(قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَيُفْضَى بِالْمَيِّتِ إلَى مُغْتَسَلِهِ وَيَكُونُ كَالْمُنْحَدَرِ قَلِيلًا، ثُمَّ يُعَادُ تَلْيِينُ مَفَاصِلِهِ وَيُطْرَحُ عَلَيْهِ مَا يُوَارِي مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ إلَى سُرَّتِهِ وَيُسْتَرُ مَوْضِعُهُ الَّذِي يُغْسَلُ فِيهِ فَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ إلَّا غَاسِلُهُ وَمَنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعُونَتِهِ عَلَيْهِ وَيَغُضُّونَ أَبْصَارَهُمْ عَنْهُ إلَّا فِيمَا لَا يُمْكِنُ غَيْرُهُ لِيَعْرِفَ الْغَاسِلُ مَا غَسَلَ وَمَا بَقِيَ، وَيَتَّخِذُ إنَاءَيْنِ إنَاءٌ يَغْرِفُ بِهِ مِنْ الْمَاءِ الْمَجْمُوعِ فَيَصُبُّ فِي الْإِنَاءِ الَّذِي يَلِي الْمَيِّتَ فَمَا تَطَايَرَ مِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ إلَى الْإِنَاءِ الَّذِي يَلِيهِ لَمْ يَصُبَّ الْآخَرُ، وَغَيْرُ الْمُسَخَّنِ مِنْ الْمَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَرْدٌ، أَوْ يَكُونَ بِالْمَيِّتِ مَا لَا يُنَقِّيهِ إلَّا الْمُسَخَّنُ فَيُغَسَّلُ بِهِ، وَيُغَسِّلُ فِي قَمِيصٍ وَلَا يَمَسُّ عَوْرَةَ الْمَيِّتِ بِيَدِهِ وَيُعِدُّ خِرْقَتَيْنِ نَظِيفَتَيْنِ لِذَلِكَ قَبْلَ غُسْلِهِ، وَيُلْقَى الْمَيِّتُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمَّ يَبْدَأُ غَاسِلُهُ فَيُجْلِسُهُ إجْلَاسًا رَفِيقًا وَيُمِرُّ يَدَهُ عَلَى بَطْنِهِ إمْرَارًا بَلِيغًا وَالْمَاءُ يُصَبُّ عَلَيْهِ لِيَخْفَى شَيْءٌ إنْ خَرَجَ مِنْهُ وَعَلَى يَدِهِ إحْدَى الْخِرْقَتَيْنِ حَتَّى يُنَقِّيَ مَا هُنَالِكَ ثُمَّ يُلْقِهَا لِتُغْسَلَ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَبْدَأُ فَيُدْخِلُ أُصْبُعَهُ فِي فِيهِ بَيْنَ شَفَتَيْهِ.
وَلَا يَفْغَرُ فَاهُ فَيُمِرُّهَا عَلَى أَسْنَانِهِ بِالْمَاءِ وَيُدْخِلُ طَرَفَ أُصْبُعَيْهِ فِي مَنْخِرَيْهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ فَيُنَقِّيَ شَيْئًا إنْ كَانَ هُنَاكَ، وَيُوَضِّئُهُ وُضُوءَ الصَّلَاةِ وَيَغْسِلُ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ حَتَّى يُنَقِّيَهُمَا، وَيُسَرِّحُهُمَا تَسْرِيحًا رَفِيقًا، ثُمَّ يُغَسِّلُهُ مِنْ صَفْحَةِ عُنُقِهِ الْيُمْنَى وَشِقِّ صَدْرِهِ وَجَنْبِهِ وَفَخِذِهِ وَسَاقِهِ، ثُمَّ يَعُودُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْسَرَ فَيَصْنَعُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَحْرِفُهُ إلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرَ فَيَغْسِلُ ظَهْرَهُ وَقَفَاهُ وَفَخِذَهُ وَسَاقَهُ الْيُمْنَى وَهُوَ يَرَاهُ مُتَمَكِّنًا ثُمَّ يَحْرِفُهُ إلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيَصْنَعُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَغْسِلُ مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ وَمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ وَأَلْيَتَيْهِ بِالْخِرْقَةِ وَيَسْتَقْصِي ذَلِكَ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى جَمِيعِهِ الْمَاءَ الْقَرَاحَ وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كَافُورٌ (قَالَ):: وَأَقَلُّ غُسْلِ الْمَيِّتِ فِيمَا أُحِبُّ ثَلَاثًا، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ الْإِنْقَاءَ فَخَمْسًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -
