الفساد، ولا يجوز أن يشكل عليه وجه الحق فيه، فاجتمع أمران: أحدهما - أنه لم يُنتفَعْ بضبطه، والآخر- أنا نحتاج إلى تأويل اللفظ» (^١).
وقد يكون سبب الإلغاز جمعه بين سياقين مختلفين للشافعي، قال البَيْهَقي: «قد يذكر الشافعي مسألة في موضعين بعبارتين، فينقل المُزَني تلك المسألة بعضها بعبارته في أحد الموضعين، والباقي بعبارته في الموضع الآخر، كيلا يهتدى إلى كيفية نقله»، قال: «ولو نقلها على ترتيبه فيما رتبه وعلى عبارته في أحد الموضعين كان أحسن وأبين» (^٢).
الوجه السابع: تعقُّباته على الشافعي في اختياراته، فكون المُزَني ردَّ على الشافعي وهو الإمام المقلَّد صاحب المذهب الذي يتبعه الأصحاب جعلهم يردون على المُزَني ويتعقَّبونه، وقد أخرج البَيْهَقي بسنده عن أبي عبدالله الهروي قال: «سمعت أبا زُرعة الدمشقي وقلت له: ما أكثر حمل المُزَني على الشافعي، فقال: لا تقل هكذا، ولكن قل: ما أكثر ظلمه للشافعي»، قال البَيْهَقي: «وما أحسن ما قال» (^٣)، وعن سعيد بن عمرو البردعي الحافظ قال: «لما رجعت إلى مصر وأردت الخروج إلى خراسان أقمت ثانيًا عند أبي زرعة الحافظ، فعرضت عليه كتاب المُزَني، فكلما قرأت عليه مما خالف الشافعي جعل أبو زرعة يبتسم ويقول: لم يعمل صاحبك شيئًا في اختياره لنفسه، لا يمكنه الانفصال فيما ادعى» (^٤).
وإذا نظرنا في حقيقة تعقبات الأصحاب الموجهة للمُزَني في تعقباته على الشافعي سنجدها على نوعين: أحدهما - واردة على فهم المُزَني
_________________
(١) انظر «النهاية» (٦/ ٢٣٢).
(٢) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٨).
(٣) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٧).
(٤) أخرجه الخليلي في «الإرشاد» (١/ ٤٣٠).
[ المقدمة / ١٥٠ ]
لكلام الشافعي، والثاني - على اختياره ما يخالف قول الشافعي، وكلاهما محل نظر واجتهاد، لا ينقض بعض ذلك ببعض، وتعقبات المُزَني على الشافعي لم تكن أبدًا نكرانًا لجميله ولا كفرانًا بفضله، وإنما تحيزًا للحق حيث رآه، والحق أحق أن يُتَّبع، ولا شك أن المُزَني أعرف الناس بالشافعي فقهه ولغته ومراده، وقد يقول في كتابه (ف: ١١٣٦): «يُشْبِهُ أن يَكُونَ أراد الشافعيُّ لمعْرِفَتِي بلُطْفِه …»، وحكى التاج السُّبْكي عن والده الشيخ الإمام التقي أنه قال: «لا يَعرف قدر الشخص في العلم إلا من ساواه في رتبته، وخالطه مع ذلك، قال: وإنما يعرف قدره بمقدار ما أوتيه هو»، قال التاج: «وكان يقول لنا أيضًا: لا يقدِّر أحد النبي -ﷺ- حقَّ قدره إلا الله تعالى، وإنما يعرف كل واحد من مقداره بقدر ما عنده هو، قال: فأعرف الأمة بقدره أبو بكر الصديق -﵁-؛ لأنه أفضل الأمة، قال: وإنما يعرف أبو بكر من مقدار المصطفى -ﷺ- ما تصل إليه قوى أبي بكر، وثَمَّ أمور تقصر عنها قواه لم يحطّ بها علمه، ومحيط بها علم الله»، قال التاج: «وكان يقول لنا: لا أحد من الأصحاب يعرف قدر الشافعي كما يعرفه المُزَني، قال: وإنما يعرف المُزَني من قدر الشافعي بمقدار قوى المُزَني، والزائد عليها من قوى الشافعي لم يدركه المُزَني» (^١).
فهذه جماع الانتقادات الموجهة إلى المُزَني في كتابه، وليس أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه، والمُزَني واحد من أهل العلم، وفوق كل ذي علم عليم، قال البَيْهَقي: «والذي راعى المُزَني من حق الشافعي في جمع ما تفرق من كلامه، واختصار ما بسط من قوله، وتقريبه على من أراده، وتسهيله على من قصده، من أهل الشرق والغرب .. أكثر، وفائدته أعم وأظهر،
_________________
(١) انظر «الطبقات» لابن السُّبْكي (٦/ ٢٠٢).
[ المقدمة / ١٥١ ]
فلا أعلم كتابًا صنِّف في الإسلام أعظم نفعًا وأعم بركة وأكثر ثمرة من كتابه، وكيف لا يكون كذلك واعتقاده في دين الله تعالى، ثم اجتهاده في عبادة الله تعالى، ثم في جمع هذا الكتاب، ثم اعتقاد الشافعي في تصنيفه للكتب؟!» (^١)، يشير باعتقاد الشافعي إلى قوله: «بِوُدِّي أنَّ جَميع الخَلْق تعلَّمُوا هذا الكتاب - يعني كتبه - ولا يُنسب إليَّ شيءٌ منه».
قلت: مجموع ما وُجِّه إلى المُزَني من الانتقادات قليل قليل بالمقارنة مع ما ألف وأحسن، وقد ذكروا عن أبي عبيد القاسم بن سلام أنه انصرف يومًا من الصلاة، فمرَّ بدار إسحاق الموصلي، فقالوا له: يا أبا عبيد، صاحب هذه الدار يقول: إن في كتابك «غريب المصنف» ألف حرف خطأ، فقال: كتاب فيه أكثر من مائة ألف يقع فيه ألف ليس بكثير، ولعل إسحاق عنده رواية وعندنا رواية، فلم يعلم، فخطأنا، والروايتان صواب، ولعله أخطأ في حروف وأخطأنا في حروف، فيبقى الخطأ يسيرًا (^٢).
_________________
(١) انظر «المناقب» للبَيْهَقي (٢/ ٣٤٨).
(٢) انظر «تاريخ بغداد» للخطيب (١٢/ ٤١٣).
[ المقدمة / ١٥٢ ]
المقدمة الثالثة في