وَيُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إلَى جِدَارٍ، أَوْ سَارِيَةٍ، أَوْ عَصًا مَغْرُوزَةٍ، أَوْ بَسَطَ مُصَلّىً، أَوْ خَطَّ قُبَالَتَهُ دَفْعُ المَارِّ، وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُ المُرُورِ حِينَئِذٍ،
(ويسن للمصلي) أن يتوجه (إلى جدار أو سارية) وهما سواء (أو عصًا مغروزة) إن عجز عن ما قبلها (أو بَسَط مصلىً) -كسَجادة (^١) - بعد عجزه عن ما ذكر (أو خَطَّ) خطا (قبالته) إن لم يجد ما تقدم، والأولى كون الخط طولا، ويسن أن يجعل الساتر عن يمينه أو يساره بحيث يسامت بعض بدنه (^٢)، ويكره استقبالها بوجهه؛ للنهي عنه ومع ذلك فهي محترمة، ومتى عدل عن مقدم لمؤخر مع سهولته فكالعدم؛ لخبر «إذا صلى أحدكم فليجعل أمامه شيئا فإن لم يجد فلينصب عصًا، فإن لم يكن معه عصًا فليخطّ خطًا» مع قياس المصلَّى بالخط بالأولى، وشرط السترة أن يقرب منها بحيث تكون المسافة بينها وبين عقبه (^٣) أو رأسه في المستلقي ثلاثة أذرع فأقل بذراع الآدمي المعتدل، نعم في المصلَّى والخطّ تحسب المسافة من أولهما المسامت للمصلي إن كان بينهما فرجة وإلا اعتبر منهما ثلاثة أذرع سترة وما زاد غير سترة (^٤)، وشرطه أيضا ارتفاع أحد الثلاثة الأُوَل ثلثي ذراع آدمي معتدل فأكثر، وأن لا يُقَصِّر بوقوفه في نحو مغصوب، أو إليه، أو في طريق ومثله مطاف في وقت مرور الناس به، أو بوقوفه في صفّ مع فرجة في صفّ آخر بين يديه؛ لتقصير كل من وراء تلك الفرجة بعدم سدّها -المفوِّت لفضيلة الجماعة-، أو بسترته بمزوّق يُنْظَر إليه أو براحلة تنفر أو بامرأة قد يشتغل بها أو برجل استقبله بوجهه وإلا فهو سترة (^٥)، فإذا صلَّى لشيء مما مر سن له ولغيره الذي ليس في صلاة (دفع المار) المكلف (^٦)؛ لتعديه ولما صحّ من الأمر بدفعه بالأسهل كالصائل، ولا يدفعه بفعل كثير متوالٍ؛ لئلا تبطل (والصحيح تحريم المرور)؛ لخبر «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خريفا خيرا له من أن يمر بين يديه» (حينئذٍ) وإن لم يجد المار سبيلا، بل وإن زالت بنحو ريح أو متعمد أثناء صلاته بالنسبة
_________________
(١) . كما في الإمداد.
(٢) . كما في الإمداد أيضًا.
(٣) . خلافا لهما فعندهما تحسب المسافة من رؤوس الأصابع.
(٤) . كما في فتح الجواد.
(٥) . خلافا للنهاية.
(٦) . اعتمد الرملي أنه لا فرق بين المكلف وغيره.
[ ١ / ٢٢٤ ]
قُلْتُ: يُكْرَهُ الِالْتِفَاتُ لَا لِحَاجَةٍ. وَرَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ، وَكَفُّ شَعْرِهِ، أَوْ ثَوْبِهِ وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ بِلَا حَاجَةٍ،
لمن علم بها، ولو شرع مع عدمها فوضعت له لم يحرم (^١)؛ لتقصيره (^٢)، وإذا نقص شرط مما مر كان المرور خلاف الأولى وحرم دفعه.
[تنبيه] العبرة في حرمة المرور المقتضية للدفع باعتقادهما؛ لأن العلة مركبة من عدم تقصير المصلي وحرمة المرور، فالمراهق لا يدفع، وكذلك من لم تكن له سترة معتبرة عنده أو عند المار، نعم إن كان مقلَّد المار ينهاه عن إدخال النقص على صلاة مقلِّد غيره دَفَعَه حينئذٍ، ولو تعارضت السترة والقرب من الإمام أو نحو الصف الأول قدم نحو الصف الأول.
