يَجُوزُ فِي الْوُضُوءِ لِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَيَالِيهَا مِنَ الحَدَثِ بَعْدَ لُبْسٍ.
(باب مسح الخفّ)
ذكره هنا؛ لتمام مناسبته بالوضوء (يجوز في الوضوء) ولو سلس. والغسل أفضل إلا لمن رغب عن السنة -ولو لم يجد في نفسه كراهته- أو شك في جوازه، أو خاف من الغسل فوت نحو جماعة، أو كاد أن يغشيه حدث وهو متوضئ ومعه ماء يكفيه لو لبسه ففي تلك المسح أفضل ويكره تركه. ويجب لنحو خوف فوت عرفة أو إنقاذ أسير أو كان لابسه وضاق الوقت ولديه من الماء ما يكفيه للمسح لا للغسل، ويحرم على المُحْرِم المتعدي بلبسه (للمقيم) وكل من سفره لا يبيح القصر (يوما وليلة، وللمسافر) سفر قصر (ثلاثة أيام بلياليها) سبق اليومَ الأولَ ليلتُه -بأن أحدث وقت الغروب- أوْ لا -بأن أحدث وقت الفجر- ولو أحدث أثناء ليل أو نهار أعتبر قدر الماضي منه من الليلة الرابعة أو اليوم الرابع (من) انتهاء (الحدث) كبول أو نوم أو مس (^١)، نعم لو تعاقبا حدثان وانتهى الثاني قبل الأول فقضية كلامهم أنها تحسب من انتهاء الأول (^٢)، ويستثنى مَن جُنَّ بعد اللبس فتحسب المدة من انتهاء حدثه إن أحدث؛ لأن المعتبر في الشروط خطاب الوضع، ولذا فإن أفاق وقد بقي من المدة المحسوبة من الحدث شيء استوفاه وإلا فلا (بعد لبس) فلو أحدث فتوضأ وغسل رجليه فيه ثمّ أحدث فابتداؤها من الحدث الأول. ويسن تجديد الوضوء بعد لبسه وقبل الحدث ويمسح عليه، واغتفر له المسح قبل الحدث؛ لأن وضوئه تابع غير مقصود. ولا يمسح السلس الذي أحدث غير حدثه الدائم والمتيمم لغير فقد الماء كمرض -بأن تكلف الوضوء- إلا لما يحل لهما لو بقي طهرهما الذي لبسا عليه الخف فإن كان الحدث قبل الفرض مسحا له وللنوافل أو بعده مسحا للنوافل فقط، فإن أرادا الفرض نزعا وأكملا طهرهما، ولو شفي السلس والمتيمم وجب
_________________
(١) . وفاقا لشخ الإسلام والخطيب، وقال الرملي: إن لم يكن باختياره كبول فمن انتهائه وإلا كمس فمن ابتدائه.
(٢) . عبارة فتح الجواد.
[ ١ / ٩٦ ]
فَإِنْ مَسَحَ حَضَرًا ثُمَّ سَافَرَ أَوْ عَكَسَ لَمْ يَسْتَوْفِ مُدَّةَ سَفَرٍ. وَشَرْطُهُ أَنْ يُلْبَسَ بَعْدَ كَمَالِ طُهْرٍ سَاتِرَ مَحَلِّ فَرْضِهِ طَاهِرًا يُمْكِنُ تِبَاعُ المَشْيِ فِيهِ لِتَرَدُّدِ مُسَافِرٍ لِحَاجَاتِهِ، قِيلَ: وَحَلَالًا. وَلَا يُجْزِئُ مَنْسُوجٌ لَا يَمْنَعُ مَاءً فِي الْأَصَحِّ،
الاستئناف وغسل الرجلين. والمتحيّرة لا تمسح إلا للنوافل (^١)؛ لأنها تغتسل لكل فرض، أما المتيمم لفقد الماء فلا يمسح لبطلان تيممه برؤيته، (فإن مسح) ولو أحد خفّيه (حضرًا ثمّ سافر أو عكس لم يستوفِ مدة سفرٍ)؛ تغليبا للحضر، نعم إن أقام في الثاني بعد مضي أكثر من يوم وليلة أجزأه ما مضى. وخرج بالمسح الحدث ومُضي وقت الصلاة حضرا فلا عبرة بهما بل يستوفي مدة المسافر؛ لأن العبرة هنا بالتلبس بالمسح؛ لأنه أول العبادة. (وشرطه أن يُلبَس بعد كمال طهر) من الحدثين ولو طهر سلس أو متيمم تيممًا محضا (^٢)، فيجب غسل كلا الرجلين ثمّ إدخالهما ويكفي غسلهما في ساق الخف، بخلاف ما لو لبس بعد غسلهما ثم أحدث قبل وصولهما لموضع القدم (ساتر) ولو بنحو زجاج شفاف؛ لأن القصد منع نفوذ الماء (محل فرضه) وهو قدمه بكعبيه من سائر الجوانب غير الأعلى، ولا يضر تخرق البطانة والظهارة لأعلى التحاذي (طاهرا) ولا يضر متنجس بمعفو عنه -إلا إن اختلط به ماء المسح- بخلافه بغير معفو عنه؛ لانتفاء إباحته الصلاة به وهي المقصود الأصلي منه، ومن ثم لم يجز له أيضا نحو مس المصحف، نعم يعفى عن محل خرزه إذا خُرِّز بشعر نجس ولو من خنزير رطب؛ لعموم البلوى به فهو كالإبرة، ويطهر ظاهر المحل بغسله سبعا بالتراب ويصلي فيه الفرض والنفل إن شاء لكن الأحوط تركه، وغير الخفاف مما لا يتيسر خرزه إلا بها مثلها (يمكن تِبَاعُ المشي فيه) بلا نعل للحوائج المحتاج إليها غالبا في المدة من يوم وليلة أو ثلاثة، ويعتبر هذا في السلس وإن كان يجدد اللبس لكل فرض؛ لأنه لو ترك الفرض ومسح للنوافل استوفى المدة بكمالها، فعُلم أنه لا بد من قُوَّتِهِ ولو لمقعَد (لتردد مسافر لحاجته) المعتادة ثلاثة أيام، (قيل وحلالا) فلا يكفي حريرٌ لرجل ونحو مغصوب ونقد؛ لأن الرخصة لا تناط بمعصية، ورُدَّ أن المعصية ليست ذاتية ولذا لم يمسح المُحْرِم (ولا يجزئ منسوج لا يمنع) نفوذ (ماء) يصب على رجليه (في الأصح)؛ لأنه خلاف الغالب، وليس كمنخرق والظهارة بلا تحاذٍ البطانة؛ لأنه
_________________
(١) . خلافا لهما فقالا تمسح عند عدم وجوب الغسل.
