هو اسم مصدر، والأفصح ضمُّ واوِهِ إن أريد به الفعل كما يأتي وفتحها إن أريد به الماء، وهو بمعنى النضارة، ومن خصائصنا كيفيته فقط أو الغرة والتحجيل.
وشرطه: * ماء مطلق، نعم الشرط عند الاشتباه ظن كونه مطلقا، و* عدم نحو حيض في غير نحو أغسال الحج، و* أن لا يكون على العضو ما يغيّر الماء تغيّرًا ضارًا، أو جرم* كثيف يمنع وصوله إلى البشرة، لا نحو خضاب ودهن مائع، أما الوسخ الذي صار جزأً من البدن بحيث يخشى من إزالته محذور تيمم فلا يمنع صحّة الوضوء أو النّقض، ولا يضرّ في الخضاب تنفيطه للجلد وتربيته القشرة عليه؛ لأنها من عين الجلد لا منه، و*جري الماء عليه، و*إزالة النجاسة بتفصيلها الآتي، و* تحقق المقتضي إن بان الحال (^١) فإن لم يبن صحّ كوضوء الاحتياط فيمن تيقّن الطهر وشكّ في الحدث، والأولى أن ينقض نفسه خروجًا من الخلاف، وإنما صحّ وضوء الشّاك في طهره بعد تيقّن حدثه مع تردده وإن بان الحال؛ لأن الأصل بقاء الحدث، فلو نوى في هذه إن كان محدثًا وإلا فتجديد صحّ وإن تذكّر (^٢)، و*إسلام، و*تمييز إلا في نحو غسل كتابيّة مع نيّتها لتحلّ لحليلها المسلم وتغسيله لحليلته المجنونة (^٣) أو الممتنعة مع النيّة منه، بخلاف ما إذا أكرهها لا يحتاج لنيّة؛ للضرورة في الجميع، ولذا يجب إعادته عند زوالها، و* عدم الصّارف بأن لا يأتي بمناف للنيّة كردّة أو قول إنشاء الله لا بنية التّبرك (^٤) أو بنية قطع، لا نوم طويل مع التّمكن فلا يحتاج لتجديدها إن كان البناء
_________________
(١) . فهو شرط عند الشارح والخطيب وقال الرملي إنه بالأركان أشبه.
(٢) . ولو توضأ ثم جدد ثم صلى ثم تيقن ترك مسح من أحد الوضوئين أعاد الصلاة كما أفاده الشارح في باب سجود السهو ٢/ ١٩٠.
(٣) . وله أن يغسلها بماء ظن هو طهارته باجتهاده كما ذكره الشارح في كتاب الطهارة ١/ ١٠٥.
(٤) . أفاد الشارح عند كلامه على النية في الصوم أنه إن أعقبها بإنشاء الله أنه إن قصد التبرك صحَّ بخلاف التعليق أو أطلق.
[ ١ / ٨٢ ]
فَرْضُهُ سِتَّةٌ:
أَحَدُهَا نِيَّةُ رَفْعِ حَدَثٍ، أَوْ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءِ فَرْضِ الْوُضُوءِ
بفعله (^١)، و*معرفة كيفيته وإلا فإن ظنّ الكل فرضًا أو شرّك ولم يقصد بفرضٍ معيّن النفلية صح أو نفلا فلا، و*يزيد السلس بدخول الوقت وظنّ دخوله و* تقديم نحو استنجاء وتحفظ احتيج إليه، و* الموالاة بينهما، وبينهما وبين الوضوء، وبين أفعال الوضوء، وبينه وبين الصّلاة.
