أولاهما: كتب قديمة في بعض أبواب الفقه لم يتسنَّ للشافعي إعادة تحريرها في مصر، وقد ذكر البَيْهَقي منها: كتاب الصيام، وكتاب الصداق، وكتاب الحدود، وكتاب الرهن الصغير، وكتاب الإجارة، وكتاب الجنائز، قال البَيْهَقي: «فكان يأمر بقراءة هذه الكتب عليه في الجديد، ثم يأمر بتخريق ما تغيَّر اجتهاده فيه، وربما يدعه اكتفاءً بما ذكر في موضع آخر» (^١)، كذا قال البَيْهَقي وهو أعرف الناس بكتب الشافعي، ويشكل عليه قول الماوردي: «الشافعي غير جميع كتبه القديمة في الجديد وصنفها ثانية، إلا الصداق، فإنه لم يغيِّره في الجديد ولا أعاد تصنيفه، وإنما ضرب على مواضع منه وزاد في مواضع» (^٢).
الصورة الثانية: مسائل نصّ على حكمها في كتبه القديمة ولم يتعرَّض لها في الجديد، مثل مسألة استحباب الغسل للحجامة وللخروج من الحمام، فنسبة هذا إلى القديم لا يصحّ إلا باعتبار الكتاب الذي نقل منه، وإلا فهو
_________________
(١) انظر «مناقب الشافعي» للبَيْهَقي (١/ ٢٥٥).
(٢) انظر «الحاوي» (٩/ ٤٥٢).
[ المقدمة / ٢٠٢ ]
مذهب الشافعي قديمًا وحديثًا باتفاق الأصحاب، يدل عليه اعتماد المُزَني ذلك، واعتماده ثم اعتماد الأصحاب عليه دليل قاطع على أن هذا من المذهب، وليس مرجوعًا عنه لا يجوز حكايته عن الإمام.
ومن الطريف أن المُزَني (ف: ٢٠٩٨) حكى عن الشافعي في مسألة إسلام الزوج وله زوجات حرة وإماء، فإن أسلم معه الإماء وتخلفت الحرة وُقِفَ نكاح الإماءِ، قال: «فإنْ أسْلَمَت الحُرَّةُ انْفَسَخَ نِكاحُ الإماءِ، ولو اخْتارَ مِنْهُنَّ واحِدَةً ولم تُسْلِم الحُرَّةُ ثَبَتَتْ»، كذا قال المُزَني ومقتضاه: ألا يكون له خيار جديد، والمذهب: يجب اختيار جديد، ولا يصح ذلك الاختيار، واختلف أصحابنا في تخريج نقل المُزَني، ومنهم من حَمَله على المذهب القديم، وهذا وارد جدًّا، فقول الشافعي في القديم متردِّد في وقف العقود، فقد يكون المُزَني نقله من الكتاب القديم وغاب عنه رجوع الشافعي عنه في الجديد، قال إمام الحرمين: «وما ينقله المُزَني - إذا أطلقه - محمول على النصوص الجديدة، فإن أراد نقل شيء عن القديم صرَّح به، ولا ينبغي أن يُغلَّط بتركه نسبةَ قول إلى القديم، فقد اتفق له مثل ذلك كثيرًا في السواد، من غير تعرُّض لذكر القديم» (^١).