فَلَوْ جَعَلَهُ تَحْتَ رِجْلِهِ صَحَّتْ مُطْلَقًا، وَلَا يَضُرُّ نَجِسٌ يُحَاذِي صَدْرَهُ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ عَلَى الصَّحِيحِ. وَلَوْ وَصَلَ عَظْمَهُ بِنَجِسٍ لِفَقْدِ الطَّاهِرِ فَمَعْذُورٌ،
كالعمامة، ومرّ أنه لو أمسك لجام دابة وبها نجس ضرّ (^١)، وخرج بعلى نجس الحبل المشدود (^٢) بطاهر متصل بنجس فلا يضر إلا إذا كان ذلك الطاهر ينجرّ هو وما اتصل به من النجس بجرّه كسفينة صغيرة في البر (^٣)، والمعتبر هنا الانجرار بالفعل لو أراده لا بالقوة.
[تنبيه] عبروا في النجس بالمتصل وفي الطاهر بالمشدود ونحوه؛ لأن الأول محموله مماس لنجس فلم يشترط فيه نحو شده به بخلاف الثاني فإن بينه وبين النجاسة واسطة فاشترط ارتباط (^٤) بين محموله والنجس بنحو الشد، (فلو جعله تحت رجله صحّت مطلقا) تحرك أم لا؛ لأنه ليس حاملا ولا لابسًا له. (ولا يضر نجس يحاذي) أي يجاور بدنه كـ (صدره في الركوع والسجود) أو غيرهما (على الصحيح)؛ لعدم ملاقاته له، نعم تكره صلاته بإزاء متنجس في إحدى جهاته إن قرب منه بحيث ينسب إليه.
(ولو وصل) -ومثله الدهن أو الربط- معصوم (^٥) (عظمه)؛ لاختلاله وخشية مبيح تيمم إن لم يصله (بنجس) ولو مغلظًا (لفقد الطاهر) الصالح للوصل كأن قال خبير ثقة (^٦) إن النجس أو المغلظ أسرع في الجبر، وفي حكم فقد الطاهر وجوده من آدمي محترم (^٧) (فمعذور)؛ للضرورة، ولا يلزمه نزعه وإن وجد طاهرا صالحا إن كان في ذلك مشقة لا تحتمل عادة (^٨) وإن لم تبح التيمم.
_________________
(١) . كما لو تنجس فمها؛ لأنه بإمساكه حامل لمماس أو مماس مماس نجاسة وهو مبطل بخلاف المماس بلا حمل قاله الشارح في فصل استقبال القبلة ١/ ٤٨٨.
(٢) . قيد عند النهاية دون الأسنى والمغني.
(٣) . ليس الاحترام بقيد عندهما.
(٤) . خلافا للأسنى والمغني.
(٥) . لم يقيد بذلك في النهاية والمغني.
(٦) . وفاقا للمغني خلافا للنهاية.
(٧) . ليس بقيد عندهما.
(٨) . خلافا لهما فقالا «ولم يخف من نزعه ضررا».