(فرضه ستّة) أربعة بالقرآن واثنان بالسنّة:
(أحدها نيّة) وهي قصد الشيء مقترنًا بفعله، ومحلّها القلب، والتّلفظ سنة؛ مراعاة للخلاف في وجوبه (رفع) أسبابه كـ (حدث) أي رفع حكمه كحرمة نحو الصّلاة؛ لأنه القصد من الوضوء فالحدث هنا الأسباب، أما إن أريد رفع المانع أو المنع فلا حاجة لتقدير حكم، والمراد رفع ما يصدق عليه ذلك وإن نوى غير ما هو عليه -كتبديل أصغر بأكبر فيصح غلطًا، أما عمدًا فلا؛ لتلاعبه (^٢) - أو نفى بعض أحداثه، أو نوى رفعه في صلاة واحدة دون غيرها؛ لأنه لا يتجزّأ (^٣)، ولو نوى رفعه وأن لا يرفعه لم يصّح؛ للتناقض وكذا لو نوى أن يصلّي به بمحلّ نجس (أو) نيّة الطهارة عن الحدث أو نيّة (استباحة مفتقر إلى طهر (^٤) أي وضوء بدليل قوله: «أو ما يندب له الوضوء»، وذلك كطواف وإن كان النّاوي بمصر، أو عيد ولو في رجب؛ لتضمنها رفع الحدث، ولو قال نويت استباحة مفتقِر إلى وضوء أجزأه وإن لم يخطر له شيء في مفرداته، (أو) نيّة (أداء فرض) وليس المراد حقيقة الفرض وإلا لم يصحّ وضوء الصّبي بل فعل طهارة الحدث المشروطة لنحو الصّلاة (الوضوء) أو أداء الوضوء أو فرض الوضوء أو الوضوء، والطّهارة كالوضوء في الثّلاثة الأُوَل، وإنما صحّت نية فرض الطّهارة وكذا الطهارة الواجبة؛ لتبادر طهارة الحدث دون الخبث ولذا فلو ربطها بالصّلاة
_________________
(١) . كما يأتي في مبحث غسل الوجه.
(٢) . ومن العمد ما لو نوى الذكر رفع حدث نحو الحيض؛ إذ لا يتصور فيه الغلط خلافا للرملي.
(٣) . خلافا لهما فقالا بعدم الصحة حينئذٍ.
(٤) . ولا يكفي أن ينوي الوضوء المسنون في وضوء مسنون إلا في وضوء الجنابة إذا تجردت جنابته عن الحدث وفي نية الغاسل لوضوء الميت، على أن الشارح مال إلى عدم الاستثناء وأفاد ذلك في الاستسقاء ٣/ ٨١.
[ ١ / ٨٣ ]
وَمَنْ دَامَ حَدَثُهُ كَمُسْتَحَاضَةٍ كَفَاهُ نِيَّةُ الِاسْتِبَاحَةِ دُونَ الرَّفْعِ عَلَى الصَّحِيحِ فِيهِمَا. وَمَنْ نَوَى تَبَرُّدًا مَعَ نِيَّةٍ مُعْتَبَرَةٍ جَازَ فِي الصَّحِيحِ. أَوْ مَا يُنْدَبُ لَهُ وُضُوءٌ كَقِرَاءَةٍ فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِأَوَّلِ الْوَجْهِ
تمحضت له، لا الرابعة؛ لشمولها الخبث من غير تمييز، وعدم وجوب التّعرض لنيّة الفرضية يُشعِر بأن اعتبار النيّة هنا؛ للتمييز وليس للقربة. (ومَنْ دام حدثه كمستحاضة) وسلس (كفاه نيّة الاستباحة) وغيرها مما مرّ (دون الرفع على الصّحيح فيهما)؛ لأن حدثه لا يرتفع، نعم يُسنّ الجمع بينهما؛ مراعاة للخلاف. وحكم نيّة دائم الحدث فيما يستبيحه من الصّلوات حكم المتيمم (^١)، وعليه تجزئ نيته رفع الحدث إن أراد به رفعه بالنسبة لفرض فقط. ومجدد الوضوء (^٢) لا تحصل له سنّة التجديد إلا بنيّة مما مر حتى نيّة الرفع أو الاستباحة إن أراد صورتهما (^٣) بل إن لم يرد الحقيقة كفى. (ومَن نوى تبرّدًا مع نيّة معتبرة جاز على الصّحيح)؛ لحصول التبرّد وإن لم ينوه، نعم في الثّواب يثاب على قصد العبادة بقدره (^٤) بشرط كونه مساويًا أو راجحًا على غيره، نعم الرِّيا ونحوه لا ثواب معه، وخرج بـ «مع» طروّها بعد النيّة المعتبرة فيبطلها ما لم يكن ذاكرًا لها؛ لأنها حينئذٍ تكون قاطعة ويعيد ما غسله بها، (أو) نوى استباحة (ما يندب له وضوء) -لا غير ما يندب له كلبسٍ جزمًا- (كقراءة) ودرس وكتابة قرآن أو حديث أو علم شرعي أو آلة له، وكدخول مسجد وزيارة قبر، وبعد التّلفظ بمعصية أو فعلها، وغضب وحمل ميت ومسّه ومسّ أبرص أو يهودي (^٥) ونحو فصد وقصّ ظفر وكل ما قيل أنه ناقض (فلا) يكفيه (في الأصح)؛ لأن قصده لا يتضمّن قصد رفع الحدث، نعم إن نوى الوضوء للقراءة لم يبطل إلا إن قصد التعليق بها أوّلا -أي قبل ذكر الوضوء- بخلاف ما لو لم يقصده إلا بعده فتصحّ؛ لصحة النية حينئذ فلا يبطلها ما وقع بعد، (ويجب قرنها بأوّل) مغسول من (الوجه)، ومنه ما يجب غسله من نحو اللحية، وما يجب غسله من الأنف
_________________
(١) . عبارة النهاية والمغني.
