وأما أنت يا ربيع ..
_________________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٢٩٤) عن محمد بن الحسين السُّلَمِي قال: أنبأنا أبو نصر: محمد بن محمد بن عيينة الشَّعْرَاني بمرو، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أوس، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن محمد الموصلي بِتِرْمِذ في الجامع، قال: حدثنا مكي بن هارون الزِّنْجَاني بِزِنْجَان، عن أبي عبد الله بن شاكر عن المُزَني به، وقد أخرج قبله أصل خبر دخوله على الشافعي عن محمد بن عبد الله بن محمد، قال: حدثني أحمد بن الحسين الصُّوفي، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العطار بمصر، قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: «دخل المُزَنِي على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلًا، ولإخواني مُفارقًا، ولكأس المنيَّة شاربًا، وعلى الله واردًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا».
[ المقدمة / ٥٢ ]
فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب، قم يا أبا يعقوب فتسلَّم الحلقة»، قال الربيع: «فكان كما قال» (^١).
هكذا ورد في هذه الرواية أنه أوصى بحلقته إلى أبي يعقوب البُوَيْطي، وله قصة من صراع أصحابه عليها، فروى أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة عن أبي جعفر السكري صديق الربيع عن الربيع قال: «لمَّا مرض الشافعي مرضه الذي تُوُفِّي فيه جاء محمد بن عبدالله بن عبدالحكم ينازع البُوَيْطي في مجلس الشافعي، فقال البُوَيْطي: أنا أحق بمجلسه منك، وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء الحميدي - وكان تلك الأيام بمصر - فقال: قال الشافعي: ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى، وليس أحد من أصحابي أعلم منه، فقال له ابن عبد الحكم: كذبت، فقال له الحميدي: بل كذبت أنت وكذب أبوك وكذبت أمك، وغضب ابن عبد الحكم فترك مجلس الشافعي وتقدَّم مجلس الشافعي فجلس في الطاق الثالث، ترك طاقًا بين مجلس الشافعي وبين مجلسه، وجلس البُوَيْطي في مجلس الشافعي في الطاق الذي كان يجلس. قال أبو بكر: وهو الطاق الذي كان الربيع يجلس فيه أيامنا، إلا أن الشافعي كان يجلس مستقبِل القبلة، وكان الربيع يجلس مستدبِر القبلة، لا يجلس في مجلس الشافعي ﵀» (^٢).
فما زالت حلقة الشافعي مع البُوَيْطي حتى قامت محنة خلق القرآن، فسُعِيَ بالبُوَيْطي إلى السلطان، وقد أخرج الذهبي عن القاضي زكريا بن أحمد البَلْخِي: حدثنا أبو جعفر محمد بن أحمد الترمذي، حدثنا الربيع بن
_________________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ١٣٦).
(٢) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٣٧).
[ المقدمة / ٥٣ ]
سليمان، قال: «كان أبو بكر الأصم ممن سعى به - وما هو بابن كيسان الأصم - وكان أصحاب ابن أبي دؤاد وابن الشافعي ممن سعى به»، قال الربيع: «وكان المُزَني ممن سعى به وحرملة»، قال أبو جعفر الترمذي: «فحدثني الثقة عن البُوَيْطي أنه قال: برئ الناس من دمي إلا ثلاثة: حرملة والمُزَنِي وآخر» (^١).
قال التاج السُّبْكي: «إن صحَّت هذه الحكاية فالذي عندنا في إبهام الثالث أنه راعى فيه حق والده رضوان الله عليه» (^٢)، والحكاية وإن صحت لم تدل إلا على أن المُزَني اتهم بالسعاية على البُوَيْطي، ولئن كان قد فعلها فهي كَبْوَة نرجو من الله أن يغفرها له على ما قدَّم، وقد قال الذهبي عقيب إيراده له: «اسْتَفِقْ ويحك وسَلْ ربك العافية، فكلام الأقران بعضهم في بعض أمر عجيب، وقع فيه سادة، فرحم الله الجميع».
قال البَيْهَقي: «وحين وقع للبُوَيْطي ما وقع كان القائم بالتدريس والتفقيه على مذهب الشافعي ﵀: أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المُزَني ﵀» (^٣).
لكن اتهام المُزَنِي بالسعاية على البُوَيْطي، ثم سكوته في مسألة خلق القرآن كما أشرت إليه سابقًا، كان لهما الأثر السيِّئ في زيادة الشكوك حول المُزَني، فهجره كثير من الناس، حتى ذكر أنه ما كان يجلس إليه إلا عشرة، ولكنها كانت محنة ألقت عليه ضبابها ثم انقشعت ليعلو في السماء نجمه بما عرف الله منه من إخلاصه، ثم ما رأى الله منه من عدم مبالاته في سبيله لومَ اللُّوَّم، وعن الحسن بن أحمد بن عبدالواحد قال: «سمعت المزني
_________________
(١) انظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (١٢/ ٦٠).
