بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمْدُ للهِ الْبَرِّ الجَوَادِ، الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنْ الْإِحْصَاءِ بِالْأَعْدَادِ، المَانُّ بِاللُّطْفِ وَالْإِرْشَادِ، الهَادِي إلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ، المُوَفِّقُ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ مَنْ لَطَفَ بِهِ وَاخْتَارَهُ مِنْ الْعِبَادِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(بسم) أي أؤلف أو أفتتح تأليفي، والباء للمصاحبة أو للاستعانة (الله) علمٌ على الذات الواجب الوجود المستحق لجميع الكمالات لذاته (الرحمن) أصله كثير الرحمة ثم غُلِّب على البالغ الرحمة والإنعام (الرحيم) أي ذي الرحمة الكثيرة، والرحمن أبلغ منه.
(الحمد لله) أي لذاته (البر) أي المحسن (الجَوَاد) أي كثير العطاء وورد في ذلك حديث مرسل اعتضد بمسند، وأسماؤه تعالى توقيفية (^١) فلا يخترع اسم إلاّ بقرآن أو حديث صحيح ورد في اسم مصرحٍ به، لا لمقابلة إن استحال المعنى (^٢) (الذي جَلَّت) أي عظمت (نِعَمُهُ) وهي كل ملائم تُحْمَدُ عاقبته (عن الإحصاء) أي الضبط (بالأعداد) أي بكل فرد فرد منها (ألمانّ)، من المنة وهي النعمة مطلقا أو بقيد كونها ثقيلة مبتدأة من غير مقابل يوجبها (باللطف) وهو ما يقع به صلاح العبد آخره، (والإرشاد) أي الدلالة على الخير أو الإيصال إليها (الهادي إلى سبيل الرشاد)، وهو ضد الغي (الموفق) أي المقدر (للتفقه) أي التفهم وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية الناشئة عن الاجتهاد (في الدين) وهو عرفًا وضع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات (مَنْ لطف به واختاره من العباد) المكلفين ولو
_________________
(١) . ذكر الشارح في كتاب الدعوى أن الفعل لا بد فيه من التوقيف؛ لكن الفرق بينه وبين الاسم والصفة أن هذين لا بد من ورود لفظهما بعينه ولا يجوز اشتقاقهما من فعل أو مصدر ورد كما صرحوا به بخلاف الفعل لا يشترط ورود لفظه، بل يكفي ورود معناه أو مرادفه، بل عدم إشعاره بالنقص وإن لم يرد معناه أو مرادفه. ١٠/ ٣١٣.
(٢) أي فإن استحال المعنى في المقابلة فليس اسما نحو قوله تعالى ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ الأنفال: ٣٠ بخلاف ما إذا لم يكن مستحيلا نحو الجميل.
[ ١ / ٤٣ ]
أَحْمَدُهُ أَبْلَغَ حَمْدٍ وَأَكْمَلَهُ، وَأَزْكَاهُ وَأَشْمَلَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ الْوَاحِدُ الْغَفَّارُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المُصْطَفَى المُخْتَارُ صلى الله وسلم عَلَيْهِ. وَزَادَهُ فَضْلًا وَشَرَفًا لَدَيْهِ. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ مِنْ أَفْضَلِ الطَّاعَاتِ، وَأَوْلَى مَا أُنْفِقَتْ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ أَكْثَرَ أَصْحَابُنَا ﵏ مِنْ التَّصْنِيفِ مِنْ المَبْسُوطَاتِ وَالمُخْتَصَرَاتِ، وَأَتْقَنُ مُخْتَصَرٍ «المُحَرَّرِ» لِلْإِمَامِ أَبِي الْقَاسِمِ الرَّافِعِيِّ ﵀ ذِي التَّحْقِيقَاتِ، وَهُوَ كَثِيرُ الْفَوَائِدِ، عُمْدَةٌ فِي تَحْقِيقِ المَذْهَبِ،
ملائكة (أحمدُه) أي أصفه بجميع صفاته (أبلغ حمد) من حيث الإجمال (وأكمله وأزكاه وأشمله، وأشهد أن لا إله إلا الله الواحد الغفار) أي الستار لذنوب من شاء من عبادة المؤمنين فلا يؤاخذهم بها (وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) إلى الإنس والجن والملائكة (^١) والجمادات (المصطفى) أي المستخلص من الصفوة (المختار صلى الله وسلم عليه وزاده فضلا وشرفا لديه، أما بعد:) هي سنة في الخطبة (فإن الاشتغالَ بالعلم) أي التفسير والحديث والفقه وآلاتها (من أفضل الطاعات) ففرض عينه أفضل الفروض العينية وأفضلها معرفة الله، وفرض الكفاية منه أفضل فروض الكفايات، ونفله أفضل من بقية النوافل، والمراد أنه أفضل الطاعات و«من» زائدة فائدتها الإشارة إلى أن كلًا من العلوم الثلاثة أفضل بقية أفراد أنواعه ومفضول بالنسبة إلى نوع آخر أعلى منه (وأولى) يصح عطفها على أفضل، وكذا من أفضل (^٢) (ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، وقد أكثر أصحابنا ﵏ من) زائدة (التصنيف) بمعنى التأليف (من المبسوطات) هي ما كثر لفظها ومعناها (والمختصرات) هي ما قل لفظها وكثر معناها، ويرادف الاختصار الإيجاز، (وأتقنُ مختصر المحرر) هو كأسماء الكتب من قبيل عَلَمِ الجنس، وأسماء العلوم من قبيل عَلَمِ الشخص (للإمام) هو من يُقتدى به في الدين (أبي القاسم) ولم تحرم هذه الكنية؛ لأنها وُضعت له واشتهر بها ولم يضعها هو أوّلًا، وأيضا للحاجة كذلك (الرافعي ﵀ ذي التحقيقات) والتحقيق إثبات المسألة بدليلها أو علتها، والتدقيق إثباتها بدليل آخر (وهو كثير الفوائد) وهي ما يُرغب في استفادته (عمدة في تحقيق المذهب).
_________________
(١) . وفاقا للمغني وخلافا للنهاية.
(٢) . خلافا للمحلي والنهاية والمغني.
[ ١ / ٤٤ ]