(٢) . قال في الفتح: «ويسن تجديد الوضوء وإن صلى ولو ركعة، لا سجدة التلاوة، ويحرم من غير صلاة إن كان بنية العبادة».
(٣) . خلافا لهما فلا يكفي عندهما مطلقًا.
(٤) . اعتمدا أنه يثاب كاملا في هذه الحالة.
(٥) . أو أمرد كما أفاده الشارح في كتاب الصيام ٣/ ٤١٠.
[ ١ / ٨٤ ]
وَقِيلَ يَكْفِي بِسُنَّةٍ قَبْلَهُ، وَلَهُ تَفْرِيقُهَا عَلَى أَعْضَائِهِ فِي الْأَصَحِّ.
الثَّانِي: غَسْلُ الوَجْهِ، وَهُوَ مَا بَيْنَ مَنَابِتِ رَأْسِهِ غَالِبًا وَمُنْتَهَى لَحْيَيْهِ، وَمَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ، المقطوع،
ولو قرنها بأثنائه كفى وأعاد ما سبقها. ومَن سقط غسل وجهه فقط لعلّة ولا جبيرة قرنها بأول مغسول من اليدّ -أما لو كانت عليه جبيرة فتكفيه النيّة عند المسح عليها (^١) - فإن سقطتا أيضًا فالرأس فالرجل ولا يُكتفى بنيّة التيمم؛ لاستقلاله، (وقيل يكفي بسنّة قبله) ومحلّه إن لم تدم النيّة لغسل شي من الوجه وإلا كفت قطعًا؛ لاقترانها بالواجب، نعم تكفي نية المضمضة مثلا عن نية غسل الوجه إن انغسل معها شيء من الوجه كحمرة الشّفة؛ لأنه وإن قصد المضمضة دون غسل الوجه فإن ذلك لا يصلح أن يكون صارفًا عن الاعتداد بالنية بل عن الانغسال عن الوجه (^٢)، (وله تفريقها) أي نية رفع الحدث والطهارة عنه لا غيرهما؛ لعدم تصوره فيه (على أعضائه) كعن الوجه فقط وهكذا (في الأصح) كما يجوز تفريق أفعال الوضوء، نعم يحتاج لتجديد النية في كل عضوٍ لم تشمله نيّة ما قبله، ولو أبطله في الأثناء -ومثله في ذلك نحو الصلاة- أثيب على ما مضى إن كان لعذر، وخلاف التفريق يأتي في الغسل.
(الثاني غسل) ولو بالغمس، ولا يكفي مس الماء بلا جريان (الوجه) أي انغساله ولو بفعل غيره بلا إذنه أو بسقوطه في نحو نهر إن كان ذاكرًا للنيّة فيهما، أما ما وقع بفعله كتعرّضه للمطر فلا يشترط فيه تذكّرها إقامة للفعل مقامها (وهو ما بين منابت) شعر (رأسه غالبًا و) تحت (منتهى) أي طرف المقبل من (لَحييه، وما بين أذنيه) حتى ما ظهر بالقطع من جرم نحو أنفٍ قطع؛ لوقوع المواجهة به بخلاف باطن عين وأنف وفمّ وإن ظهر بقطع، ولو التحم أنف من نقد أو أنملة منه وخشي من إزالة ذلك محذور تيمم وجب غسل ما في محلّ الالتحام من الأنف -لا غير (^٣) - وكلّ ما ظهر من نقد الأنملة -ومثلها عظم وصل ولم يكتسِ-؛ لأن الأول بدل عن ذلك المحلّ والثّاني عن الكلّ.
_________________
(١) . كما في شرح العباب.