(قلت: يكره) ترك شيء من سنن الصلاة ورد فيه نهي أو خلاف في وجوبه (^٣)، و(الالتفات) بوجهه يمينا أو شمالا وورد «أنه اختلاس من الشيطان»، أما بصدره فتبطل كما لو قصد اللعب بالتفات وجهه (لا لحاجة) كما لا يكره لمح العين مطلقا؛ لفعله -ﷺ- كلا منهما، (ورفع بصره إلى السماء)؛ لخبر البخاري «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم .. لينتهن عن ذلك أو لتخطفنّ أبصارهم»، ولذا كرهت على مُلْهي (^٤) كمخطط أو إليه أو عليه؛ لأنه يخلّ بالخشوع، (وكفّ شعره أو ثوبه) أو دخول فيها (^٥) وهو كذلك؛ للنهي عنه مع أنه هيئة تنافي الخشوع والتواضع، ومن ثمّ كره كشف الرأس أو المنكب والاضطباع (^٦) ولو من فوق القميص، ويسن لمن رآه كذلك ولو مصليا آخر أن يحله حيث لا فتنة، ولا يرد المصلي رداءه إذا سقط إلا لعذر ومثله العمامة ونحوها، (ووضع يده على فمه (^٧) -؛ للنهي عنه- وإشارة مفهمة (بلا حاجة) بل جميع ما قبله وما بعده مما في معناه مقيد بذلك، فإن وجدت الحاجة كتثاؤب فيسن وضعها؛ لكي لا يقرب فمه الشيطان كما في
_________________
(١) . خلافا لهما.
(٢) . كما في الإمداد.
(٣) . حمله الشارح في صفة الصلاة على السنن المؤكدة.
(٤) . كما في شرح بافضل.
(٥) . بل يسن إرسال شعر أو ثوب كف فيها كما ذكره الشارح عند كلامه على السواك ١/ ٢١٧.
(٦) . ولو في سنة الطواف كما ذكره الشارح في الحج ٤/ ٩٠.
(٧) . ويكره تغطية الفم حتى بثوب كما ذكره الشارح في اللباس.
[ ١ / ٢٢٥ ]
وَالْقِيَامُ عَلَى رِجْلٍ، وَالصَّلَاةُ حَاقِنًا أَوْ حَاقِبًا، أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَتُوقُ إلَيْهِ. وَأَنْ يَبْصُقَ قِبَلَ وَجْهِهِ، أَوْ عَنْ يَمِينِهِ. وَوَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ. وَالمُبَالَغَةُ فِي خَفْضِ الرَّأْسِ فِي رُكُوعِهِ، وَالصَّلَاةُ فِي الحَمَّامِ،
الخبر، (والقيام على رِجل) بأن يرفع الأخرى إلا لحاجة، (والصلاة حاقنا) بالبول (أو حاقبا) بالغائط أو حازقا بالريح؛ لأنه يخلّ بالخشوع مع الخبر الآتي، والعبرة في الثلاث بوجوده عند التحرم، فإن طرأ فيها فلا كراهة، ولا يخرج من الفرض حينئذ، ولا يؤخره إذا ضاق وقته إلا إن ظن بكتمه ضررًا يبيح التيمم، ويسن له تفريغ نفسه قبل الصلاة وإن فاتت الجماعة، (أو بحَُِضرة طعام) أو شراب (يتوق (^١) إليه)؛ لخبر «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان»، فيأكل حاجته منه، ومثل حضور الطعام غيبته مع رجاء قرب حضوره (وأن يبصق) ولو خارج الصلاة (قِبَلَ وجهه) وإن لم يكن من هو خارجها مستقبلا (أو عن يمينه) -إلا مسجده -ﷺ- وذلك لصحة النهي عنهما، بل يبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى أو في ثوبه من جهة يساره وهو الأولى، وإن أمكن الطائف أن يطأطئ رأسه ويبصق لا إلى اليمين ولا إلى اليسار فهو أولى وكذا في مسجده -ﷺ-، ولو كان على يساره فقط إنسان بصق عن يمينه إذا لم يُمْكِنه ما ذكر. وإنما يحرم البصاق في المسجد إن بقي جرمه -لا إن استهلك في نحو ماء مضمضة- وأصاب جزأ من أجزائه ومنه حُصُره، فلا يحرم في تراب لم يدخل في وقفه؛ لأنه ليس منه، ولا في هوائه؛ لعدم التقذير كالفصد في إناء أو على قمامة به ولو لغير حاجة، ويجب إخراج نجس منه فورا عينا على من علم به وإن لم يتعدّ به واضعه أو أرصد لإزالته من يقوم بها بمعلوم، وإذا حرُم فيه البصاق ثُمّ دفنه في ترابه أو رمله انقطعت الحرمة، أما دلكها في المبلَّط فحرام إلا إن لم يبق أثر البتة، ويُنكر على الباصق في المسجد، (ووضع يده) لغير حاجة (على خاصرته)؛ للنهي عنه، (والمبالغة في خفض رأسه في ركوعه) بل وإن خفضه عن أكمل الركوع ولو لم يبالغ؛ لخبر أنه -ﷺ- «لم يصوب رأسه فيه» أي يخفضه، (و) تكره (الصلاة في الحمام) الجديد وغيره ولو بمسلخه -أي موضع نزع الثياب (^٢) -؛ لخبر «الأرض كلها مسجد
_________________
(١) . حمله الشارح في أعذار الجماعة على التوقان الشديد، بل اعتمد أن اختلال أصل خشوعه بالجوع أو العطش كافٍ وإن لم يحضر طعام وذكر تساوي مكروهات الصلاة وأعذار الجماعة ٢/ ٢٧٧.
