هِيَ أَرْبَعَةٌ: أَحَدُهَا: خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْ قُبُلِهِ، أَوْ دُبُرِهِ إلَّا المَنِيَّ،
بابُ أسبابِ الحدثِ (^١)
إنما قدمت الأسباب على الوضوء؛ لأنها متقدّمة طبعًا فكان الأنسب تقديمها وضعًا (هي أربعة) لا غير، ولم ينقض ما عداها؛ لأنه لم يثبت فيه شيء كأكل لحم جزور على ما قالوه، وكخروج نحو قيء ومس أمرد حسن أو فرج بهيمة وقهقهة مصلٍّ وانقضاء مدة مسح الخف والبلوغ بالسن والردة وإنما أبطلت التيمم؛ لضعفه، ونحو شفاء السلس لا يرد؛ لأن حدثه لم يرتفع.
(أحدها خروج شيء) -؛ للنص على الغائط والبول والمذي وقيس غيرها- ولو عودًا أو رأس دودة وإن عادت ولا يضرّ إدخاله، وإنما امتنعت الصلاة؛ لحمله متصلًا بنجس (من قُبُلِهِ) أي الحي الواضح ولو ريحًا وإن تعدد القبل، نعم لما تحققت زيادته أو احتملت حكم منفتح تحت المعدة، ومن الناقض بللٌ رآه على قبله ولم يحتمل كونه من خارج، ومنه وصول نحو مذيّها لما يجب غسله في الجنابة وإن لم يخرج إلى الظاهر، ومنه أيضًا خروج رطوبة فرجها إذا كان من وراء ما يجب غسله يقينًا، أما المشكل فلا بدّ من خروجه من فرجيه (أو دبره) ومنه إذا كان الباسور داخل الدبر فخرج منه دمّ، وكالباسور نفسه إذا كان نابتًا داخل الدّبر فخرج أو زاد خروجه، وكمقعدة المزحور إذا خرجت فلو توضّأ حال خروجها ثمّ أدخلها لم ينتقض وإن خرج منها شيءٌ، (إلا المني) أي مني المتوضئ -ولو امرأة- وحده الخارج منه أوّلًا فلا نقض به؛ لأنه أوجب أعظم الأمرين بخصوص كونه منيًّا فلا يوجب أدونهما بعموم كونه خارجًا، أما لو خرج منه مني غيره أو نفسه بعد استدخاله فينقض. ويصح غسله وإن لم يتوضّأ. وإنما نقض الحيض والنفاس؛ لأن حكمها أغلظ (^٢)، ونقضت المضغة؛ لاختلاطها
_________________
(١) . نعم الوضوء المسنون لجنب أراد جماع أو نوم أو أكل أو شرب أو ذِكر لا ينتقض بالحدث بالنسبة للجماع؛ لأن القصد منه زيادة النشاط للعود وينتقض به بالنسبة لما بعد الجماع كما أفاده الشارح في الغسل ١/ ٢٨٤.
(٢) . قال في الفتح: «لأن المني يصح مع الوضوء في صورة سلسه».
[ ١ / ٦٧ ]
وَلَوِ انْسَدَّ مَخْرَجُهُ وَانْفَتَحَ تَحْتَ مَعِدَتِهِ فَخَرَجَ المُعْتَادُ نَقَضَ وَكَذَا نَادِرٌ كَدُودٍ فِي الْأَظْهَرِ، أَوْ فَوْقَهَا، وَهُوَ مُنْسَدٌّ، أَوْ تَحْتَهَا وَهُوَ مُنْفَتِحٌ فَلَا فِي الْأَظْهَرِ.
الثَّانِي: زَوَالُ الْعَقْلِ. إلَّا نَوْمَ مُمَكِّنٍ مَقْعَدَهُ
بمنيّ الرجل (^١). (ولو) خُلق منسد الفرجين نقض خارجه من أي محلٍّ كان ولو الفم (^٢)، أو أحدهما نقض المناسب له (^٣) كأن انسدّ قبله فخرج بول، أو المناسب لهما كدمّ لا غير، ثَمَّ إن للأصلي المنسد له أحكامَه الأخرى (^٤) فينقض مسّه ويجب الغسل والحدّ بإيلاجه والإيلاج فيه وغير ذلك، أما المنفتح الناقض فلا يثبت له إلا النقض (^٥) لذا فلو نام ممكن المنفتح من الأرض لم ينقض وضوؤه هنا وفيما يأتي. ثمّ إن طرأ الانسداد فإن (انسد مخرجه) المعتاد (وانفتح) مخرج (تحت مَعِدته (^٦) فخرج المعتاد نقض، وكذا نادر كدود) ومنه الدم، كذا والريح هذا (في الأظهر، أو) انفتح (فوقها) أو فيها، أو محاذيًا لها (وهو) أي الأصلي (منسد) انسدادًا طارئًا فلا ينقض؛ لشبهه بالقيء، (أو) انفتح (تحتها وهو منفتح فلا) ينقض (في الأظهر)؛ إذ لا ضرورة لجعله ناقضا مع انفتاح الأصلي (^٧).
