ذكرنا توسُّم الشافعي في المُزَني أنه ناصر مذهبه، وقال الروياني: «أحتسب المُزَني أفقه تلامذة الشافعي وأزهدهم وأحفظهم لكتبه وعلمه» (^١)، وهذه هي الشروط الأولية لنصرة المذهب الذي تعلَّم على أساسه.
وقد اصطلح الفقهاء الشافعية على تقسيم مراتب المفتين المجتهدين إلى مستقلين، ومنتسِبين، ومقيّدين، وليس هذا موضع التمييز بين هذه المراتب وذكر خصائصها، وإنما أريد بهذا الفصل ذكر موقع المُزَني منها، فذكر ابن الصلاح اختلاف الأصحاب في أن المُزَني هل كان من المجتهدين المستقلين أو من المجتهدين المنتسِبين إلى المذهب (^٢)، وذهب النووي إلى أنه من المنتسِبين إلى المذهب (^٣)، وهذه - والله أعلم - أحكام جملية،
_________________
(١) انظر «بحر المذهب» (١/ ٢٥).
(٢) انظر «أدب المفتي والمستفتي» (ص: ٤١).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٥).
[ المقدمة / ٦٥ ]
اعتبروا فيها حالة المُزَني في غالب اجتهاداته، وإلا فلا خلاف في أن المُزَني له من الاجتهادات ما خرَّجها على مذهب الشافعي، مثله في ذلك مثل أصحاب الوجوه، وله منها ما استند فيها على أدلة الأحكام ونصوص الشرع، مثله فيها مثل المجتهدين المنتسِبين أمثال ابن جرير وابن خزيمة، وله منها ما خالف فيها الشافعي بناءً على دليل خاص ظهر له، مما يمكن أن يسمَّى اجتهادًا جزئيًّا مستقلًّا، وهذا يدل على أن المُزَني اجتمعت فيه جميع مراتب المجتهدين، فينبغي تخصيص هذا الخلاف في بيان الصفة الغالبة عليه.
وحينئذٍ كان لا بد من الفرق بين ما هو من اجتهاده الخاص الذي لا يُنْسَب إلى المذهب، واجتهادِه المقيد الذي يُعَدُّ وجهًا ضمن وجوه الأصحاب، وقد اضطرب كلام الأصحاب في ضوابط ما يُعَدُّ من أقواله من المذهب وما لا يُعَدُّ، فحاول إمام الحرمين في مواضع من «النهاية» ضبط ذلك ووضع قواعد تمييزه، وأحاول هنا أن أجمع شتيت كلامه في ذلك وأرتِّبه إن شاء الله، وخلاصة ذلك النظر في أمور أربعة:
أولها - النظر في حقيقة الاجتهاد الذي بَنَى عليه قوله، فإن كان اعتمد في استنباطه على نصوص الإمام وقواعده على قاعدة التخريج فهو من الوجوه في المذهب، وهو أولى من غيره أن يُعَدَّ من المذهب، قال إمام الحرمين: «إذا تصرَّف المُزَني على قياسِ مذهب الشافعي مخرِّجًا .. كان تخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره» (^١)، وقال: «وأنا أوثر أن ننظر في كل كلام له إلى ما أشرنا إليه، فإنْ تصرَّف على المذهب وأجرى قياسه .. فهو تخريج على مذهب الشافعي، وتخريجه أولى بالقبول من تخريج غيره،
_________________
(١) انظر «نهاية المطلب» (٧/ ٢١٤).
[ المقدمة / ٦٦ ]
وإن لم يتصرف على قياس المذهب، واستحدث من تلقاء نفسه أصلًا .. فيعدُّ ذلك مذهبَه، ولا يلحق بمتن المذهب» (^١).
