الثَّانِيَ عَشَرَ: السَّلَامُ وَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، وَالْأَصَحُّ جَوَازُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ لَا يُجْزِئُهُ، وَاَللهُ أَعْلَمُ. وَأَنَّهُ لَا تَجِبُ نِيَّةُ الخُرُوجِ. وَأَكْمَلُهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ مَرَّتَيْنِ يَمِينًا وَشِمَالًا مُلْتَفِتًا فِي الْأُولَى حَتَّى يُرَى خَدُّهُ الْأَيْمَنُ،
[فرع] ظنّ مصلّي فرضٍ أنه في نفل فكمَّل عليه لم يؤثر في الاعتداد بما فعله عن الفرض؛ لسبق نية تشملهما، ومعنى ذلك أن النفل داخل كالفرض في مسمى مطلق الصلاة بخلاف نحو سجود السهو.
(الثاني عشر السلام)؛ لخبر «وتحللها التسليم»، ويجب إيقاعه إلى انتهاء ميم عليكم حال القعود أو بدله وصدره للقبلة، (وأقله السلام عليكم (^١)؛ لوروده، فإن قال السلام عليك أو عليكما، أو سلامي عليكم متعمدا عالما بطلت، أو عليهم فلا تبطل؛ لأنه دعاء ولم يجزئه، نعم يجزئ عليكم السلام مع كراهته. وتشترط الموالاة بين السلام وعليكم وأن لا يزيد أو يُنْقِص ما يغير المعنى، (والأصح جواز سلامٌ عليكم) كالتشهد (قلت: الأصح المنصوص لا يجزئه) بل تبطل به عن علم وتعمد (والله أعلم)؛ لأنه لم يُنْقَلْ، والواجب مرّة واحدة ولو مع عدم الالتفات؛ لصحته عنه -ﷺ-، ويجوز السلم -بكسر وسكون وبفتحتين- عليكم إن نوى به السلام؛ لأنه يأتي بمعناه، (وأنه لا تجب نية الخروج (^٢) من الصلاة كسائر العبادات، نعم يسن قرنها بأول السلام؛ خروجا من خلاف المقابل، وتبطل قبله، (وأكمله السلام)، ويسن أن لا يمد لفظه؛ لما صح فيه (عليكم ورحمة الله) ويزيد في الجنازة وبركاته (^٣) (مرتين يمينا وشمالا) ويسن الفصل بينهما (ملتفتا في الأولى حتى يُرى خدُّه الأيمن).
_________________
(١) . ولا يجوز إبدال لفظي السلام بغيرهما ولا مرادفهما كما أفاده الشارح في التشهد ٢/ ٨٢.
(٢) . خالفاه فاستثنيا ما لو أراد متنفل نوى عددا النقص عنه؛ لإتيانه في صلاته بما لم تشتمل عليه نيته فوجب قصده للتحلل.
(٣) . خلافا لهما.
[ ١ / ١٩٨ ]
وَفِي الثَّانِيَةِ الْأَيْسَرُ نَاوِيًا السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ مِنْ مَلَائِكَةٍ وَإِنْسٍ وَجِنٍّ، وَيَنْوِي الْإِمَامُ السَّلَامَ عَلَى المُقْتَدِينَ وَهُمُ الرَّدَّ عَلَيْهِ.
الثَّالِثَ عَشَرَ: تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ كَمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا بِأَنْ سَجَدَ قَبْلَ رُكُوعِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ،
(وفي الثانية الأيسر)؛ للاتباع، وتحرم الثانية إن وُجِد معها أو قبلها مبطل كحدثٍ وشكٍّ في مدة مسحٍ ونية إقامة وخروج وقت جمعة، ويسن ابتداؤه في كلٍّ مستقبلا وإنهاؤه مع تمام التفاته (ناويا) المصلي (السلام على من عن يمينه ويساره من ملائكة و) مؤمني (إنسٍ وجنٍّ (^١)؛ للحديث الحسن بذلك، ويندب أيضا على محاذيه مِن أمامه وخلفه فينويه بأيهما شاء والأولى أولى، (وينوي الإمام) والمأموم (السلام على المقتدين وهم الرد) على بعضهم ممن سلم عليهم و(عليه) فمن على يمين المُسَلِّم ينويه عليه بالثانية ومن على يساره ينويه بالأولى، ومن خلفه وأمامه بأيهما شاء والأولى أفضل، وسُن ما مر؛ لخبر فيه، والأولى للمأموم أن يؤخر تسليمه إلى فراغ تسليمتي الإمام؛ لئلا يتعارض مع ما مر، وإنما احتاج السلام لنية (^٢)؛ لكونه واجبا للخروج منها فكان ذلك صارفًا عن انصرافه للمقتدين بالنسبة للسنة، وأُلحقت بالأولى الثانية، ولو كان عن يمينه أو يساره غير مصلٍّ لم يلزمه الرد بل يسن؛ لانصرافه للتحلل، بل يسن كالعكس، فيسن للمصلي إذا سلم عليه آخر أن يرد بالإشارة ثم بعد الصلاة بالسلام (^٣).
