وَتَعْمِيمُ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ. وَلَا تَجِبُ مَضْمَضَةٌ وَاسْتِنْشَاقٌ، وَأَكْمَلُهُ إزَالَةُ الْقَذَرِ ثُمَّ الْوُضُوءُ، وَفِي قَوْلٍ يُؤَخِّرُ غَسْلَ قَدَمَيْهِ،
(وتعميم شعرِهِ) ما عدا النابت في نحو عين وأنف وإن طال؛ لخبر عَلِيٍّ يرفعه «من ترك موضع شعرةٍ من جنابة فعل به كذا وكذا من النار»، فينقضه إن لم يصل الماء لباطنه إلا ما انعقد بنفسه (^١)، ولو نتف شعرة لم يغسلها وجب غسل محلها (وبشرِهِ)؛ لحلول الحدث بكل البدن حتى ما تحت الأظافر وظاهر صماخ وفرج عند جلوسها على قدميها وشقوق وما تحت قلفة (^٢) وما ظهر مما باشره القطع (^٣) وسائر معاطف البدن، ويحرم فتق الملتحم، (ولا تجب) كالوضوء (مضمضة واستنشاق) وإن انكشف باطن فم وأنف وكذا باطن عين الساتر لها عند غمضها، ولا يجب غسل مقعدة المبسور من الجنابة، ويجب غسل خبثها إن لم يرد إدخالها وإلا لم يجب هذا أيضًا.
[تنبيه] إنما عدوا باطن الفم باطنًا؛ لأن ليس له حالة مستقرة يعهد زوال حائله فيها بالكلية بخلاف باطن الفرج لزواله في حالة الجلوس على القدمين، (وأكمله إزالة القذر) ولو طاهرًا كمني. ويسن تأخير الغسل عن بوله؛ لئلا تخرج معه فضلة منيه، وليتنبه هنا لدقيقة وهي أنه ينبغي على من يغتسل من نحو إبريق إذا طَهَّرَ محل النجو أن يغسله ناويا رفع الجنابة؛ لأنه إن غفل عنه بعدُ بطل وإلا فقد يحتاج إلى مسّه فينتقض وضوؤه، ودقيقة أخرى وهي أنه إن نوى كما ذكر ومس فرجه بعد النية ورفع جنابة اليد -كما هو الغالب- حصل بيده حدث أصغر فقط فلابد من غسلها بعد رفع حدث الوجه بنية رفع الحدث الأصغر؛ لتعذر الاندراج، (ثم الوضوء) كاملا، ويسن استصحابه إلى الفراغ، فلو احدث أعاده (^٤)، (وفي قول) إن الأفضل أن (يؤخر غسل قدميه) وكليهما وَرَدَ، ولكن لفظ الأول يشعر بالتكرار، وتحصل سنة الوضوء بتقديم كله وبعضه وتأخيره وتوسطه أثناء الفعل، وتكفي نية الغسل عن نية الوضوء لكن السنة إن تجردت جنابته عن الأصغر أن ينوي بالوضوء سنة الغسل أو
_________________
(١) . ويعفى عن نحو طبوع لصق بأصول شعره حتى منع وصول الماء إليها؛ للضرورة، نعم يجب حلق كله إن أمكن ما لم يحصل به مِثلة لا تحتمل عادة كما ذكره الشارح في باب الوضوء ١/ ٢٠٧.
(٢) . وعند الشارح يتيمم عما تحتها ويُصلَّى عليه، وقال الرملي يدفن بلا الصلاة.
(٣) . حسب التفصيل المار.
(٤) . خلافا لهما.
