هو الإمامُ شيخُ الإسلام، وبركةُ الأنام، العلامةُ الشهير، وكعبةُ التحقيق والتحرير، خاتمةُ أهل الفُتيا والتدريس، وناشرُ علومِ الإمام محمدِ بن إدريس، إمامُ الحرمين بإجماع، وناصرُ السنة والأصحاب والأتباع، الفقيهُ النبيهُ البارع، والمحدثُ الحافظُ المطلعُ الجامع، والأصوليُّ المتفنن المتقن اللامع، صاحبُ الزهد والشرف، الصالحُ الناسكُ على طريقة السلف، شهابُ الدين أبو العباس أحمدُ بن بدرِ الدّين محمّدِ بن شمسِ الدين محمدِ بن نورِ الدّين عليِّ بن حجرٍ السَّلَمُنْتيُّ أصْلًا، والهَيْتَمىُّ مَوْلدًا، والأزهريُّ مَرْبًا ومنشأً، والصّوفيُّ إرشادًا، والجُنَيْديُّ اتباعًا وانقيادًا، والأشعريُّ اعتقادًا، والشّافعيُّ مَذْهبًا، والوَائليُّ السَّعْدِيُّ الأنْصَاريُّ نَسَبًا، والمكيُّ مَدْفَنًا.
وجدُّه: شمس الدّين محمد بن بدر الدّين علي، عاشَ وعُمِّرَ حتى بلغ مائةً وعشرين سنةً ولم يخرف، وكانت له آنذاك عباداتٌ كثيرة، رآه الشيخ وقد جاوز المائة والعشرين وأمن الخرف وكانت له في هذا السِّنّ عبادات خارقة، وهو الذي كفل الشيخَ ابن حجر بعد وفاة والده.
السَّلْمُنْتي: نِسبةً إلى أصْل وطنه «سَلْمُنت» بالفتح ثم السكون وضم الميم وسكون النون وتاء مثناة، وهي موضع قريب من عين شمس من نواحي مصر، مِن بلاد بني حَرام بمصر، عاش فيها جَدُّهُ ثمّ لما كثرت الفتن في تلك البلاد انتقل منها إلى الغربيّة، فَسَكنَ مَحَلَّة أبي الهيتم واستوطنها استراحةً مِنْ شَرِّ أهل الشرقيّة وفِتَنِهم، وتَعَرُّضِ السَّلاطين لهم لتعرُّضهم لهم.
الهَيْتَمي: نِسبةً إلى محلة أبي الهيتم بالتاء المثناة الفوقيّة.
قال نجم الدين الغزي: «وأمّا ما يقع لبَعْض المُتَشَدّقين مِنْ قراءته بالمثلثة فلم أقف عليه في كلام أئمة المنقول». ويُقالُ: إنها بالمثلثة فَغَيّرتْها العامّة.
ومحلّة أبي الهيتم هذه من إقليم الغربية بمصر. فيها وُلد الشهابُ ابنُ حجر بعد انتقال أهله عن بلدِهم الأصلي «سَلْمُنْت». وكان أهلُ هذه المحلّة على غاية من الدّيانة واتباعِ طريق الصّوفية وفيهم حفّاظُ كثيرون للقرآن العظيم، مداومون لقراءته، ولذا آثرَ جدُّه الاستيطانَ بها.
السَّعْدي: نسبةً إلى بني سَعْد بإقليم الشرقيّة من مصر.
الأنصاري: باعتبار المشهور في بني سَعْد أنهم من الأنصار؛ لكنّ ابن حجر كان يمتنع من كتابة «الأنصاري» تورُّعًا، قال الفاكهي: «ولم يمتنع عند الضرورة من الانتساب إليهم في مقام المحاورة قمعًا لمن تنقصه وتوسعًا كما اتفق له ذلك بمحضر جمع في محاورة بمكة المشرفة».
[ ١ / ١٩ ]
ابن حجر: اشتهر الشهابُ بذلك نِسْبةً إلى أقرب أجداده كان قد اشتهر بـ «الحجر» وسببُ ذلك: أنه كانت له شهرةٌ بين قومه بأنه من أكابر شجعانهم وأبطال فرسانِهم، ومع ذلك كان ملازمًا للصَّمْتِ لا يتكلمُ إلاّ لضرورة، وإلاّ فهو مشغول عن الناس بما مَنَّ الله عليه به، فَشَبّهوه بحجر مُلْقى لا ينطق فقالوا: حجر، ثمّ اشتهر بذلك.
قال الفاكهي: «حتى حقَّت هذه الشهرةُ بشيخنا؛ لأنه في حَجْر تحصيله على فوائد العلم حَجَر؛ ولأنه من المتلقب بهذه الشهرة شيخ الإسلام صاحب «فتح الباري» شارح البخاري العسقلاني، أخذ شبهًا قويًا في معرفة الخبر والأثر، ويزيد عليه في الفقهيات والتفرد في الإفتاء كما يدركه أهل النظر …».
وقد يقع التمييزُ بين الإمامين المذكورين فيقال في حقّ العسقلاني: الحافظُ ابن حجر. وفي حقّ الهيتمي: الفقيهُ ابنُ حجر؛ إذ الأوّل جُلّ صناعته الحديث، والثاني جُلُّ صناعته الفقه، مع مشاركة كلّ منها في فَنِّ الآخر.
وقد بالغ العلامةُ عبدُ القادر العيدروس مؤلف النور السافر فجعل مترجَمَنا ابنَ حجر الهيتمي أعلى كعبًا من الحافظ العسقلاني في علم الحديث.