وَقَعَتْ فِيهِ جَمَاعَةٌ. وَيُقِيمُ لِلْفَائِتَةِ، وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الجَدِيدِ. قُلْتُ: الْقَدِيمُ أَظْهَرُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ كَانَ فَوَائِتُ لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ الْأُولَى. وَتُنْدَبُ لِجَمَاعَةِ النِّسَاءِ الْإِقَامَةُ لَا الْأَذَانُ عَلَى المَشْهُورِ. وَالْأَذَانُ مَثْنَى، وَالْإِقَامَةُ فُرَادَى إلَّا لَفْظَ الْإِقَامَةِ، وَيُسَنُّ إدْرَاجُهَا، وَتَرْتِيلُهُ،
(وقعت فيه جماعة) أو صلوا فرادى وانصرفوا (^١)، فيندب حينئذ الخفض؛ لئلا يتوهم دخول وقت صلاة أخرى أو يشككهم في وقت الأولى لاسيما في الغيم.
[تنبيه] محل التقييد بالانصراف فيما إذا اتحد محل الجماعة، أما إذا تعدد فلا يندب الرفع؛ لأن الرفع في أحدها يضر المنصرفين من البقية بعود كلٍّ لما صلى به أو لغيره، فيتجه حينئذ ندب عدم الرفع وإن لم ينصرفوا، (ويقيم للفائتة ولا يؤذن في الجديد)؛ لزوال الوقت، (قلت: القديم أظهر والله أعلم)؛ للخبر الصحيح «أنه -ﷺ- لمَّا فاتته الصبح بالوادي سار قليلا ثم نزل وأذن بلال»، (فإن كان فوائت) وأراد قضائها متوالية (لم يؤذن لغير الأولى)، أو متفرقة فإن طال فصلٌ بين كلٍّ عرفا أذّن لكلٍّ. ولو جمع تأخيرا أذن للأولى فقط، وكذا تقديمًا ما لم يدخل وقت الثانية قبل فعلها، ولو والى بين فائتة ومؤداة أذن لأولاهما إلا أن يقدم الفائتة، ثم بعد الأذان لها يدخل وقت المؤداة فيؤذن لها أيضا. (وتندب لجماعة النساء) والخناثى ولكلٍّ على انفراده (الإقامة)؛ لأنه لا رفع فيها يخشى منه محذور (لا الأذان على المشهور)؛ لما فيه من الرفع الذي قد يخشى منه افتتان والتشبه بالرجال، ولذا حرم عليها رفع صوتها به (^٢) إن كان ثَمَّ أجنبي يسمع (^٣)، وإنما لم يحرم غناؤها وسماعه للأجنبي حيث لا فتنة؛ لأنه يسن الإصغاء والنظر للمؤذن وهما مفتنان بخلاف المغنِّي، وفي الآذان تشبه بالرجال إن كان ثَمَّ أجنبي يسمعها بخلاف غنائها فلا تشبه فيه إذ هو من وضع النساء. ولو أذنت للنساء بقدر ما يسمعهن لم يكره وكان ذِكرًا لله، وكذا الخناثى، (والأذان مثنى والإقامة فرادى إلا لفظ الإقامة)؛ لأنه -ﷺ- «أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة» أي؛ لأنها المصرحة بالمقصود، وإلا لفظ التكبير فإنه يثنى أولها وآخرها، (ويسن إدراجها) أي إسراعها، (وترتيله)
_________________
(١) . خلافا للرملي والخطيب والأسنى في التقييد ووفاقا لشرح المنهج.
(٢) . بخلاف قراءتها ولو في صلاة كما في النهاية، وقال المغني إن القراءة كالأذان.
(٣) . وفاقا للمغني والأسنى وشرح المنهج، وخلافا للنهاية فيحرم عليها الرفع مطلقًا.
[ ١ / ١٦٠ ]
وَالتَّرْجِيعُ فِيهِ، وَالتَّثْوِيبُ فِي الصُّبْحِ. وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا لِلْقِبْلَةِ. وَيُشْتَرَطُ تَرْتِيبُهُ. وَمُوَالَاتُهُ، وَفِي قَوْلٍ لَا يَضُرُّ كَلَامٌ وَسُكُوتٌ طَوِيلَانِ.