[ ١ / ١٠٤ ]
ثُمَّ تَعَهُّدُ مَعَاطِفِهِ، ثُمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَيُخَللهُ، ثُمَّ شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، وَيَدْلُكُ وَيُثَلِّثُ، وَتُتْبِعُ لِحَيْضٍ إِثْرِهِ مِسْكًا، وَإِلَّا فَنَحْوَهُ
الوضوء وإلا نوى نية مجزئة مما مر في الوضوء (^١)؛ خروجا من خلاف موجبه القائل بعدم الاندراج، نعم إن انتقض وضوؤه بعد ارتفاع جنابة أعضاء الوضوء وجبت النية والترتيب (ثم تعهد معاطفه) وهي ما فيه التواء وانعطاف كطبق البطن والسرّة؛ حتى يتيقن وصوله إليها، ويتأكد في الأذن بأن يأخذ كفًّا من ماء ويميل أذنه عليه، وبُحث تعين ذلك على الصائم (^٢) (ثمّ يفيض الماء على رأسه و) قبل الإفاضة عليه الأولى له إذا كان له شعر في نحو رأسه أو لحيته أنه (يخلله) كسائر شعوره بأن يدخل أصابِعَهُ مبلولة أصولَ شعرِهِ، والمحرم يتحرّى الرفق في ذلك (ثم شقّه الأيمن) مقدمه ثم مؤخره (ثم الأيسر ويدلك)؛ لخلاف موجبه، ولنا إن الآية والخبر لم يتعرضا له (ويثلث) شعور رأسه ثم غسله، ثم تخليل شعور وجهه ثم غسله ثم تخليل شعور بقيّة البدن ثم غسله ويثلثه، ويحصل بأن يغسل الأيمن ثم الأيسر ثم هكذا ثانية وثالثة، أو الأيمن ثلاثا ثم الأيسر مثله (^٣)، ويثلث الدلك والتسمية والذكر وسائر السنن، ويكفي في راكد تحريك البدن ثلاثا وإن لم ينقل قدميه (^٤). (وتتبع) ولو خليّة لكن غير محدَّة ومحرمة (لحيضٍ) -ولو احتمالا كمتحيرة- ونفاس (إثْره) أي عقب الانقطاع والغسل (مسكا)؛ لأمره -ﷺ- بذلك بقطنة تدخلها فيما يجب غسله من الفرج، وفي حكمه الثقبة التي ينقض خارجها (^٥)، ويكره تركه؛ لأنه يطيب المحل ويهيئه للعلوق (وإلا) ترده (فنحوه) من طيب، وأولاه
_________________
(١) . ظاهره سواء قدم الغسل على الوضوء أو أخره عنه، خلافا للمغني والنهاية فقالا إن أخر الوضوء عن الغسل نوى سنة الغسل إن لم يرد الخروج من خلاف من قال بعدم الاندراج، وإلا نوى نية معتبرة كرفع الحدث.
(٢) . خلافا للنهاية.
(٣) . فهما مستويان ورجح في النهاية تفضيل الأولى واقتصر عليها الخطيب.
(٤) . خلافا لهما.
(٥) . أي ثقبة أنثى انسد فرجها أو خنثى حكم بأنوثته.
[ ١ / ١٠٥ ]
وَلَا يُسَنُّ تَجْدِيدُهُ، بِخِلَافِ الْوُضُوءِ. وَيُسَنُّ أَلَّا يَنْقُصَ مَاءَُ الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ، وَالْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ. وَلَا حَدَّ لَهُ
أكثره حرارةً كقسط (^١) وأظفار (^٢) فالنوى (^٣) فالملح (^٤)، فإن لم ترد الطيب فطين بل يكفي ماءٌ غير ماء الرفع؛ لحصول سنة النظافة (^٥)، أما المحدة فتقتصر على قليل قسط أو أظفار؛ للحاجة، والمحرمة كالمحدة. ويكره للصائمة أيضًا فلو انقطع قبيل الفجر فنوت وأرادت الغسل بعده لم يسن لها التطيّب، (ولا يسن تجديده)؛ لأنه لم ينقل (بخلاف الوضوء) ولو لماسح الخف وإن كمل بالتيمم لنحو جرح؛ لخبر «من توضأ على طهر كُتِب له عشر حسنات»، ومحلّه إذا صلّى بالأول ولو ركعة لا سجدة وطوافًا وإلا كره (^٦) كالغسلة الرابعة، نعم لو قصد به عبادة مستقلة حرم (^٧)؛ لتلاعبه، ومحلّه أيضا إذا لم يعارضه ما هو أهم منه وإلا لزم التسلسل. (ويسن أن لا يَنقص) وأن لا يزيد (ماءَُ الوضوء عن مد والغسل عن صاع)؛ للاتباع، أي إلا لحاجة فيهما كتيقن كمال الإتيان بجميع المطلوبات، ومحلّه أيضا فيمن بدنه قريب من اعتداله -ﷺ- ونعومته وإلا فبحسب اللائق به (ولا حَدَّ له) فلو نقص وأسبغ كفى، ويسن أن لا يغتسل لجنابة أو غيرها وأن لا يتوضأ لحدث أو غيره (^٨) في ماء راكد لم يستبحر كنابع من عين غير جارية؛ لأنه قد يقذّره، وأن يدخل الماء بمئزر، وأن لا يزيل ذو حدث أكبر قبله شيئا من بدنه ولو نحو دمّ، وأن يغسل- كحائض ونفساء انقطع دمها -فرجه- والأكمل أن يتوضأ أيضا -عند إرادة نحو جماع أو نوم أو أكل أو شرب أو ذكر وإلا كره، وعلّة الأول زيادة النّشاط
_________________
(١) . هو ضرب من الطيب، ويطلق أيضا على عقار معروف في الطب كما في النهاية في غريب الحديث ٤/ ٦٠.
