وَجِلْدٌ نَجُسَ بِالمَوْتِ فَيَطْهُرُ بِدَبْغِهِ ظَاهِرُهُ وَكَذَا بَاطِنُهُ عَلَى المَشْهُورِ. وَالدَّبْغُ نَزْعُ فُضُولِهِ بِحِرِّيفٍ لَا شَمْسٍ وَتُرَابٍ، وَلَا يَجِبُ المَاءُ فِي أَثْنَائِهِ فِي الْأَصَحِّ،
[تنبيه] لو أُلقي ما لا يقبل التخمّر ويمنع من وجوده كخلّ في نحو عصير عنب فإن كان الخل أغلب أو مساويه وزنا كان الخليط طاهرًا؛ لأن الأصل عدم التخمر، أو كان أقل منه تنجس؛ لأنه لقلة الخل فيه يتخمر.
[تنبيه آخر في علم الكيمياء] يجوز لمن علم قلب الأعيان علما يقينيا عمله وتعليمه بخلاف من لم يعلمه كذلك.
(وجلد نجس بالموت) خرج المغلّظ (فيطهر بدبغه) واندباغه (ظاهره) وهو ما لاقاه الدباغ (وكذا باطنه) وهو ما لم يلاقه من أحد الوجهين أو ما بينهما (على المشهور)؛ لخبر «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، فيجوز بيعه والصلاة فيه واستعماله في الرطب، نعم يحرم أكله من مأكول؛ لانتقاله لطبع الثياب، ولا يطهر شعرُهُ لكن يعفى عن قليله عرفا فيطهر حقيقة تبعا (^١) كدن الخمر.
[تنبيه] تجوز الصلاة في فراء السنجاب حيث لم يعلم في ذلك بعينه أنه ذبح ذبحا غير صحيح فهو من باب ما غلب تنجسه يرجع لأصله، ومن ثم حلَّ الجبن الشامي المشتهر عمله بأنفحة الخنزير (^٢).
(والدبغ نزع فضوله) وهو ما يعفّنه من نحو لحم ودم (بحِرِّيف) وهو ما يلذع اللسان بحرافته كقرظ وذرق طير؛ لخبر «.. يطهرها الماء والقرظ»، وضابط نزعها منه أن يكون بحيث لو نقع في الماء لم يعد إليه النّتن، أما لو عاد بعد النقع نحو شدّة التّصلب وسرعة البلى فإن قالا خبيران أنه لفساد الدبغ ضرّ وإلا فلا، (لا شمس وتراب) وملح وإن جفّ وطاب ريحه؛ لأن العفونة تعود بنقعه في الماء، (ولا يجب الماء في أثنائه في الأصح)؛ لأنه إحالة.
_________________
(١) . وفاقا لشيخ الإسلام، وقال النهاية والمغني أنه نجس يعفى عنه، وأشار الشارح لهذا الخلاف في كتاب الطهارة ١/ ٩٨.
(٢) . ومثله الجوخ كما ذكره الشارح في باب التفليس.
[ ١ / ١١٢ ]
وَالمَدْبُوغُ كَثَوْبٍ نَجِسٍ. وَمَا نَجُسَ بِمُلَاقَاةِ شَيْءٍ مِنْ كَلْبٍ غُسِلَ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ. وَالْأَظْهَرُ تَعَيُّنُ التُّرَابِ، وَأَنَّ الخِنْزِيرَ كَكَلْبٍ. وَلَا يَكْفِي تُرَابٌ نَجِسٌ، وَلَا مَمْزُوجٌ بِمَائِعٍ فِي الْأَصَحِّ
(والمدبوغ كثوب نجس) أي متنجس؛ لتنجس الدباغ به قبل طهره فيغسل، ويسبّع ويترّب إن كان من مغلّظ.
(وما نجس) -ولو من صيد- ما عدا التراب؛ إذ لا معنى لتتريبه (بملاقاة شيء) ولو في ماء كثير (^١)، ولو وصلت نجاسة مغلظة إلى وراء ما يجب غسله من الفرج لم يتنجس ما وصل إليه كذكر المجامع؛ لأن الباطن لا ينجسه ما لاقاه (من) نحو بدن أو عَرَقَ (كلب) أو متنجس به (غُسِل سبعًا) ويجب تسبيع الظرف وإن طهر ماؤه (^٢) المتنجس بمغلظ (إحداهن بالتراب) الطهور؛ لما صحّ أن «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرّات أولاهن بالتراب»، أي وهو الأفضل، وفي رواية «إحداهن» وهي مبينة للجواز في الجميع، وغير فمه أولى بالنجاسة، ويزيل العين بغسلة واحدة ولا يعتد بالتتريب قبل إزالتها، ويكفي مرور سبع جريات في الجاري وتحريكه في الراكد سبعا الذهاب مرّة والعود أخرى (^٣)، ويشترط أن يكدّر الترابُ الماءَ، ويصل بواسطته إلى جميع أجزاء النجس، ولا يكفي ذرّه أو دلكه عليه مجرّدا عن الماء، (والأظهر تعيّن الترب)؛ لأن القصد الجمع بين نوعي الطهر، (وأنّ الخنزير ككلب)؛ لأنه أسوأ حالا منه، ومثله المتولّد من أحدهما وطاهر آخر، (ولا يكفي تراب نجس) ولا مستعمل، وشرط التراب المجزئ كتراب التيمم، نعم يكفي هنا المختلط برمل خشنٍ أو ناعمٍ ونحو دقيق قليل لا يؤّثر في التغيّر كما يكفي الطين أيضا، (ولا ممزوجٌ بمائع) غير الماء الطهور (في الأصح)؛ للنص على الماء، ومقابل الأصح يكفي عنده التراب الممزوج بالمائع لكنه يشترط أن يغسل بالماء سبعا، فلو غسل بالماء ستا والسابعة بالتراب الممزوج بمائعٍ لم يكف قطعًا، ثم محل الخلاف كما أفاده ابن الصلاح إذا خلط التراب بالمائع فقط أما إذا مزج
_________________
(١) . خلافا لهما.