(الثالث عشر ترتيب الأركان) لكن لا مطلقا بل (كما ذكرنا)، ويتعين الترتيب لحساب كثير من السنن كالافتتاح ثمّ التعوذ، والتشهد الأول ثمّ الصلاة فيه، وكون السورة بعد الفاتحة وكون الدعاء آخر الصلاة بعد التشهد والصلاة.
قيل الموالاة ركن والمشهور أنها شرط وهي عدم تطويل الركن القصير أو عدم طول الفصل إذا سلم في غير محله ناسيا أو عدم طوله أو عدم مضي ركن إذا شكّ في النية وإلا وجب الاستئناف، (فإن تركه) أي الترتيب (عمدا) بتقديم ركن قولي وهو السلام أو فعلي (بأن سجد قبل ركوعه) مثلًا (بطلت صلاته)
_________________
(١) . أي حاضرين كما يؤخذ من كلامه.
(٢) . أي نية السلام على المقتدين، ونُقل عن ابن حجر وجوب نية التحلل حينئذ وهذا خلاف ما قاله الرملي.
(٣) . كما ذكره الشارح في مبطلات الصلاة ٢/ ١٤٨.
[ ١ / ١٩٩ ]
وَإِنْ سَهَا فَمَا بَعْدَ المَتْرُوكِ لَغْوٌ، فَإِنْ تَذَكَّرَ قَبْلَ بُلُوغِهِ مِثْلَهِ فَعَلَهُ، وَإِلَّا تَمَّتْ بِهِ رَكْعَتُهُ، وَتَدَارَكَ الْبَاقِيَ، فَلَوْ تَيَقَّنَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ تَرْكَ سَجْدَةٍ مِنَ الْأَخِيرَةِ سَجَدَهَا،
إجماعا؛ لتلاعبه، أما تقديم القولي غير السلام على فعلي كتشهد على سجود أو على قولي كصلاة عليه -ﷺ- على تشهد أخير فلا تبطل لكنه يمنع حسبان ما قدمه، (وإن سها) بتركه الترتيب (فما بعد المتروك لغو)؛ لوقوعه في غير محله، (فإن تذكر) المتروكَ غيرُ المأموم أما هو فيأتي تفصيله (قبل بلوغه مثله) من ركعة أخرى (فعله) بمجرد التذكر وإلا بطلت صلاته، والشك كالتذكر (^١) فلو شكّ راكعا هل قرأ الفاتحة؟ أو ساجدا هل ركع أو اعتدل؟ قام فورا وجوبا (^٢) ولا يكفيه في الثانية أن يقوم راكعا -وكذا في التذكر كما مر (^٣) - فما اقتضاه كلام المتن من الاقتصار على فعل المتروك محله في غير هذه الصورة (^٤)، أو قائما هل قرأ لم تلزمه القراءة فورا؛ لأنه لم ينتقل عن محلها (وإلا تمت به ركعته) أي حسب له عن المتروك (وتدارك الباقي) من صلاته؛ لأنه ألغى ما بينهما، وشرط هذه المسألة أن يكون المثل من الصلاة وإلا كسجدة التلاوة لم تجزه وأيضا أن يعرف عين المتروك ومحله وإلا أخذ باليقين وأتى بالباقي، نعم متى جَوَّز أن المتروك النية أو تكبيرة الإحرام بطلت صلاته ولم يشترط هنا طول ولا مضي ركن (^٥)؛ لأن هنا تيقنَ تركٍ انضم لتجويز ما ذكر وهو أقوى من مجرد الشك في ذلك، ثمّ إنه في تلك الأحوال كلها ما عدا المبطل منها يسجد للسهو، نعم إن كان المتروك السلام أتى به ولو بعد طول الفصل ولا سجود للسهو؛ لفوات محله بالسلام المأتي به، (فلو تيقن في آخر صلاته) أو بعد سلامه قبل طول الفصل وتنجسه بغير معفو عنه -وإن تكلم ومشى قليلا وتحول عن القبلة وكذا يقال في جميع ما يأتي- (ترك سجدة من الأخيرة سجدها).
_________________
(١) . وأفاد الشارح أول باب صفة الصلاة أنه لو شك المصلي في السجود في طمأنينة الاعتدال أنه يجب العود، أي بناء على أن الطمأنينة ركن مستقل، أما إن قلنا صفة تابعة فلا يلزمه العود ٢/ ٣.
(٢) . نعم لا يضر الشك في بعض حروف الفاتحة بعد فراغها أفاده الشارح أول باب صفة الصلاة أيضا ٢/ ٣، بل لا يضر الشك في بعض الركن مطلقا كما مال إليه الشارح عند كلامه على قراءة الفاتحة ٢/ ٣٢.
(٣) . في شرح قول المصنف «فلو هوى لتلاوة».
(٤) . علله الشارح في غير هذا الموضع بأنه لا يلزم من السجود من قيام وجود هوي الركوع ٢/ ٥٩.
