أَرْكَانُهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ: النِّيَّةُ، فَإِنْ صَلَّى فَرْضًا وَجَبَ قَصْدُ فِعْلِهِ وَتَعْيِينُهُ، وَالْأَصَحُّ وُجُوبُ نِيَّةِ الْفَرْضِيَّةِ دُونَ الْإِضَافَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى،
(باب صفة الصلاة)
أي كيفيتها المشتملة على فرض داخل ماهيتها ويسمى ركنا، وخارج عنها ويسمى شرطا -وهو ما قارن كل معتبر سواه-، وعلى سنة وهي إما تجبر بسجود السهو وتسمى بعضا، أوْ لا تجبر به وتسمى هيئة (أركانها) أي الفروض الداخلة فيها (ثلاثة عشر)؛ بناءً على أن الطمأنينة في محالها الأربعة صفة تابعة للركن، وقيل سبعة عشر؛ بناء على أنها ركن مستقل، والخلاف معنوي (^١) ذلك أن من شك في السجود في طمأنينة الاعتدال لم يؤثر شكه إن جعلنها تابعة، وإن جعلناها مقصودة لزمه العود للاعتدال فورًا، والمقرر الثاني، وأما فقد الصارف فهو ليس ركنا بل هو شرط للاعتداد بالركن، وأما جعل الفاعل ركنا في الصوم فهو؛ لأن ماهيته لا وجود لها في الخارج وإنما تتعقل بتعقل الفاعل بخلافها.
أحدها (النية، فإن صلى فرضا) أي أراد صلاته (وجب قصد فعله) -من حيث كونه صلاة؛ ليتميز عن بقية الأفعال-، فلا يكفي إحضارها في الذهن بل لابد من تصد إيجادها (وتعيينه (^٢) كظُهْر (^٣)؛ ليتميز عن غيره، فلا يكفي نية فرض الوقت، (والأصح وجوب نية الفرضية) -في مكتوبة ونذر وصلاة جنازة-؛ لتتميز عن النفل، كأصلي فرض الظهر أو الظهر فرضا والأُوْلى أَولى؛ للخلاف في إجزاء الثانية، وتجب أيضا في المعادة (^٤) وصلاة الصبي (^٥) لمحاكاتها الأصلية (^٦) (دون الإضافة إلى الله تعالى) أي استحضارها في الذهن؛ لأنها لا تكون
_________________
(١) . خلافا لهم.
(٢) . قال المغني: الأصوب أن يقول فعلها وتعيينها.
(٣) . ولو شك أنوي ظهرا أم عصرا ضر، كما اعتمده الشيخ في الفتح خلافا لكلامه في الفتاوى.
(٤) . لكنه ينوي الفرض صورةً، أو ما هو فرض على المكلف في الجملة، كما قيده الشارح في صلاة الجماعة.
(٥) . خلافا للنهاية والمغني، ووفاقا لشيخ الإسلام والشهاب.
(٦) . وقال الشارح في باب الوضوء: «ولأن المراد بالفرض ثَمَّ صورته كما في المعادة» ١/ ١٩٤.
[ ١ / ١٧١ ]
وَأَنَّهُ يَصِحُّ الْأَدَاءُ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ وَعَكْسُهُ. وَالنَّفَلُ ذُو الْوَقْتِ أَوْ السَّبَبِ كَالْفَرْضِ فِيمَا سَبَقَ. وَفِي نِيَّةِ النَّفْلِيَّةِ وَجْهَانِ. قُلْتُ: الصَّحِيحُ لَا تُشْتَرَطُ نِيَّةُ النَّفْلِيَّةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيَكْفِي فِي النَّفْلِ المُطْلَقِ نِيَّةُ فِعْلِ الصَّلَاةِ، وَالنِّيَّةُ بِالْقَلْبِ
- أي باعتبار الواقع- إلَّا له، نعم تسن؛ خروجا من خلاف موجبها كما يسن نية الاستقبال وعدد الركعات؛ لذلك (وأنه) تسن نية الأداء والقضاء، (وأنه يصح الأداء بنية القضاء وعكسه) إن عذر بنحو غيم أو قصد المعنى اللغوي وإلا لم يصح؛ لتلاعبه، ولذا فإن من مكث يصلي الصبح سنين ظانا دخول وقته ثمّ بان خطؤه لم يلزمه إلا قضاء واحدة؛ لأن صلاة كل يوم تقع عما قبله؛ إذ لا تشترط نية القضاء، ولا يعارضه أن من صلى الظهر بالاجتهاد فبانت قبل الوقت لم تقع عن فائتة عليه؛ لأنه في هذه قصد أنها التي دخل وقتها بخلافه في الأول فلم يقصد ذلك بل قصد التي عليه فقط، (والنفل ذو الوقت أو السبب كالفرض فيما سبق) من اشتراط قصد فعل الصلاة، وتعيينها إما بما اشتهر به كالتراويح، أو بالإضافة كعيد الفطر وخسوف القمر وسنّة نحو الظهر القبلية والبعدية، نعم (^١) ما تندرج في غيرها لا يجب تعيينها بالنسبة لسقوط طلبها، بل لحيازة ثوابها كتحية وسنة إحرام واستخارة ووضوء وطواف، (وفي نية النفلية وجهان، قلت: الصحيح لا تشترط نية النفلية والله أعلم)؛ لأن النفلية لازمة له بخلاف الفرضية للظهر مثلا؛ إذ قد تكون معادة، ويسن هنا (^٢) نية الأداء والقضاء والإضافة إلى الله تعالى والاستقبال وعدد الركعات، ويبطل الخطأ في عددها إن كان عامدا (^٣)، ولا يضر الخطأ في اليوم سواء كان في الأداء أو في القضاء (^٤)، (ويكفي في النفل المطلق) وهو ما لا يتقيد بوقت ولا سبب (نية فعل الصلاة)؛ لأنه أدنى درجاتها، (والنية بالقلب) إجماعًا؛ لأنها القصد وهو لا يكون إلا بالقلب، فلا يضر النطق.