[ ١ / ٢١٠ ]
وَإِلَّا وَجَبَ نَزْعُهُ إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا ظَاهِرًا، قِيلَ: وَإِنْ خَافَ، فَإِنْ مَاتَ لَمْ يُنْزَعْ عَلَى الصَّحِيحِ
(وإلا) بأن وصله نجس مع وجود طاهر صالح، ومثله ما لو وصله بعظم آدمي محترم مع وجود نجس أو طاهر صالح (وجب نزعه (^١) وإن تألم واستتر باللحم لكن (إن لم يخف ضررا ظاهرا) وهو ما يبيح التيمم، فإن امتنع أجبره عليه الإمام أو نائبه وجوبا كرد المغصوب، ولا تصح صلاته قبل نزع النجس؛ لتعديه، فإن خاف ذلك حرم نزعه وصحّت صلاته، (قيل) يلزمه (وإن خاف)؛ لتعديه، (فإن مات لم ينزع) ويحرم (على الصحيح)؛ لهتكه حرمته، ويجري ما تقدم فيمن داوى جرحه أو حشاه بنجس أو خاطه به أو شقّ جلده فخرج منه دم كثير ثمّ بنى على ذلك الدم اللحم؛ لأن الدم صار ظاهرا فلم يكف استتاره بذلك اللحم، كما لو قطعت أذنه ثمّ لصقت بحرارة الدم فيزيلها بشرطه لكي تصح صلاته (^٢)، ويجري في الوشم (^٣) أيضا فمتى أمكنه إزالته من غير مشقة فيما لم يتعد به وخوف مبيح تيمم أو شين عرفا أو انكشاف نحو برص (^٤) فيما تعدّ به لزمته ولم تصح صلاته وتنجس به ما لاقاه وإلا فلا تصح إمامته، ومحل تنجيسه لما لاقاه في الحالة الأولى ما لم يكس اللحم جلدا رقيقا؛ لمنعه حينئذ من مماسة النجس، وهو الدمّ المختلط بنحو النيلة (^٥). ولو غرز إبرة أو انغرزت فغابت لم يضر، أو لم تغب كلها فإن وصلت لدم قليل لم يضر أو لدم كثير أو لجوف لم تصح الصلاة؛ لاتصالها بنجس.
_________________
(١) . وإن لم يكن الواصل مكلفا مختارا عند الشارح واشترطا ذلك.
(٢) . فيجب قلعها إن لم يخش مبيح تيمم، ومحل هذا إن انفصلت بالكلية بخلاف معلقة بجلدة التصقت ذكره الشارح في كتاب الديات ٨/ ٤٦٣.
(٣) . وإن فعل به صغيرا عند الشارح وخالفاه في ذلك وفي المكره مطلقا.
(٤) . ذكر هذين الشارح في خيار النقصية.
(٥) . هو جنس نباتات محولة أو معمرة من الفصيلة القرنية تزرع لاستخراج مادة زرقاء من ورقها، المعجم الوسيط.
[ ١ / ٢١١ ]
وَيُعْفَى عَنْ مَحَلِّ اسْتِجْمَارِهِ وَلَوْ حَمَلَ مُسْتَجْمِرًا بَطَلَتْ فِي الْأَصَحِّ، وَطِينُ الشَّارِعِ المُتَيَقَّنُ نَجَاسَتُهُ يُعْفَى عَنْهُ عَمَّا يَتَعَذَّرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ غَالِبًا، وَيَخْتَلِفُ بِالْوَقْتِ، وَمَوْضِعِهِ مِنْ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ
(ويعفى عن محلّ استجماره) المجزئ في الاستنجاء، لكن في حق نفسه وإن انتشر بعَرَقٍ ما لم يجاوز الصفحة أو الحشفة، نعم لو مس رأس الذكر موضعا مبتلا من بدنه تنجس الموضع وتعين الماء؛ لطرو الأجنبي، (ولو حمل) في جزء من صلاته ميتةً لا دم لها سائل في بدنه أو ثوبه وإن لم يقصد كقمل قتله فتعلق جلده بظفره أو به أو حمل (مستجمرا) أو حامله أو بيضا مذرا (^١) أو حيوانا بمنفذه نجس أو ميتا طاهرا بجوفه نجس أو قارورة فيها نجس ولو معفوا عنه وإن ختمت بنحو رصاص (بطلت في الأصح)؛ إذ لا حاجة لحمل ذلك فيها، ولذا يعفى عمّا يتخلل خياط الثوب من نحو الصئبان (^٢)؛ للمشقة (وطين الشارع) أي محل المرور ولو غير شارع (المتيقن) -أما مظنون النجاسة منه ومن نحو ثياب خمَّارٍ وكافر متدين باستعمال النجاسة وسائر ما تغلب النجاسة في نوعه فطاهر، نعم ما قرب احتمال نجاسته يندب غسله- (نجاسته) ولو بمغلظ ما لم تبق عينه متميزة وإن عمت (^٣) الطريق؛ لندرة ذلك فلا يعمّ الابتلاء به، وكالتيقن إخبار عدل الرواية به (يعفى عنه) في الثوب والبدن -وإن انتشر بعرق أو نحوه مما يحتاج إليه- دون المكان (^٤)؛ إذ لا يعمّ الابتلاء به فيه (عمّا يتعذر (^٥) الاحتراز عنه غالبا) بأن لا ينسب لسقطةٍ أو قلة تحفظ وإن كثر، فما زاد على الحاجة هنا ضر وما لا فلا ولا نظر لقلة أو كثرة، (ويختلف بالوقت وموضعه من الثوب والبدن) فيعفى في زمن الشتاء وفي الذيل والرِّجْل عمّا لا يعفى عنه في زمن الصيف وفي اليدّ والكم سواء في ذلك الأعمى وغيره، ومع العفو عنه لا يجوز تلويث المسجد بشيء منه.