[ ٨ / ١٢٩ ]
قَالَ لِمَنْ غَسَّلَ ابْنَتَهُ «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ إنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ» (قَالَ): وَيَجْعَلُ فِي كُلِّ مَاءٍ قَرَاحٍ كَافُورًا وَإِنْ لَمْ يَجْعَلْ إلَّا فِي الْآخِرَةِ أَجْزَأَهُ وَيَتَتَبَّعُ مَا بَيْنَ أَظَافِرِهِ بِعُودٍ، وَلَا يَخْرُجُ حَتَّى يُخْرِجَ مَا تَحْتَهَا مِنْ الْوَسَخِ وَكُلَّمَا صَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْقَرَاحَ بَعْدَ السِّدْرِ حَسِبَهُ غُسْلًا وَاحِدًا وَيَتَعَاهَدُ مَسْحَ بَطْنِهِ فِي كُلِّ غَسْلَةٍ، وَيُقْعِدُهُ عِنْدَ آخِرِ غَسْلَةٍ، فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَنْقَاهُ بِالْخِرْقَةِ كَمَا وَصَفْت وَأَعَادَ عَلَيْهِ غُسْلَهُ، ثُمَّ يُنَشِّفُ فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ يَصِيرُ فِي أَكْفَانِهِ وَإِنْ غَسَلَ بِالْمَاءِ الْقَرَاحِ مَرَّةً أَجْزَأَهُ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ رَأَى حَلْقَ الشَّعْرِ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَرَهُ.
(قَالَ الْمُزَنِيّ): وَتَرْكُهُ أَعْجَبُ إلَيَّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ إلَى بَلَى عَنْ قَلِيلٍ وَنَسْأَلُ اللَّهَ حُسْنَ ذَلِكَ الْمَصِيرِ.
(قَالَ الشَّافِعِيُّ): وَلَا يَقْرَبُ الْمُحْرِمُ الطِّيبَ فِي غُسْلِهِ وَلَا حَنُوطِهِ وَلَا يُخَمِّرُ رَأْسَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ مَاتَ فِيهِمَا وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ» وَلِقَوْلِهِ - ﷺ - «لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا» وَإِنَّ ابْنًا لِعُثْمَانَ تُوُفِّيَ مُحْرِمًا فَلَمْ يُخَمِّرْ رَأْسَهُ وَلَمْ يُقَرِّبْهُ طِيبًا.
(قَالَ): وَأُحِبُّ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِ الْمَيِّتِ مِجْمَرَةٌ لَا تَنْقَطِعُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ غُسْلِهِ فَإِذَا رَأَى مِنْ الْمَيِّتِ شَيْئًا لَا يَتَحَدَّثُ بِهِ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ سَتْرِ أَخِيهِ.
(قَالَ): وَأَوْلَاهُمْ بِغُسْلِهِ أَوْلَاهُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَيُغَسِّلُ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَالْمَرْأَةُ زَوْجَهَا. غَسَّلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ زَوْجَهَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ - ﵁ - وَعَلِيٌّ امْرَأَتَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَوْ اسْتَقْبَلْنَا مِنْ أَمْرِنَا مَا اسْتَدْبَرْنَا مَا غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - إلَّا نِسَاؤُهُ.
(قَالَ): وَلَيْسَ لِلْعِدَّةِ مَعْنًى يَحِلُّ لِأَحَدِهِمَا فِيهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْ صَاحِبِهِ وَيُغَسِّلُ الْمُسْلِمُ قَرَابَتَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَيَتْبَعُ جِنَازَتَهُ وَلَا يُصَلِّي عَلَيْهِ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ عَلِيًّا فَغَسَّلَ أَبَا طَالِبٍ».