مِنْهَا التَّنْبِيهُ عَلَى قُيُودٍ فِي بَعْضِ المَسَائِلِ هِيَ مِنْ الْأَصْلِ مَحْذُوفَاتٌ، وَمِنْهَا مَوَاضِعُ يَسِيرَةٌ ذَكَرَهَا فِي المُحَرَّرِ عَلَى خِلَافِ المُخْتَارِ فِي المَذْهَبِ كَمَا سَتَرَاهَا إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَاضِحَاتٍ، وَمِنْهَا إبْدَالُ مَا كَانَ مِنْ أَلْفَاظِهِ غَرِيبًا، أَوْ مُوهِمًا خِلَافَ الصَّوَابِ بِأَوْضَحَ وَأَخْصَرَ مِنْهُ بِعِبَارَاتٍ جَلِيَّاتٍ، وَمِنْهَا بَيَانُ الْقَوْلَيْنِ وَالْوَجْهَيْنِ وَالطَّرِيقَيْنِ وَالنَّصِّ،
(منها التنبيه على قيود) والقيد ما جئ به لجمع أو منع أو بيان واقع (في بعض المسائل هي من الأصل محذوفات، ومنها مواضع) نحو الخمسين (يسيرة ذكرها في المحرر على خلاف المختار في المذهب كما ستراها إن شاء الله واضحات، ومنها إبدال ما كان من ألفاظه غريبا أو موهما خلاف الصواب) بأن كان معناه المتبادر منه غير مراد أو استوى معنياه فلا يُدرى المراد، وإن كان ذلك اللفظ مما يؤلف فلا يتحد هذا مع الغريب; لأن ذاك فيه عدم إلف ولو بلا إيهام وهذا فيه إيهام ولو مع إلف فبينهما عموم وخصوص من وجه (بأوضح وأخصر منه بعبارات جليّات، ومنها بيان القولين) والأقوال للشافعي -﵁-، والراجح منهما ما تأخر إن عُلم، وإلا فما نص على رجحانه وإلا فما فرَّع عليه وحده وإلا فما قال عن مقابله مدخولٌ أو يلزمه فساد، وإلا فما أفرده في محل أو جواب، وإلا فما وافق مذهب مجتهد؛ لتقويه به، فإن خلا عن ذلك كله فهو لتكافؤ نظريه وهو يدل على سعة العلم ودقة الورع حذرًا من ورطة هجوم على ترجيح من غير اتضاح دليل.
[تنبيه] يجوز تقليد أرباب المذاهب الأخرى إن كانوا ممن يجوز تقليدهم، وعلمنا نسبة القول إليهم ولم يتَّبِع المقلِّد الرُّخص بحيث تنحل ربقة التكليف عنه، وإلا فسق، وبحيث لا يبقى من آثار العمل الأول ما يلزم عليه مع الثاني حقيقة لا يقول بها كل من الإمامين كتقليد الشافعي في مسح بعض الرأس ومالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة.
(والوجهين) أو الأوجه للأصحاب خرَّجوها على قواعده أو نصوصه، وقد يشذون عنهما كالمزني وأبي ثور فتنسب لهما ولا تعد وجوها في المذهب (والطريقين) أو الطرق وهي اختلافهم في نقل المذهب؛ فيحكي بعضهم نصين وبعضهم نصوصا وبعضهم بعضها أو مغايرها حقيقة كأوجه بدل أقوال أو عكسه، أو مغايرها باعتبارٍ كتفصيل في مقابلة إطلاق وعكسه (والنص) أي المنصوص للشافعي -﵁-، وقد لا يذكره؛ لأنه التزم فقط ذكر نص يقابله
[ ١ / ٤٦ ]
وَمَرَاتِبُ الخِلَافِ فِي جَمِيعِ الحَالَاتِ. فَحَيْثُ أَقُولُ: الْأَظْهَرِ أَوْ المَشْهُورِ فَمِنْ الْقَوْلَيْنِ أَوْ الْأَقْوَالِ، فَإِنْ قَوِيَ الخِلَافُ قُلْت الْأَظْهَرُ وَإِلَّا فَالمَشْهُورُ، وَحَيْثُ أَقُولُ الْأَصَحُّ أَوْ الصَّحِيحُ فَمِنْ الْوَجْهَيْنِ أَوْ الْأَوْجُهِ، فَإِنْ قَوِيَ الخِلَافُ قُلْت: الْأَصَحُّ وَإِلَّا فَالصَّحِيحُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: المَذْهَبُ فَمِنْ الطَّرِيقَيْنِ أَوْ الطُّرُقِ، وَحَيْثُ أَقُولُ: النَّصُّ فَهُوَ نَصُّ الشَّافِعِيِّ -﵁-، وَيَكُونُ هُنَاكَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ أَوْ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ،