_________________
(١) . هو ما أيس من مجيء فرخ منه.
(٢) . هو بيض القمل.
(٣) . خلافا للرملي فقال بالعفو إن عمت.
(٤) . نعم أفاد الشارح في استقبال القبلة عند كلامه عن التنفل على الدابة أنه يشترط ترك تعمد وطء نجس مطلقا وإن عم الطريق فإن نسيه ضر رطب غير معفو عنه لا يابس.
(٥) . فسراه بالتعسر.
[ ١ / ٢١٢ ]
وَعَنْ قَلِيلِ دَمِ الْبَرَاغِيثِ، وَوَنِيمِ الذُّبَابِ، وَالْأَصَحُّ لَا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ، وَلَا عَنْ قَلِيلٍ انْتَشَرَ بِعَرَقٍ، وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ بِالْعَادَةِ الْغَالِبَةِ. قُلْت: الْأَصَحُّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ الْعَفْوُ مُطْلَقًا، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَدَمُ الْبَثَرَاتِ كَالْبَرَاغِيثِ،
(و) يعفى في الثوب والبدن والمكان (عن قليل دم البراغيث) لا جلدها وفي معناها -في كل ما يأتي- كل ما لا نفس له سائلة (وونيم) أي ذرق (الذباب) كبوله وبول الخفاش وروثُهُ -رطبها ويابسها- في الثوب والبدن والمكان، نعم مرّ أن ذرق الطيور يعفى عنه في المكان فقط (والأصح لا يعفى عن كثيره)؛ لندرته (ولا عن قليل انتشر بعرق، وتعرف الكثرة) والقلة (بالعادة الغالبة) معْتَبِرًا الزمان والمكان، فيجتهد وجوبا إن تأهل وإلا رجع إلى عارف يجتهد له كالقبلة، نعم لا يرجَّح هنا بكثرة ولا أعلمية؛ لأن الأصل القلّة، ولذا لو شك في شيء أقليل أو كثير فله حكم القليل، (قلت: الأصح عند المحققين العفو مطلقا (^١) بالنسبة لنحو الصلاة -لا لنحو ماء قليل لم يحتج لمماسته له فينجس به وإن قلّ- (والله اعلم) وإن كثر منتشرا بعرق أو جاوز البدن إلى الثوب أو طبّق الثوب، نعم محل العفو هنا وفيما مرَّ ويأتي حيث لم يختلط بأجنبي، فإن اختلط بأجنبي لم يعف عن كثيره، والأجنبي هو ما لم يحتج لمماسته، فخرج ماء طهر وشرب وتنشف احتاجه وبصاق في ثوبه كذلك وماء بلل رأسه من غسل تبرد أو تنظف، ومماس آلة نحو فصاد من ريق أو دهن، وسائر ما احتيج إليه ولو ندر كاختلاط دمّ جرح الرأس عند حلقه ببلل شعره أو بدواء وضع عليه، ولو لبس ثوبا فيه دم نحو براغيث وبدنه رطب تنجس إن لم يحتج لتلك الرطوبة وإلا فلا، ومحل العفو أيضا إن كان في ملبوسٍ أن لا يَتَعَمَّد إصابته له وإلا كأن قتل قملا في بدنه أو ثوبه فأصابه منه دم، أو كأن حمل ثوبا فيه دمّ براغيث مثلا أو صلى عليه لم يعف إلا عن القليل، نعم لما لبسه زائدا لتجمل أو نحوه حكم بقية ملبوسه فيعفى حتى عن كثيره.