(٢) . كما في الإمداد والمصباح المنير.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وَالطَّرِيقِ، وَالمَزْبَلَةِ، وَالْكَنِيسَةِ، وَعَطَنِ الْإِبِلِ وَالمَقْبَرَةِ الطَّاهِرَةِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ
إلا المقبرة والحمام»، ومثله كل محلّ معصية وغضب كأرض ثمود ووادي محسر (والطريق) -في صحراء أو بنيان- وقت مرور الناس به كالمطاف؛ لأنه يشغله، ومن ثمّ كان استقباله كالوقوف به (والمزبلة) أي محل الزبل ومثله كل نجاسة متيقنة؛ لأنه بفرش الطاهر عليها يحاذيها ومحاذاتها مكروه (والكَنيسة) وهي متعبد اليهود والبِيعة متعبد النصارى ونحوهما من أماكن الكفر؛ لأنها مأوى الشياطين، ويحرم دخولها على مَن منعوه وكذا إن كان فيها صورة معظمة (وعطن) وهو ما تنحى إليه إذا شربت ليشرب غيرها فإذا اجتمعت سيقت منه للمرعى، ومثله جميع مباركها إلا أنّ العطن أشدّ كراهة (الإبل) -ولو طاهرا، نعم لا كراهة في عطنها الطاهر حال غيبتها-؛ لخبر «صلوا في مرابض الغنم -والمراد جميع محالها- ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين» ونحو البقر كالغنم، نعم متى كان بمحل الحيوان نجاسة فلا فرق بين الإبل وغيرها لكن الكراهة فيها لعلتين وفي غيرها لعلة واحدة (والمقبَُِرة) ومثلها ما لو دفن ميت في مسجد (الطاهرة) بأن لم يتحقق نبشها أو تحقق وفرش عليها حائل (والله أعلم)؛ لما مر، ولكي لا يحاذي النجاسة سواء ما تحته أو أمامه أو بجانبه فلا كراهة إن لم تكن ثمة محاذاة ولو في المقبرة؛ لبعد الموتى عنه عرفًا، نعم الأنبياء صلى الله عليهم وسلم لا تكره الصلاة في مقبرتهم؛ لأنهم أحياء فلا نجاسة، نعم تحرم الصلاة إلى قبورهم كغير الأنبياء إن قصد التبرك أو نحوه؛ لأنه يؤدي إلى الشرك، وتكره على ظهر الكعبة؛ لأنه خلاف الأدب، وفي الوادي الذي نام فيه النبي -ﷺ- عن صلاة الصبح؛ لنصه على أنه فيه شيطانا، ومحل الكراهة في الكل ما لم يعارضها خشية خروج وقت أو فوت جماعة.
[ ١ / ٢٢٧ ]
باب
سُجُودُ السَّهْوِ سُنَّةٌ عِنْدَ تَرْكِ مَأْمُورٍ بِهِ، أَوْ فِعْلِ مَنْهِيٍّ عَنْهُ فَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ رُكْنًا وَجَبَ تَدَارُكُهُ، وَقَدْ يُشْرَعُ السُّجُودُ كَزِيَادَةٍ حَصَلَتْ بِتَدَارُكِ رُكْنٍ كَمَا سَبَقَ فِي التَّرْتِيبِ، أَوْ بَعْضًا وَهُوَ الْقُنُوتُ، أَوْ قِيَامُهُ،