وجه أو تخريج (ومراتب الخلاف في جميع الحالات)، وقد لا يذكر الخلاف؛ لأنه التزم إن ذكر الخلاف أن يبين مرتبته، (فحيث أقول الأظهر أو المشهور فمن القولين أو الأقوال فإن قوي الخلاف)؛ لقوة مدرك غير الراجح منه بظهور دليله وعدم شذوذه وتكافؤ دليلهما في أصل الظهور، ويمتاز الراجح بأن عليه المعظم أو بكون دليله أوضح، وقد لا يقع تمييز (قلت الأظهر) المشعر بظهور مقابله (وإلا فالمشهور) المشعر بخفاء مقابله (وحيث أقول الأصح أو الصحيح فمن الوجهين أو الأوجه)، ثم إن كانت من واحد فالترجيح بما مر في الأقوال أو من أكثر فهو بترجيح مجتهد آخر، (فإن قوي الخلاف قلت الأصح) المشعر بصحة مقابله أي أن مدركه له حظ من النظر بحيث يحتاج في ردِّه إلى غوص على المعاني الدقيقة والأدلة الخفية بخلاف مقابل الصحيح فيستهجن من أول وهلة. وقد يقع للمصنف أنه في بعض كتبه يعبر بالأظهر وفي بعضها يعبر عن ذلك بالأصح فإن عرف أن الخلاف أقوال أو أوجه فواضح، والأرجح الدال على أنه أقوال; لأن مع قائله زيادة علم بنقله عن الشافعي -﵁- بخلاف نافيه عنه، (وإلا فالصحيح)، ولا يسن مراعاة خلاف مقابله إلا في بعض المسائل التي ظهر لغير المصنف قوة مقابلها، (وحيث أقول المذهب فمن الطريقين أو الطرق)، كأن يحكي بعضٌ القطع أي أنه لا نصَّ سواه وبعضٌ قولا أو وجها أو أكثر، وبعضٌ ذلك أو بعضه أو غيره مطلقا أو باعتبار كما مر، ثم الراجح المعبَّر عنه بالمذهب قد يكون طريق القطع أو موافقها من طريق الخلاف أو مخالفها. (وحيث أقول النص فهو نص الشافعي -﵁- ويكون هناك وجه ضعيف أو قول مخرّج) من نصه في نظير المسألة على حكم مخالف، بأن ينقل بعض أصحابه نص كل إلى الأخرى، فيجتمع في كل منصوص ومخرج، ثم الراجح إما المخرج وإما المنصوص وإما تقرير النصين والفرق وهو الأغلب.
[ ١ / ٤٧ ]
وَحَيْثُ أَقُولُ: الجَدِيدُ فَالْقَدِيمُ خِلَافُهُ، أَوْ الْقَدِيمُ، أَوْ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ فَالجَدِيدُ خِلَافُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: وَقِيلَ كَذَا فَهُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ أَوْ الْأَصَحُّ خِلَافُهُ، وَحَيْثُ أَقُولُ: وَفِي قَوْلٍ كَذَا فَالرَّاجِعُ خِلَافُهُ. وَمِنْهَا مَسَائِلُ نَفِيسَةٌ أَضُمُّهَا إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُخَلَّى الْكِتَابُ مِنْهَا أَقُولُ فِي أَوَّلِهَا قُلْت، وَفِي آخِرِهَا، وَاَللهُ أَعْلَمُ وَمَا وَجَدْتَهُ مِنْ زِيَادَةِ لَفْظَةٍ وَنَحْوِهَا عَلَى مَا فِي المُحَرَّرِ فَاعْتَمِدْهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا، وَكَذَا مَا وَجَدْتَهُ مِنْ الْأَذْكَارِ مُخَالِفًا لِمَا فِي المُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ فَاعْتَمِدْهُ فَإِنِّي حَقَّقْتُهُ مِنْ كُتُبِ الحَدِيثِ المُعْتَمَدَةِ، وَقَدْ أُقَدِّمُ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفَصْلِ لِمُنَاسَبَةٍ أَوْ اخْتِصَارٍ، وَرُبَّمَا قَدَّمْت فَصْلًا لِلْمُنَاسَبَةِ، وَأَرْجُو إنْ تَمَّ هَذَا المُخْتَصَرُ أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الشَّرْحِ لِلْمُحَرَّرِ؛ فَإِنِّي لَا أَحْذِفُ مِنْهُ شَيْئًا مِنْ الْأَحْكَامِ أَصْلًا وَلَا مِنْ الخِلَافِ وَلَوْ كَانَ وَاهِيًا مَعَ مَا أَشَرْت إلَيْهِ مِنْ النَّفَائِسِ