(٢) . بأن عمت العلة جميع أعضاء وضوئه.
[ ١ / ٩٧ ]
وَلَا جُرْمُوقَانِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيَجُوزُ مَشْقُوقُ قَدَمٍ شُدَّ فِي الْأَصَحِّ. وَيُسَنُّ مَسْحُ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ خُطُوطًا، وَيَكْفِي مُسَمَّى مَسْحٍ يُحَاذِي الْفَرْضَ إلَّا أَسْفَلَ الرِّجْلِ وَعَقِبَهَا فَلَا عَلَى المَذْهَبِ. قُلْتُ: حَرْفُهُ كَأَسْفَلِهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ وَلَا مَسْحَ لِشَاكٍّ فِي بَقَاءِ المُدَّةِ
يسمى خفا وإن نفذ الماء منه بخلاف الأول، (ولا جُرموقان) -وهما خف فوق خف- بأن كانا صالحين ومسح على أعلاهما فلا يجزئ (في الأظهر)؛ لأنه لا تعم الحاجة إليه غالبا، نعم لو وصل البلل إلى الأسفل ولو من موضع الخرز فإن قصده أو والأعلى أو أطلق كفى، أو الأعلى وحده فلا؛ للصارف وهو قصده ما لا يصح مسحه وحده، فإن لم يصلح الأسفل مسح الأعلى، أو الأعلى مسح الأسفل، فإن مسح الأعلى فوصل بلله للأسفل تأتت تلك الصور الأربع، أو لم يصلح واحد منهما فلا إجزاء، وذو الطاقين (^١) إن خيطا ببعضهما بحيث تعذر الفصل فكخف واحد وإلا كجرموقين، ولو تخرَّق الأسفل وقت ما كان بطهر الغسل أو المسح جاز مسح الأعلى؛ لأنه صار أصلا، أو وقت ما كان على حدث فلا؛ لأنه كاللبس على حدث، ولا يجزي مسح خف فوق جبيرة؛ لأنه ملبوس فوق ممسوح (^٢)، (ويجوز مشقوق قدم شُدَّ) -بحيث يستر الفرض- بالعُرَى قبل الحدث؛ لأن القاعدة أن كل ما طرأ أو زال مما يمنع المسح إن كان قبل الحدث لم ينظر إليه أو بعده نظر إليه (في الأصح)؛ لحصول الستر والارتفاق به في الإزالة والإعادة بسهولة (ويسن مسح) ظاهر (أعلاه وأسفله خطوطا) فيضع يسراه تحت عقبه ويمناه على ظهر أصابعه ثم يمر اليمنى لساقه واليسرى لأطراف أصابعه من تحت مفرجا بين أصابع يديه، واستيعاب الخف بالمسح خلاف الأولى، وتكرير مسحه مكروه، (ويكفي مسمى مسح) ولو بعض شعرةٍ كالرأس، ويجزي بلّه وغسله مع الكراهة؛ لأنه يفسده لا كالرأس (يحاذي الفرض) إلا باطن ما يحاذيه اتفاقا، (إلا) ظاهر ما يحاذي (أسفل الرجل وعقبها فلا على المذهب)؛ للاتباع (قلت: حرفه كأسفله والله أعلم. ولا مسح لشاك في بقاء المدة) كأن شك في زمن حدثه أو أن مسحه في الحضر أو السفر، نعم لو زال الشك وبقي شيء من المدة استوفاها، ولو شك أصلى بالمسح ثلاثا أو أربعا أخذ في وقت المسح بالأكثر وفي أداء
_________________
(١) . الطاقة شعبة من الخيط، لسان العرب.
(٢) . فلو تحمل وغسل رجليه أوَّلا صح خلافا للنهاية.
[ ١ / ٩٨ ]