(٢) . ضرب من العطر على شكل أظفار الإنسان.
(٣) . يطلق النوى على عجم التمر والزبيب ونحوهما أو بذره.
(٤) . ويجوز أن تغسل دم الحيض بماء مع ملح ونحوه مما اعتيد امتهانه إن توقف زواله عليه؛ للحاجة ولخبر ضعيف فيه كما ذكره الشارح في آداب قضاء الحاجة.
(٥) . فالترتيب لكمال السنة لا لأصلها كما صرح به الشارح في الجنائز.
(٦) . أي مع الصحة وفاقا للنهاية وخلافا للمغني.
(٧) . رده الرملي.
(٨) . خلافا للمغني.
[ ١ / ١٠٦ ]
وَمَنْ بِهِ نَجَسٌ يَغْسِلُهُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ، وَلَا تَكْفِي لَهُمَا غَسْلَةٌ، وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ تَكْفِيهِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَمَنِ اغْتَسَلَ لِجَنَابَةٍ وَجُمُعَةٍ حَصَلَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا حَصَلَ فَقَطْ. قُلْتُ: وَلَوْ أَحْدَثَ ثُمَّ أَجْنَبَ أَوْ عَكْسُهُ كَفَى الْغُسْلُ عَلَى المَذْهَبِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ.
للعود، ولذا لا ينتقض بالحدث بخلاف ما بعده؛ لأن علتها تخفيف الحدث. ويجوز الغسل عاريا بخلاف الوضوء عاريا عقب الغسل إلا لحاجة كخوف رشاش. (ومن به نجس) ولو عينيًا (يغسله ثمّ يغتسل، ولا تكفي لهما غسلة، وكذا في الوضوء)؛ لأنهما مختلفان في الجنس، (قلت: الأصح تكفيه والله أعلم)؛ لحصول الغرض بمرور الماء، نعم يشترط في العينية زوالها بجرية، وورود الماء، وعدم تغيّره، وأن لا يزيد وزنه، وأن لا تحيل بينه وبين العضو، وعليه فالمغلظة لا تطهر إلا بعد التسبيع مع التعفير، (ومن أغتسل لجنابة) أو حيض أو نفاس (و) نحو (جمعة) بنيّتهما (حصلا) والأكمل إفراد كلٍّ بغسل، (أو لأحدهما حصل فقط) وإنما لم يندرج المسنون في الواجب؛ لأنه مقصود ولذا يتيمم للعجز عنه، ولا يصح الواجب بنيّة النفل وعكسه إن تعمد فيهما، نعم إن اغتسل لأحد واجبين أو أحد نفلين فأكثر بنيّته فقط حصل الآخر؛ لأن مبنى الطهارات على التداخل، ومعنى حصول غير المنوي سقوط طلبه (^١)، (قلت: ولو أحدث ثمّ أجنب أو عكسه) أو وجدا معا (كفى الغسل على المذهب والله أعلم)؛ لاندراج الأصغر في الأكبر، ولا نظر لاختلاف الجنس مع حصول المقصود.
_________________
(١) . خلافا لظاهر كلام الرملي من حصول ثواب الكل.
[ ١ / ١٠٧ ]
باب النجاسة
هِيَ: كُلُّ مُسْكِرٍ مَائِعٍ وَكَلْبٌ، وَخِنْزِيرٌ، وَفَرْعُهُمَا،