(وحيث أقول الجديد) وهو ما قاله الشافعي بمصر (فالقديم) وهو ما قاله قبل دخولها (^١) (خلافه، أو القديم أو في قول قديم فالجديد خلافه، وحيث أقول وقيل كذا فهو وجه ضعيف والصحيح أو الأصح خلافه) والعمل عليه إلا في نحو عشرين، ولو نص في القديم على ما لم ينص عليه في الجديد، وجب اعتماده; لأنه لم يثبت رجوعه عن هذا بخصوصه. (وحيث أقول وفي قول كذا فالراجح خلافه) ولم يبين قوة الخلاف وضعفه فيهما؛ لعدم ظهوره له، (ومنها مسائل) جمع مسألة وهي ما يبرهن على إثبات محموله لموضوعه في العلم (نفيسة أضمها إليه ينبغي أن لا يُخلى الكتاب منها أقول) غالبًا (في أوّلها قلت، وفي آخرها والله أعلم، وما وجدتَّه من زيادةِ لفظةٍ ونحوها على ما في المحرر فاعتمدها فلا بد منها، وكذا ما وجدتَّه من الأذكار) وهو شرعا قول سيق لثناء أو دعاء (مخالفا لما في المحرر وغيرِهِ من كتب الفقه فاعتمده فإني حققته من كتب الحديث المعتمدة، وقد أقدم بعض مسائل الفصل لمناسبة أو اختصار، وربّما قدمت فصلا للمناسبة، وأرجو إن تَمَّ هذا المختصر أن يكون في معنى الشرح للمحرر؛ فإني لا أحذف منه شيئا) الشيء ما يصح أن يعلم ويُخبر عنه (من الأحكام) الحكم خطاب الله المتعلق بفعل المكلَّف من حيث أنه مكلف (أصلا، ولا من الخلاف ولو كان واهيا مع ما أشرت إليه من النفائس،
_________________
(١) . وافقه الرملي وخالفه الخطيب، فقال: القديم ما قاله بالعراق، وما وجد بين مصر والعراق المتأخر منه جديد والمتقدم قديم.
[ ١ / ٤٨ ]
وَقَدْ شَرَعْت فِي جَمْعِ جُزْءٍ لَطِيفٍ عَلَى صُورَةِ الشَّرْحِ لِدَقَائِقِ هَذَا المُخْتَصَرِ، وَمَقْصُودِي بِهِ التَّنْبِيهُ عَلَى الحِكْمَةِ فِي الْعُدُولِ عَنْ عِبَارَةِ المُحَرَّرِ، وَفِي الحَاقِ قَيْدٍ أَوْ حَرْفٍ أَوْ شَرْطٍ لِلْمَسْأَلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَكْثَرَ ذَلِكَ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا. وَعَلَى اللهِ الْكَرِيمِ اعْتِمَادِي، وَإِلَيْهِ تَفْوِيضِي وَاسْتِنَادِي، وَأَسْأَلُهُ النَّفْعَ بِهِ لِي وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ وَرِضْوَانَهُ عَنِّي، وَعَنْ أَحِبَّائِي وَجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ.
وقد شرعت في جمع جزء لطيف على صورة الشرح لدقائق) جمع دقيقة وهي ما خفي إدراكه إلا بعد مزيد تأمل (هذا المختصر) من حيث اختصاره لعبارة المحرر (ومقصودي به التنبيه على الحكمة في العدول عن عبارة المحرر وفي إلحاق قيد) هو أعم من الشرط؛ لشموله ما أتى لبيان واقع (أو حرف أو شرط للمسألة، ونحو ذلك) وهو التنبيه على المقاصد وما قد يخفى ومنه بيان شمول عبارته لما لم تشمله عبارة أصله، (وأكثر ذلك من الضروريات التي لابد منها) وقال «أكثر» احترازا عن إلحاق الحرف الذي لا يتوقف صحة المعنى عليه (وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وأسأله النفع به لي ولسائر المسلمين ورضوانه عنّي وعن أحبَّائي وجميع المؤمنين)، والإسلام والإيمان متحدان ماصدقا (^١) مختلفان مفهومًا.
_________________
(١) . وفاقا للمعني وخلافا للنهاية، والماصدق هو الأفراد.
[ ١ / ٤٩ ]