وَشَرْطُ المُؤَذِّنِ: الْإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالذُّكُورَةُ
أي التأني فيه للأمر بهما، ولأنه أبلغ فيه؛ لأنه للغائبين وهي للحاضرين فالإدراج فيها أشبه، ومن ثم سن أن تكون أخفض صوتا منه، (والترجيع فيه) وهو ذكر الشهادتين مرتين سِرَّا بحيث يسمعه من بقربه عرفًا قبل الجهر بهما؛ ليتدبرهما، (والتثويب في الصبح) ولو فائتة وهو «الصلاة خير من النوم» مرتين بعد الحيعلتين، ويكره في غير الصبح كـ «حيَّ على خير العمل» مطلقًا، فإن جعله بدل الحيعلتين لم يصح أذانه، (وأن يؤذن) ويقيم (قائما) وعلى عالٍ احتيج إليه (^١) (للقبلة)؛ لأنه المأثور (^٢) سلفًا وخلفًا، نعم ينحرف عن القبلة بعنقه -لا بصدره- حتى يرى خده مرة عن يمينه في مرتي حي على الصلاة ومرة عن يساره في مرتي حيّ على الفلاح؛ لأنهما خطاب آدمي كسلام الصلاة، ولا بأس بأذان مسافر راكبًا أو ماشيًا وإن بَعُد محل انتهائه عن محل ابتدائه، ويسن في الآذان جعل سبابتيه في صماخي أذنيه؛ لأنه أجمع للصوت المطلوب رفعه فيه أكثر، وقضيته أنه لا يسن لمن يؤذن لنفسه بخفض الصوت. (ويشترط (^٣) فيهما إسماع النفس لمن يؤذن وحده وإلا فإسماع واحد، وعدم بناء غيره على ما أتى به؛ كالحج، و(ترتيبه وموالاته)؛ للاتباع، ولا يضر يسير كلام وسكوت ونوم وإغماء وجنون وردَّة وإن كره (^٤)، (وفي قول لا يضر كلام وسكوت طويلان) والخلاف إن لم يفحش.
(وشرط المؤذن) والمقيم (الإسلام والتمييز) ويشترط لصحة (^٥) نصب الإمام له تكليفه وأمانته ومعرفته بالوقت أو مرصد لإعلامه به؛ لأن ذلك ولاية فاشترط كونه من أهلها (والذكورة)؛ فلا يصح أذان امرأة وخنثى لرجال وخناثى -ولو محارم- كإمامتها لهم
_________________
(١) . ظاهره أنه قيد في كل من الأذان والإقامة وفاقا لشرح المنهج، وفي النهاية إنه قيد في الإقامة فقط أما الأذان فيطلب على عال مطلقا، وفي المغني مثله.
(٢) . ظاهره الرجوع لكل من القيام والاستقبال لكنهم خصوه بالاستقبال.
(٣) . ذكر الشارح في باب الجمعة أنه لا يجوز إبدال لفظ محمد بغيره.
(٤) . أي من حيث الفصل.
(٥) . خلافا للنهاية حيث جعله شرط جواز.
[ ١ / ١٦١ ]
وَيُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ، وَلِلْجُنُبِ أَشَدُّ، وَالْإِقَامَةُ أَغْلَظُ.