(ودمّ البثَرات) وهي خراجات (^٢) صغيرة (كالبراغيث) فيعفى عنه حيث لم يعصر مطلقا؛ للابتلاء بها، ويشترط هنا أيضًا أن لا ينتقل عن محله وإلا لم يعف إلا عن قليله، نعم
_________________
(١) . ومن ذلك السائل الذي من المعدة الخارج من الفم فيعفى عنه من ابتلي به في الثوب وغيره وإن كثر كما ما مرَّ في النجاسات ١/ ٢٩٥.
(٢) . جمع خراج وهو ورم يخرج بالبدن من ذاته.
[ ١ / ٢١٣ ]
وَقِيلَ: إنْ عَصَرَهُ فَلَا، وَالدَّمَامِيلُ وَالْقُرُوحُ، وَمَوْضِعُ الْفَصْدِ، وَالحِجَامَةِ قِيلَ كَالْبَثَرَاتِ، وَالْأَصَحُّ إنْ كَانَ مِثْلُهُ يَدُومُ غَالِبًا فَكَالِاسْتِحَاضَةِ، وَإِلَّا فَكَدَمِ الْأَجْنَبِيِّ فَلَا يُعْفَى، وَقِيلَ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ، قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهَا كَالْبَثَرَاتِ، وَالْأَظْهَرُ الْعَفْوُ عَنْ قَلِيلِ دَمِ الْأَجْنَبِيِّ، وَاَللهُ أَعْلَمُ وَالْقَيْحُ، وَالصَّدِيدُ كَالدَّمِ،
محاذي الجرح من الثوب يلحق به؛ لضرورة الابتلاء بكثرة الانتقال إليه، (وقيل إن عصره فلا) يعفى عنه مطلقا، لكن الأصح أنه يعفى عن قليله فقط كدمّ برغوث قتله؛ لأن العصر قد يحتاج إليه. (والدماميل والقروح وموضع الفصد والحجامة قيل كالبثرات، والأصحّ) أنه (إن كان مثله يدوم غالبا فكالاستحاضة) فيجب الحشو والعصب ثم ما خرج بعدُ عُفي عنه (^١) (وإلا فكدمّ الأجنبي فلا يعفى) عن شيء من المُشَبَّه (^٢) والمُشَبَّه به، (وقيل يعفى عن قليله، قلت الأصح أنها كالبثرات)؛ لأنها غير نادرة، نعم دمّ الفصد والحجامة إن لم يجاوز محله -وهو ما ينسب إليه عادة- عفي عنه مطلقا ما لم يعصره، وإن جاوزه إلى الثوب أو محلّ آخر عفي عن قليله فقط، نعم لو حلّ ربط الفصد عفي عن قليله فقط وإن لم يجاوز محله، ولو افتصد فخرج الدمّ بعد ربط محل الفصد ولم يلوث بشرته أو لوثها -وهي خارجة عن محلّه قليلا (^٣) - لم تبطل صلاته بخلاف خروج دم من جرح فتبطل به الصلاة إن لوث وكثر (^٤). (والأظهر العفو عن قليل دم الأجنبي) -غير المغلظ- وإن حصل بفعله وتعمد (^٥) (والله أعلم)؛ لأن جنس الدم يتطرق إليه العفو فيقع القليل منه في محل المسامحة، ويعفى عن قليل نحو البول ممن حصل هل استرخاء لنحو مرض وإن لم يصر مسلسلًا (والقيح والصديد) وهو ماء رقيق أو قيح يخالطه دمّ (كالدمّ)؛ لأنه أصلهما.
_________________
(١) . أفاد الشارح قبيل كلامه على دم البثرات أن محل العفو عن الكثير من دم الفصد والحجامة ما لم يختلط بأجنبي.
(٢) . خلافا للمغني حيث اقتصر عليه.
(٣) . أما إذا لم تخرج عنه فيعفى عن الكثير الملوث لها أيضا.
(٤) . قال في النهاية «وجاوز محله» لكنه هنا مخالف للشارح.
(٥) . خلافا للشهاب الرملي والمغني والنهاية.
[ ١ / ٢١٤ ]