وثانيها - النظر في صفة تعبيره عن اجتهاده، فإذا عبَّر عنه بما يدل على تخريجه على أصل الشافعي فهو من المذهب، وإذا عبَّر بما يدل على اختياره الخاصِّ فليس من المذهب، وقد نصَّ الشافعي في خُلع وكيل المرأة بأكثر مما سمَّت مع إضافته إليها أن البينونة حاصلة، ومذهب المُزَني أن الطلاق لا يقع، فقال إمام الحرمين: «لم أر أحدًا من الأصحاب يرى مذهبه قولًا مخرَّجًا في المذهب على اتجاهه»، قال: «وإنما لم يُلحق الأصحابُ مذهبَه في هذه المسألة بالمذهب؛ لأن من صيغة تخريجه أن يقول: (قياس مذهب الشافعي كذا وكذا)، وإذا انفرد بمذهبٍ استعمل لفظةً تُشعِر بانحيازه، وقد قال في هذه المسألة لمَّا حكى جواب الشافعي: (ليس هذا عندي بشيء)، واندفع في توجيه ما رآه» (^٢)، وقال: «للمُزَني عبارات في اختياراته، تارةً يفرط ويسرف ويقول بعد النقل: (هذا ليس بشيء)، وما كان كذلك فهو من مفرداته، وكلامُه مشعِر بمجانبته مذهبَ الشافعي فيما نقله وأخْذِه في مأخذٍ آخر، فلا يُعَدُّ مذهبُه تخريجًا، وتارةً يقول: (قياس الشافعي خلافُ ما نقلته)، فإذا قال ذلك، فالأوجَه عدُّ ما يذكره قولًا مخرَّجًا للشافعي، وإذا لم يتصرَّف على قياسه وقال: (الأشبه عندي) كان لفظه متردِّدًا بين التصرُّف على قياس الشافعي مَصيرًا إلى أن المعنيَّ بقوله (هذا أشبهُ): هذا أشبهُ بمذهب الشافعي، ويجوز أن يُقال: (هذا أشبه) معناه:
_________________
(١) انظر «نهاية المطلب» (١٤/ ٣٧).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١٣/ ٤٨٠).
[ المقدمة / ٦٧ ]
أشبهُ بالحق ومسلك الظن، ولم أَرَ أحدًا من أصحابنا يَعُدُّ اختيار المُزَني في هذه المسألة قولًا معدودًا من المذهب مخرجًا» (^١).
وثالثها - النظر في تفرُّده وموافقة أصحاب الوجوه له على قوله، فإذا وافقه بعضهم كان ذلك دليلًا على أنه من المذهب، وإن اتفقوا على خلافه دَلَّ ذلك على أنه من اجتهاده الخارج عن المذهب، قال إمام الحرمين: «إذا انفرد المُزَني برأي .. فهو صاحب مذهب، فإذا خرَّج للشافعي قولًا .. فتخريجه أولى من تخريج غيره، وهو يلتحق بالمذهب لا محالة» (^٢)، وقال النووي: «هذا الذي قاله الإمام حَسَنٌ لا شك أنه متعيِّن» (^٣).
قلت: ينبغي أن يقيَّد هذا بما إذا لم يصرّح المُزَني بتخريجه على قواعد الشافعي وأصوله، وإلا فهو معدود من المذهب لا محالة، وإنما ينظر إلى التفرُّد حيث لم يصرّح بعزوه إلى المذهب، قال الرافعي: «تفرُّدات المُزَني لا تُعَدُّ من المذهب إذا لم يخرِّجها على أصل الشافعي» (^٤).
ورابعها - النظر في الكتاب الذي ذكر فيه اجتهاده، فإن كان من الكتب التي ألَّفها لبيان مذهبه وفتاواه مثل «المسائل المعتبرة» لم يعتدَّ بها من المذهب، وإن كان الكتاب لبيان مذهب الشافعي في الجملة كـ «المختصر» فهو من المذهب، قال ابن السُّبْكي: «ينبغي أن يكون الفيصل في المُزَني أن تخريجاته معدودة من المذهب؛ لأنها على قاعدة الإمام الأعظم، وأمَّا اختياراته الخارجة عن المذهب .. فلا وجه لعدِّها ألبتة، وأمَّا إذا أطلق ..
_________________
(١) انظر «النهاية» (١٤/ ٣٧١).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١/ ١٢٢).
(٣) انظر «المجموع» (١/ ١١٥).
(٤) انظر «العزيز» (١/ ٢٣٧ و١٤/ ٣١٢).
[ المقدمة / ٦٨ ]
فذلك موضع النظر والاحتمال، وأرى أن ما كان من تلك المطلَقات في مختصَره تلتحق بالمذهب؛ لأنه على أصول المذهب بناه، وأشار إلى ذلك بقوله في خطبته: (هذا مختصَر اختصرته من علم الشافعي ومن معنى قوله)، وأمَّا ما ليس في (المختصَر)، بل هو في تصانيفه المستقلة .. فموضع التوقُّف» (^١).