وَيُسَنُّ صَيِّتٌ حَسَنُ الصَّوْتِ عَدْلٌ. وَالْإِمَامَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي الْأَصَحِّ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ، وَشَرْطُهُ الْوَقْتُ إلَّا الصُّبْحَ فَمِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ
(ويكره للمحدث) غير المتيمم؛ لخبر «لا يؤذن إلا متوضئ»، نعم إن أحدث أثناءه سُنّ إتمامه (وللجنب أشد)؛ لغلظ حدثه (والإقامة أغلظ)؛ لتسببه لوقوع الناس فيه بانصرافه للطهارة، وتستوي كراهة أذان جنب وإقامة المحدث (^١)، (ويسن صيّت)؛ لأنه -ﷺ- قال لرائي الأذان «ألقه على بلال فإنه أندى صوتًا منك» (حسن الصوت)؛ لأنه أبعث للإجابة (عدل)؛ ليؤمن الوقت والعورات، وحر، وعالم بالمواقيت، ومن ذريّة مؤذنيه -ﷺ-، فذريته -ﷺ- فذرية مؤذني أصحابه، فذرية صحابي غيرهم. ويكره أذان فاسق وصبي مميز وأعمى -؛ لأنهم مظنة الخطأ، والتمطيط والتغني فيه ما لم يتغير المعنى وإلا حرم بل كثير منه كفر- ولا يصح نصب أحدهم راتبا، نعم الأعمى يصح إن ضمّ إليه من يعرفه الوقت (والإمامة أفضل منه في الأصح) لمواظبته -ﷺ- وخلفائه الراشدين (قلت: الأصح أنه) مع الإقامة (^٢) لا وحده (أفضل منها والله أعلم)؛ لقوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فصلت: ٣٣ قالت عائشة هم المؤذنون، وإنما لم يواظب النبي -ﷺ- والخلفاء عليه؛ لانشغالهم.
(وشرطه) كهي عدم الصارف فلو قصد تعليم غيره لم يعتد به -وتندب للأذان النية وليست شرطًا- و(الوقت)؛ لأنه إنما يراد به الإعلام، فلا يجوز ولا يصح قبله؛ للإلباس فإن أمنه لم يحرم إلا إن نوى به الأذان؛ لأنه تلبس بعبادة فاسدة، ويستمر وقته ما بقي الوقت، والأفضل أن لا يؤخر عن وقت الاختيار، ويسقط بفعل الصلاة بالنسبة للمصلي فقط (إلا الصبح)؛ للخبر الصحيح فيه. ولا تقدم الإقامة على وقتها بحال، وهو إرادة الدخول في الصلاة حيث لا جماعة وإلا فإذن الإمام ولو بإشارة، ولو قُدِّمت على إذنه أعتد بها. ويشترط أن لا يطول الفصل -بالسكوت أو الكلام لا لحاجة- عرفا بينهما، ولا يضر طوله بالكلام لحاجة، ويسن بعد الإقامة -لكل أحد والإمام آكد- الأمر بتسوية الصفوف وأن يلتفت بذلك يمينا ثم شمالا، فإن كَبُر المسجد أمر الإمام من يأمر بالتسوية فيطوف عليهم أو ينادي فيهم، وينتظر الإمام التسوية بعد الإقامة إلا إن مضى بها زمن يقطع الإقامة عن الصلاة من كل وجه فإن مضى ذلك الزمن أعادها، ثم إن الكلام في غير الجمعة؛ لوجوب الموالاة فيها فيضبط الطول فيها بركعتين بأخف ممكن (فمن نصف الليل)
_________________
(١) . وفاقا للمغني وخلافا للنهاية فاعتمد أن الأشد كراهة الأخير.
(٢) . وفاقا لشرح المنهج وخلافا لهما.