_________________
(١) . فهي مستثناة من اعتبار التعيين في النفل ذي السبب وفاقا لشرح المنهج قال في النهاية: والتحقيق عدم الاستثناء.
(٢) . أي في النفل المقيد بوقت أو سبب.
(٣) . خلافا لهما في البطلان عند السهو.
(٤) . قال الشارح في صلاة الجنازة: «ولو عين الإمام وأخطأ بطلت ما لم يشر إليه».
[ ١ / ١٧٢ ]
وَيُنْدَبُ النُّطْقُ قُبَيْلَ لتَّكْبِيرِ.
الثَّانِي تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْقَادِرِ: اللهُ أَكْبَرُ. وَلَا تَضُرُّ زِيَادَةٌ لَا تَمْنَعُ الِاسْمَ كَاَللهِ الأَكْبَرُ وَكَذَا اللهُ الجَلِيلُ أَكْبَرُ فِي الْأَصَحِّ، لَا أَكْبَرُ اللهُ عَلَى الصَّحِيحِ
إذا خالف ما في القلب (^١) (ويندبه النطق) بالمنوي (قبيل التكبير)؛ ليساعد اللسان القلب وخروجًا من خلاف من أوجب.
[تنبيه] مَن مَحَّض عبادته لخوف عقاب أو طلب ثواب لم تصح عبادته (^٢)، بخلاف من لم يمحضها كما لو قيل له صلِّ ولك دينار فصلى لله تعالى مع طمعه في الدينار وطلبه فتصحّ ولا دينار له، والأفضل أن يجرد العبادة عن ذلك.
(الثاني تكبيرة الإحرام)؛ لحديث «تحريمها التكبير»، والواجب فيها ككل قولي إسماع نفسه إن صح سمعه ولا لغط أو نحوه، (ويتعين على القادر الله أكبر)؛ للاتباع، فلا يكفي الله كبير، ولا الرحمن أكبر. ويسن جزم الراء وإيجابه غلط؛ لأن حديثه لا أصل له، ويضر زيادة واو ساكنة؛ لأنه يصير جمع لاهٍ، أو متحركة بين الكلمتين كمتحركة قبلهما، وكلّ ما غير المعنى كتشديد الباء وزيادة ألف بعدها، بل إن عرف معناه كفر، ولا تضر سكتة تنفس بين كلمتيه وكذا ما زاد عليها لنحو عِي، ويسن أن لا يصل همزة الجلالة بنحو مأموما. ولو كبّر مرات ناويا الافتتاح بكلٍّ دخل بالوتر وخرج بالشفع؛ لأنه لما دخل بالأولى خرج بالثانية؛ لأن نية الافتتاح بها متضمنة لقطع الأولى وهكذا، فإن لم ينو ذلك ولا تخلل مبطل -كإعادة لفظ النية- فما بعد الأولى ذِكْرٌ لا يؤثر، (ولا تضر زيادة لا تمنع الاسم) بأن كانت بعد التكبير مطلقا، أو بين جزأيه وقَلَّت وهي مِن أوصافه تعالى بخلاف «هو» و«يا رحمن (^٣) (كالله) أكبر من كل شيء، وكالله (الأكبر)؛ لإفادتها للمبالغة في التعظيم، ومع ذك فهي خلاف الأولى؛ للخلاف في إبطالها، (وكذا الله الجليل) أو ﷿ (أكبر في الأصح)؛ لأنها زيادة يسيرة بخلاف الطويلة كالله لا إله إلا هو أكبر، (لا أكبر الله على الصحيح)؛ لأنه لا يسمى تكبيرا.
_________________
(١) . أفاد الشارح عند كلامه على نية الصوم أنه لو عقبها بإنشاء الله فإن قصد التبرك صحَّ بخلاف التعليق أو أطلق.
(٢) . يفهم من كلام الشارح أن سبب عدم الصحة زوال إسلامه بسبب ذلك التمحيض.
(٣) . لإيهامه الإعراض عن التكبير إلى الدعاء.
[ ١ / ١٧٣ ]