فهذه جملة ما ذكره الأئمة من الاعتبارات التي يرجع إليها في التمييز بين اجتهادات المُزَني الخاصة وتخريجاته على قاعدة المذهب، وبناءً عليها ينبغي النظر في واقع اجتهاداته واستخلاص أنواعه لنحكم من خلالها على شخصه إن كان مجتهدًا مقيدًا أو منتسبًا أو مستقلًّا، وفي بعض كلام إمام الحرمين ما قد يُفهَم منه أن المُزَني لا يخرج عن قاعدة المذهب مطلقًا، قال إمام الحرمين: «الذي أراه أن يُلحَق مذهبُه في جميع المسائل بالمذهب؛ فإنه ما انحاز عن الشافعي في أصلٍ يتعلق الكلام فيه بقاطعٍ، وإذا لم يفارق الشافعيَّ في أصوله فتخريجاته خارجةٌ على قاعدة إمامه، فإن كان لتخريج مخرِّج التحاقٌ بالمذهب فأولاها تخريج المُزَني؛ لعلوِّ منصبه في الفقه، وتَلَقِّيه أصول الشافعي من فَلْق فيه» (^٢).
وقال الشهرستاني لمَّا ذكر الشافعية من مذاهب المسلمين في الفروع أورد المُزَني وسائر تلاميذ الشافعي وقال بأنهم: «لا يزيدون على اجتهاده اجتهادًا، بل يتصرَّفون فيما نقل عنه توجيهًا واستنباطًا، ويصدرون عن رأيه جملة، فلا يخالفونه ألبتة» (^٣).
_________________
(١) انظر «الطبقات» (٢/ ١٠٣).
(٢) انظر «نهاية المطلب» (١٣/ ٤٨٠).
(٣) انظر «الملل والنحل» (٢/ ١١).
[ المقدمة / ٦٩ ]
قال التاج السُّبْكي: «لعل الشهرستاني تلقَّى هذا الكلام من الإمام»، قال: «لكن في كلام الإمام ما يقتضي أن المُزَني ربما اختار لنفسه وانحاز عن المذهب»، قال: «وهذا هو الظاهر» (^١).
قلت: القول بنفي اجتهاد المُزَني خارج حدود المذهب يخالف صريح كلام إمام الحرمين كما سبق عنه، ويخالف كذلك واقع كتاب المُزَني، لكن قد تُفْهَم هذه النصوص على أنه قليل نسبيًّا، وهو كذلك إذا استقرأنا اجتهاداته في كتاب «المختصر»، لكن الحكم عليه من خلال كلامه في «المختصر» ليس سديدًا، فإن له من الكتب الكثير، وهو في غير «المختصر» أكثر تحررًا من قيود المذهب منه فيه.
ومن أبرز صور اجتهادات المُزَني الحرة عن قيود المذهب في كتاب «المختصر» مخالفاته الصريحة للشافعي، حيث يحكم على قوله بالغلط، وقد ذكر بعض مناظرات الشافعي مع محمد بن الحسن ثم قطعه وقال (ف: ٢٠٧٦): «تركت ذلك لكثرته، وأنه ليس بشيء عندي»، وفي مناظرة أخرى خالف المُزَني كُلًّا من الشافعي والشيباني وحلف بالله ﷿ لقد غلط الشافعي ومحمد بن الحسن فيها (ف: ٣٨٧١)، وهذا ونحوه من اعتراضاته الكثيرة على الشافعي دليل على شخصية فقهية مستقلة، حتى إن كثرة اعتراضاته على الشافعي أثار أصحابه عليه فتعقَّبوه في اختياراته وردوا عليه كلامه، وخصوصًا ما كان منها من جهة وهمه على الشافعي، ووصفه إمام الحرمين في بعض المواطن بأنه «يبادر إلى الاعتراض، والأولى به ألا يستفتحه إذا وجد للكلام محملًا» (^٢)، واهتمَّ الماوردي في «الحاوي» بتتبُّع
_________________
(١) انظر «الطبقات» (٢/ ١٠٣).
(٢) انظر «النهاية» (١٢/ ٤٩٥)، وانظر «المختصَر» (ف: ٢١٦٣).
[ المقدمة / ٧٠ ]
كلامه بالنقد وإيراد ردود الأصحاب الشافعية عليه، بل إن الردَّ على المُزَني صار دأب الأصحاب معه في عامة اختياراته وترجيحاته وتعليله وتوجيهه كما قال الرافعي (^١).
_________________
(١) انظر «العزيز» للرافعي (٢٢/ ٣٢٩).
[ المقدمة / ٧١ ]