(٢) . بأن كان كثيرًا وزال تغيره.
(٣) . نعم يكفي وضعه في النيل أيام زيادته ولو من غير تراب.
[ ١ / ١١٣ ]
وَمَا نَجُسَ بِبَوْلِ صَبِيٍّ لَمْ يَطْعَمْ غَيْرَ لَبَنٍ نُضِحَ. وَمَا نَجُسَ بِغَيْرِهِمَا إنْ لَمْ يَكُنْ عَيْنٌ كَفَى جَرْيُ المَاءِ وَإِنْ كَانَتْ وَجَبَ إزَالَةُ الطَّعْمِ، وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنٍ أَوْ رِيحٍ عَسُرَ زَوَالُهُ،
التراب بالمائع ثم بالماء فيجوز قطعا، أي ما لم يتغير الماء أو يوضع الممزوج بمائع بعد جفاف المحل بحيث لا يمتزج بالماء، وعلى هذا يحمل عدم الإجزاء الذي أطلقه في التنقيح.
(وما نجس ببول صبيّ) ذكر محقق (لم يَطعم) أي يذق للتغذّي (غير لبنٍ) ولم يجاوز سنتين (نضح) ويعمّه بالماء -وإن لم يسل-؛ لقوله -ﷺ- «يُرشُّ من بول الغلام» ولأن الابتلاء بحمله أكثر، ولا يضرّ تناول شيء للتحنيك أو للإصلاح، ولا لبن آدمي أو غيره ولو نجسا؛ لأن للمستحيل في الباطن حكم المستحال إليه، ومن ثم لو تناول مغلّظا وخرج مستحيلا لزمه غسل قبله ودبره مرّة لا غير وأجزأه الحجر، أما إذا خرج بعينه فتجب السبع مع التراب.
(وما نجس بغيرهما إن لم يكن عين) أي حكمية لا تحس ببصر ولا شم ولا ذوق (كفى جري الماء) كسكّين سقيت نجسا، وحب نقّع في بول، ولحم طبخ به، ويطهر باطنها أيضا بذلك؛ لأن دخول النجاسة إليه كتشرب المسام بخلاف نحو آجر نقع في نجس فلا بدّ من نقعه في ماء حتى يظن وصوله لجميع ما وصل إليه الأول، ولو عُجن اللَّبِن بمائع نجس ثم حرق لم يطهر باطنه إلا إن دُق وغسل أو نقّع حتى وصل للباطن، نعم نصّ الشافعي على العفو عمّا عجن من الخزف بنجس -أي يضطر إليه فيه- وألحقوا به الآجر المعجون به، (وإن كانت) عين متوسطة أو مغلّظة أو مخففة (وجب) بعد زوال عينها (إزالة الطعم) وإن عسر، وله أن يذوق المحل إن غلب على ظنّه زوال الطعم؛ للحاجة، (ولا يضر)؛ للمشقة (بقاء لون أو ريح) ويسن له الشم والنظر بعد ظن الطهر (عسر (^١) زواله) ولو من مغلظ بأن لم تتوقف إزالته على شيءٍ أو توقفت على نحو صابون ولم يجده، فإن وجده بثمن مثله وجب إن فَضُل عما يعتبر في التيمم، ويأتي هنا التفصيل الآتي فيه فيما إذا وجده بحدّ الغوث أو القرب إلا أن قبول الهدية لا يجب هنا، وإن توقفت على نحو حتٍّ وقرص -بأن ظنّ المتطهِّر ذلك- لزمه، ومحل هذا إن كان خبيرا وإلا
_________________
(١) . وأفاد الشارح في آخر الباب أن المراد هنا أنه متى عسرت إزالة النجاسة عن المحل نظر للغسالة فقط فإن لم ينقطع اللون أو الريح مع الإمعان ارتفع التكليف، وضابط ذلك أن تحصل بالزيادة عليه مشقة لا تحتمل عادة ١/ ٣٢٣.