[ ١ / ١٦٢ ]
وَيُسَنُّ مُؤَذِّنَانِ لِلْمَسْجِدِ يُؤَذِّنُ وَاحِدٌ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَآخَرُ بَعْدَهُ. وَيُسَنُّ لِسَامِعِهِ مِثْلُ قَوْلِهِ إلَّا فِي حَيْعَلَتَيْهِ فَيَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللهِ
كالدفع من مزدلفة، واختير تحديده بالسحر وهو السدس الأخير. (ويسن مؤذنان للمسجد (^١) وكل محلٍّ للجماعة (يؤذن واحد قبل الفجر) من نصف الليل، والأفضل كونه من السحر (وآخر بعده)؛ للاتباع، والزيادة عليهما لا تسن إلا لحاجة وإلا سُنّ عدمها، فإن احتيج للتعدد فإن اتسع الوقت ترتبوا ويبدأ الراتب منهم وإلا أقرع للابتداء، أو ضاق تفرقوا إن اتسع المسجد وإلا اجتمعوا ما لم يؤد لاختلاط الأصوات، فإن أدى لذلك اقتصروا على واحد كما لو لم يوجد إلا واحد، ثم إن اقتُصر على أذان فما بعد الفجر أولى. ولو أذن الراتب مع غيره أقام الراتب، أو غيره فقط أقام ذلك الغير (^٢)، فإن تعدد الراتب أو تعدد غير الراتب فالأول. (ويسن لسامعه) -كالإقامة- بأن يفسر اللفظ وإلا لم يعتد بسماعه، ولو كان جنيا وحائضا (مثل قوله) بأن يأتي بكل كلمة عقب فراغه منها (^٣) وهو الأفضل، وتحصل السنة بإجابته عقب فراغ الأذان قبل فاصل طويل عرفًا، ولا تحصل بالمقارنة مطلقًا، وذلك؛ لخبر «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن»، وأُخذ منه أن يجيب الترجيع وإن لم يسمعه، ويقطع للإجابة نحو القرآن والدعاء والذكر. وتكره لمن في صلاة إلا الحيعلة أو التثويب أو صدقت فإنه يبطلها إن علم وتعمد، ولمجامع وقاضي حاجة بل يجيبان بعد الفراغ كمصلٍّ إن قرب الفصل، واختار السبكي أن الجنب والحائض لا يجيبان (^٤). ويجيب مؤذنَيْن سمعهم ولو بعد صلاته والأول آكد إلا أذاني الفجر والجمعة فإنهما سواء. ولو سمع البعض أجاب فيما لا يسمعه (إلا في حيعلتيه) وإلا من يجيبه في الليلة الممطرة ونحو المظلمة عند قوله عقب حيعلتيه (^٥) ألا صلوا في رحالكم (فيقول لا حول) أي تَحَوُّل عن المعصية (ولا قوة) على الطاعة (إلا بالله).
_________________
(١) . والأولى اتحاد المؤذن لأذاني الجمعة كما أفاده الشارح في بابها ٢/ ٤٦٠.
(٢) . خلافا لقضية عبارتهما من تقديم الراتب في هذه الصورة.
(٣) . واعتمدوا الاعتداد بابتدائه مع ابتدائه فرغا معا أم لا خلافا للشارح.
(٤) . خلافا لهم.
(٥) . قال النهاية والمغني الأولى بعد فراغ الأذان.
[ ١ / ١٦٣ ]
قُلْتُ: وَإِلَّا فِي التَّثْوِيبِ، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَيُسَنُّ لِكُلٍّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ فَرَاغِهِ، ثُمَّ اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ.
(قلت: وإلا في التثويب فيقول صدقت وبرِرْت والله أعلم)؛ لأنه مناسب، ويقول في كل من كلمتي الإقامة «أقامها الله وأدامها ما دامت السماوات والأرض وجعلني من صالحي أهلها»؛ لخبر أبي داود به، (ويسن لكلٍّ) من المؤذن والمقيم والسامع (أن يصلي) ويسلم (على النبي -ﷺ- بعد فراغه) من الأذان؛ لخبر مسلم، وقيست به الإقامة (ثم اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة) أعلى درجة في الجنة؛ لوعده -ﷺ- بالشفاعة لمن سألها له (والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته) وهو مقام الشفاعة العظمى، وذلك؛ لخبر البخاري «من قال ذلك حين يسمع النداء حلّت له شفاعتي»، ويسن الدعاء بين الأذان والإقامة؛ لأنه لا يرد. ويكره للمؤذن وغيره الخروج من محل الجماعة بعده وقبل الصلاة إلا لعذر، ويسن تأخير الإقامة قدر ما يجتمع الناس إلا في المغرب؛ رعاية للخلاف.
[ ١ / ١٦٤ ]
فصل
اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ شَرْطٌ لِصَلَاةِ الْقَادِرِ إلَّا فِي شِدَّةِ الخَوْفِ. وَنَفْلِ السَّفَرِ، فَلِلْمُسَافِرِ التَّنَفُّلُ رَاكِبًا وَمَاشِيًا،