(٢) انظر «الطبقات» له (٢/ ١٦٤).
(٣) انظر «مناقب الشافعي» (٢/ ٣٤٤).
[ المقدمة / ٥٤ ]
يقول وقال له رجل: يا أبا إبراهيم، إن فلانًا يبغضك، قال: ليس في قربه أُنْسٌ، ولا في بُعده وَحشة» (^١).
وقال أبو عمر بن عبد البَرِّ: «حدثنا أبو عمر أحمد بن محمد بن أحمد، قال: نا أبو القاسم عبيدالله بن عمر بن أحمد الشافعي بالزهراء، قال: كان فيما حدثنا شيوخنا من أهل مصر بمصر رجل صالح يقولون إنه من الأبدال، فرأى في النوم رؤيا، فأصبح فوقف في جامع مصر وصاح: يا أهل مصر اجتمعوا إليَّ، فاجتمع إليه الناس فقالوا: ما نزل بك يا فلان، قال: أنتم على خطأ كلكم فاستغفروا الله وتوبوا إليه، قالوا: مم ذا؟ قال: نعم، رأيت فيما يرى النائم كأني في مسجدكم هذا، وكأن القناديل كلها قد أُطفئت إلا قنديلًا واحدًا عند بعض هذه الأعمدة التي كان يجلس إليها المُزَني صاحب الشافعي، تعالوا حتى أريكم إياه، فوقفهم على العمود الذي كان يجلس إليه المُزَني، فتوافى الناس إليه واستحبُّوه وعَظُمَت حلقته حتى أخذت أكثر الجامع، وزال ما في قلوب الناس من التهمة له» (^٢).
وكثر إقبال الناس على المُزَني وأخذهم عنه بعد ذلك، حتى إن كثرة تلاميذه شغله عن بعض أعماله التي كان يقوم بها، فنذر نفسه لهم وجعل نشر العلم عبادته وطريقه إلى الله تعالى، قال يوسف بن عبدالأحد القُمِّي: «إن أبا إبراهيم المُزَني عَبَدَ الله كذا وكذا سنة عبادة منتظر، وكان يُصلِّي بحضرة أصحابه وهم يتناظرون، فإذا أشكل عليهم مسألة انتظروا سلامه، فإذا سلَّم سألوه، فقالوا: يا أبا إبراهيم، إن اشتغالك بتعليمنا أفضل لك من
_________________
(١) أخرجه البَيْهَقي في «المناقب» (٢/ ٣٥٥).
(٢) انظر «الانتقاء» (١٧٠).
[ المقدمة / ٥٥ ]
الصلاة، يعنون النافلة، قال: وكيف؟ قالوا: لأنَّ تعليمك العلم يَعدُوك، وصلاتك لا تعدوك، فترك الصلاة وأقبل على تعليمهم» (^١).
وقال الخليلي: «ونجب أصحابه، وكان الدرس له في أيامه بمصر دون غيره، والنجباء من أصحابه في كل ناحية، فببغداد: عبدالله بن محمد بن زياد النيسابوري، وأحمد بن عبدالله بن سيف السجستاني، وفي الجبل: أبو عبدالله أحمد بن محمد بن ساكن الزِّنْجاني، وموسى بن عبدالحميد بن عصام بهمذان، وإبراهيم بن محمد بن عبيد الشهرزوري بحلوان، وسمع منه أبو الحسن العطَّار القزويني كتاب المزني، وأبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري بطبرستان، ومحمد بن هارون الروياني، وآخر من روى عنه بالرَّيِّ: ابن أبي حاتم، وبنيسابور: محمد بن إسحاق بن خزيمة، وبمرو: أحمد بن محمد المروزي، وبأذربيجان: أبو عمرو سعيد بن عمرو البردعي الحافظ» (^٢).
وفي أصحاب المُزَني غير من ذكرهم الخليلي كثرة، وهم في الواقع لا شك أكثر ممن ذكر في كتب التراجم، ولا أرى كبير عائدة تُرتَجى من سرد أسمائهم، ويكفيه أن طريقه هو الذي اتصل إلى الآباد في الفقه الشافعي، وأن كتابه هو الذي منه استقى جمهورهم.
_________________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٩ - ٣٥٠).
(٢) انظر «الإرشاد» (١/ ٤٢٩).
[ المقدمة / ٥٦ ]