(٢) . قال في الفتح: «فعُلم أن من تمضمض أو استنشق ناويا غسل الوجه عند غسل حمرة الشفة أنه تفوت عليه سنتهما فلا تحصلان إلا إن غفل عندهما عن النية أو فرَّق النية بأن نوى المضمضة وحدها أو أدخل الماء بنحو أنبوب».
(٣) . خلافا للنهاية والشهاب فقالا بغسل الجميع.
[ ١ / ٨٥ ]
فَمِنْهُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ، وَكَذَا التَّحْذِيفُ فِي الْأَصَحِّ، لَا النَّزْعَتَانِ، وَهُمَا بَيَاضَانِ يَكْتَنِفَانِ النَّاصِيَةَ. قُلْتُ: صَحَّحَ الجُمْهُورُ أَنَّ مَوْضِعَ التَّحْذِيفِ مِنَ الرَّأْسِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَجِبُ غَسْلُ كُلِّ هُدْبٍ، وَحَاجِبٍ، وَعِذَارٍ، وَشَارِبٍ، وَخَدٍّ وَعَنْفَقَةٍ شَعَرًا وَبَشَرًا، وَقِيلَ لَا يَجِبُ بَاطِنُ عَنْفَقَةٍ كَثِيفَةٍ، وَاللِّحْيَةُ إنْ خَفَّتْ كَهُدْبٍ وَإِلَّا فَلْيَغْسِلْ ظَاهِرَهَا، وَفِي قَوْلٍ لَا يَجِبُ غَسْلُ خَارِجٍ عَنِ الْوَجْهِ
(فمنه) الجبينان والبياض الذي بين الأذن والعذار، و(موضع الغمم) لا الصلع، (وكذا التحذيف في الأصح) وهو ما بين ابتداء العذار والنّزعة (لا) الصّدغان وهما المتصّلان بالعذار من فوق وتد الأذن، ولا (النّزَعتان وهما بياضان يكتنفان الناصية)؛ لأنهما في تدوير الرأس (قلت: صحح الجمهور أن موضع التحذيف من الرأس)؛ لاتصال شعره بشعره (والله أعلم)، ويسن غسل كلّ ما قيل أنه من الوجه، (ويجب غسل) محاذي الوجه وشعر المحاذي مما لا يتحقق غسل جميعه إلا بغسله؛ لأن ما لا يتمّ الواجب إلا به واجب، و(كلّ هدب وحاجب وعذار) وهو الشّعر النابت على العظم الناتئ قرب الأذن، (وشارب وخدّ وعنفقة شعرًا وبشرًا، وقيل لا يجب غسل باطن عَُِنفقة كثيفة. واللِحية) وهي الشّعر النابت على الذّقن، ومثلها العارض المنحط عليها من العذار (إن خفّت كهدب وإلا) تخفّ بأن لم تُرَ البشرة من مجلس التخاطب عرفًا (فليغسل) الذكر المحقق (ظاهرها) لا البشرة وما استتر من الشّعر، ولِمَا خرج من اللحية عن حدّ الوجه والسلعة المتدلية عن حدّه وبقيّة شعور الوجه الخارجة أيضًا والشّعر المحاذي للوجه حكم اللحية، ثمّ إن ضابط الخروج أن يخرج بالمدّ عن جهة نزوله؛ لانقطاع نسبته للوجه حينئذٍ، (وفي قول لا يجب غسل خارج عن الوجه)؛ لأنه خارج عن محل الغرض. أما لحية الخنثى والمرأة وبقيّة شّعورهما الخارجة عن الحدّ ففيهنّ الغسل مطلقًا (^١)؛ للشك في الذكورة في الخنثى والندور في المرأة، ولو خفّ بعض اللحية فلكلّ حكمه إن تميّز وإلا غسل باطن الكلّ احتياطًا. ومن له وجهان غسلهما ولو زائدًا؛ لوقوع المواجهة بهما، أو رأسان كفى مسح بعض أحدهما؛ لصدق كونه رَأَسَ وعَلا، ويندب أن يبدأ بأعلى وجهه وأن يأخذ الماء بيديه جميعًا.
_________________
(١) . أي باطنا وظاهرا وخالفاه فاعتمدا أن بقية شعور المرأة والخنثى كالرجل في تفصيلها وفاقا لشيخ الإسلام في شرح المنهج.
[ ١ / ٨٦ ]