[ ١ / ١١٤ ]
وَفِي الرِّيحِ قَوْلٌ، قُلْتُ: فَإِنْ بَقِيَا مَعًا ضَرَّ عَلَى الصَّحِيحِ، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَيُشْتَرَطُ وُرُودُ المَاءِ، لَا الْعَصْرُ فِي الْأَصَحِّ، وَالْأَظْهَرُ طَهَارَةُ غُسَالَةٍ تَنْفَصِلُ بِلَا تَغَيُّرٍ وَقَدْ طَهَرَ المَحَلُّ
سأل ذا خبرة. ولو عرف من مغيّر شيئا لم يطرده فيه؛ لأن النجاسة يختلف لصوقها بالمحل باختلاف الأعْراض، والمصبوغ بالنجاسة متى تيقنت فيه عين النجاسة بأن ثقل أو كانت تنفصل مع الماء اشترط زوالها، أو تيقن لونها أو ريحها فقط وعسر زواله عفي عنه، (وفي الرّيح قول) وفي اللون وجه أنهما يضرّان، (قلتُ: فإن بقيا معا) بمحل واحد (ضرّ على الصحيح والله أعلم)؛ لندرة العجز عنهما. وإذا لم تتشرب الأرض ما تنجست به فلابد من إزالة عينه قبل صبّ الماء القليل عليها، ولو كانت النجاسة جامدة فتفتت واختلطت بالتراب لم يطهر بإفاضة الماء عليه بل لابد من إزالة جميع التراب المختلط بها.
(ويشترط ورود الماء) القليل؛ لقوّة الورود ولو من فوارة (^١)، والشرط أن يزيل الماء النجاسة عن محل نزوله، ولذا لو تنجس فمه مثلا كفى أخذ الماء بيده إليه وإن لم يُعْلِها عليه ويجب غسل كل ما في حدّ الظاهر منه ولو بالإدارة كصب ماء في إناء متنجس وإدارته بجوانبه، ولا يجوز له ابتلاع شيء قبل تطهيره (لا العصر في الأصح) ومحل الخلاف إن صبّ عليه وهو في إجَّانة (^٢) مثلا فإن صب عليه وهو بيده لم يحتج لعصر قطعا.
(والأظهر طهارة غسالة تنفصل) وهي قليلة (بلا تغيّر) ولا زيادة وزن بعد اعتبار ما يأخذه الثوب من الماء ويعطيه من الوسخ الطاهر، ويظهر الاكتفاء فيهما بالظن (وقد طهر المحل) ويلزم من طهارة المحل بعده طهارة المنفصل ومن نجاسته نجاسته وذلك لأن البلل الباقي به بعض المنفصل، ويندب غسل المحل بعد طهره ثانيا وثالثا (^٣) ولو كانت تنجسه بنجاسة مخففة، وغسالة هاتين الغسلتين طهورة كسائر غسالة المندوب، ويتعين في نحو الدم إذا أريد غسله بالصب عليه في جفنة مثلا والماء قليل إزالة عينه وإلا تنجس الماء بها بعد استقراره معها فيها،
_________________
(١) . الفوارة منبع الماء، الصحاح.
(٢) . ما يغسل فيها كما في حاشية الجمل.
(٣) . خلافا لهما في المغلظة.
[ ١ / ١١٥ ]
وَلَوْ تَنَجَّسَ مَائِعٌ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُهُ، وَقِيلَ يَطْهُرُ الدُّهْنُ بِغَسْلِهِ
ويسامح في تغيّر غسالة من بالمغلظ أو زيادة وزنها به (^١) فلا يسبّع من رشاشها، نعم متى نزلت الغسالة متغيّرة أو زائدة الوزن لم تحسب من السبع بل يحسبن بعد زوال التغير وعدم الزيادة. (ولو تنجس مائع) -غير الماء- وهو المتراد منه على قرب عرفا ما يملأ محل المأخوذ منه (تعذّر تطهيره)؛ لتقطعه (^٢) فلا يعم الماء أجزاءه، ومن ثم كان الزئبق مثله، (وقيل يطهر الدهن بغسله) أن تنجس بغير دهن، ويُردّ بما صح في الفأرة تموت في السمن «إن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فأريقوه»؛ إذ لو أمكن طهره لم يتلف، نعم محلّ وجوب الإراقة حيث لم يرد استعماله في وقود أو إسقاء دابّة أو عمل نحو صابون به (^٣)، والحيلة في العسل المتنجس إسقاؤه للنحل، وسيأتي قبيل السير فرع يتعلق به.
_________________
(١) . خلافا للشهاب الرملي.
(٢) . من المجاز قطع الخمر تقطيعا أي مزجها، الصحاح.
(٣) . وذكر الشارح قبيل العيد حرمة الاستصباح بالدهن النجس في المسجد إلا إن احتيج إليه ولم يلوث.
[ ١ / ١١٦ ]