(الثاني زوال العقل) أي التمييز بجنون أو إغماء أو نحو سكر -ولو ممكنًا- إجماعًا، أو نوم؛ لخبر «.. فمن نام فليتوضّأ» (إلا نوم) قاعد (ممكن مقعده) أي ألييه من مقرّه ولو دابة سائرة، وإن احتبى، وليس بين بعض مقعده ومقرّه تجافٍ؛ لخبر أبي داود «أن الصحابة كانوا ينامون حتّى تخفق رؤوسهم الأرض»، ولو أخبر نائمًا غيرَ ممكن معصومٌ بأنه لم يخرج منه شيءٌ انتقض وضوؤه أيضًا؛ لأن الزّوال هنا نفسه سبب لخروج شيء من الدبر غالبًا وما نيط بالمظنّة لا فرق بين وجوده وعدمه. وخرج بالقاعد الممكن غيره كالنائم على قفاه وإن الصق مقعده
_________________
(١) . وفاقا للمغني وخلافا للنهاية.
(٢) . خلافا لهم حيث قالوا لا ينقض ما خرج من المنافذ المفتوحة كالفم والأذن.
(٣) . قال الشارح: «سواء أكان انسداده بالتحام أم لا خلافا لشيخنا»، وخالفه أيضا المغني والنهاية.
(٤) . خلافا لهما.
(٥) . قال الرملي والخطيب: هذا في العارض أما الخلقي فيثبت له جميع الأحكام حتى وجوب الساتر، وللشارح تفصيل في حكم الجنابة بالمنفتح ذكر.
(٦) . قال الشارح في الفتح: «وهي السرة وما حاذاها».
(٧) . كما في المغني والنهاية.
[ ١ / ٦٨ ]
الثَّالِثُ: الْتِقَاءُ بَشَرَتَيْ الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ إلَّا مَحْرَمًا فِي الْأَظْهَرِ، وَالمَلْمُوسُ كَلَامِسٍ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا تَنْقُضُ صَغِيرَةٌ وَشَعَرٌ، وَسِنٌّ وَظُفْرٌ فِي الْأَصَحِّ
بمقرّه، وبالنوم النعاس وأوائل نشأة السكر؛ لبقاء نوع تمييز، ولو شكّ هل نام أو نعس؟ أو هل كان ممكنًا أوْ لا؟ لم ينتقض، أما الرؤيا فإن تذكّرها مع عدم تذكّر نوم فلا أثر لها بخلافه مع الشكّ فيه، ولا تنتقض الأنبياء به؛ لأن قلوبهم يقضه وقصّة الوادي محتملة.
(الثالث التقاء بشرتي الرّجل) -ولو صبيًّا وممسوحًا- (والمرأة) أي الذكر والأنثى الواضحان المشتهان طبعا يقينا لذوي الطباع السليمة، وإن كان أحدهما مكرهًا أو ميتًا لكن لا ينتقض وضوء الميت، أما الجنّي فلا نقض به (^١). والأصل فيه قوله تعالى ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ النساء: ٤٣ أي لمستم والجماع خلاف الظاهر، وغمزه -ﷺ- رجل عائشة وهو يصلّي يحتمل الحائل، أما معنى اللمس فهو الجسّ باليّد، ونَقَضَ لمظنّة اللذّة والشهوة التي لا تليق بالمتطهر وقيس باليد غيرها، وأُلحق بالبشرة لحم الأسنان واللسان لا باطن العين؛ لإناطة الحكم باللذّة في الجميع وباطن العين يلتذ بنظره فقط دون مسّه كالشّعر (إلا محرمًا) ولو احتمالًا كأن اختلطت بعدد غير محصور فلا ينقض لمسه ولو بشهوة (في الأظهر)؛ لأنه ليس مظنة الشهوة، وإنما نقضت المجوسيّة؛ لأن تحريمها لعارض يزول، وعُلم من الالتقاء عدم نقض المسّ بحائل ولو رقيقًا كغبار مجمّد يمكن فصله من غير خشية مبيح تيمم وإلا فهو ناقض، نعم العرق ينقض إذا صار كالجزء من الجلد، (والملموس كلامس في الأظهر)؛ لاشتراكهما في مظنة اللذة، (ولا تنقض صغيرة) وصغير لا يشتهيان (وشعر وسنٌّ) ويلحق به كلّ عظم ظهر (^٢) بل هو أولى؛ للذة النظر في السّن (وظفر في الأصح)؛ لانتفاء لذّة اللمس، ولا ينقض جزء منفصل وإن التصق بحرارة الدم أو نما وسرى أليه الدمّ وذلك؛ لوجوب فصله بل وإن لم يجب فصله لخشية محذور تيمم؛ لأنه لو زال المحذور فُصِلَ، نعم إن كان الذي عادت إليه الحياة فوق النصف نقض (^٣). ولا ينقض ما شكّ في نحو أنوثته أو خنوثته إن قرب الاحتمال عادة، ويسنّ الوضوء
_________________
(١) . أي؛ لأنا لم نجوز نكاحهم وخالف الرملي فقال بالنقض.
(٢) . ومثلها العين كما تقدم فلا نقض فيها وقال الرملي بالنقض، أما الخطيب فقال بالنقض في العين دون العظم.
(٣) . خالفاه فقالا بالنقض إن كان دون النصف أو مساويا بشرط أن يطلق عليه الاسم.
[ ١ / ٦٩ ]