(٥) . خلافا لما نقله ابن قاسم عن الرملي.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وَأَعَادَ تَشَهُّدَهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهَا لَزِمَهُ رَكْعَةٌ، وَكَذَا إنْ شَكَّ فِيهِا. وَإِنْ عَلِمَ فِي قِيَامِ ثَانِيَةٍ تَرْكَ سَجْدَةٍ فَإِنْ كَانَ جَلَسَ بَعْدَ سَجْدَتِهِ سَجَدَ وَقِيلَ: إنْ جَلَسَ بِنِيَّةِ الِاسْتِرَاحَةِ لَمْ يَكْفِهِ، وَإِلَّا فَيَجْلِسُ مُطْمَئِنًّا ثُمَّ يَسْجُدُ، وَقِيلَ: يَسْجُدُ فَقَطْ، وَإِنْ عَلِمَ فِي آخِرِ رُبَاعِيَّةٍ تَرْكَ سَجْدَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ جَهِلَ مَوْضِعَهَا وَجَبَ رَكْعَتَانِ، أَوْ أَرْبَعٍ فَسَجْدَةٌ ثُمَّ رَكْعَتَانِ، أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ فَثَلَاثٌ، أَوْ سَبْعٍ فَسَجْدَةٌ ثُمَّ ثَلَاثٌ
(وأعاد تشهده، أو من غيرها لزمه ركعة)؛ لكمال الناقصة بسجدة مما بعدها وإلغاء باقيها (وكذا إن شكّ فيها) أي في كونها من الأخيرة أو غيرها فيجعلها من غيرها؛ لتلزمه ركعة؛ لأنه الأحوط، (وإن علم في قيام ثانية ترك سجدة) من الأولى مثلا أو شك فيها نُظِر (فإن كان جلس بعد سجدته) التي فعلها من الأولى (سجد) فورا من قيام واكتفى بذلك الجلوس وإن ظنه للاستراحه (وقيل إن جلس بنية الاستراحة) لظنه أنه أتى بالسجدتين جميعًا (لم يكفه) بل لا بد من جلوسه مطمئنا ثمّ سجوده، وذلك؛ لأنه قصد النفل فلم ينب عن الفرض كما لا تقوم سجدة التلاوة عن سجدة الفرض وردوه بأن تلك من الصلاة؛ لشمول نيتها لها بطريق الأصالة لا التبع فأجزأت عن الفرض كما يجزئ التشهد الأخير وأن ظنه الأول (وإلا) يجلس (فليجلس)؛ لأنه ركن (مطمئنا ثم يسجد، وقيل يسجد فقط)؛ لحصول الفصل بالقيام، (وإن علم) أو شك (في آخر رباعية ترك سجدتين) جهل موضعهما وجب ركعتان؛ لأن الأسوأ تقدير ترك سجدة من الأولى وسجدة من الثالثة (أو ثلاث جهل موضعها وجب ركعتان) كما علم بالأولى مما قبله (^١)، (أو أربع فسجدة ثمّ ركعتان)؛ لاحتمال تركه واحدة من الأولى وواحدة من الرابعة وثنتي الثالثة فتتم الأولى بالثانية وتبقى عليه سجدة من الرابعة فيأتي بها ثمّ بركعتين، فإن فُرِض ترك جلوس أيضا وجب ثلاث ركعات بتقدير ترك أولى الأولى وثانية الثانية وثنتي الثالثة؛ إذ الأولى تنجبر بجلسة من الثانية وسجدة من الرابعة ويبطل ما عدا ذلك، (أو خمس أو ست (^٢) فثلاث (^٣)؛ لاحتمال ترك واحدة من الأولى وثنتي الثانية وثنتي الثالثة والسادسة من الأولى أو الرابعة فتكمل الأولى بالرابعة ويبقى عليه ثلاث، (أو سبع فسجدة ثمّ ثلاث)
_________________
(١) . فيقدر مع ما ذكر في سجدتين ترك سجدة من الثانية أو الرابعة.
(٢) . لم يقيد بسبع أو ثمان؛ لأنه لا يتصور جهل الموضع فيها خلافا للمغني فيهما والنهاية في السبع.
(٣) . اعتمدا أنه يلزمه ثلاث وسجدة.
[ ١ / ٢٠١ ]
قُلْتُ: يُسَنُّ إدَامَةُ نَظَرِهِ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ. وَقِيلَ: يُكْرَهُ تَغْمِيضُ عَيْنَيْهِ، وَعِنْدِي لَا يُكْرَهُ، إنْ لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا. وَالخُشُوعُ، وَتَدَبُّرُ الْقِرَاءَةِ، وَالذِّكْرِ، وَدُخُولُ الصَّلَاةِ بِنَشَاطِ وَفَرَاغِ قَلْبٍ،
أو ثمان فسجدتان ثمّ ثلاث، ويتصور ذلك بترك طمأنينة أو سجود على نحو عمامة. وفي كلِّ ذلك يسجد للسهو (^١). ولو تذكر ترك سنة أتى بها ما بقي محلها بخلاف رفع اليدين بعد التكبير والافتتاح بعد التعوذ؛ لفوات اسم الافتتاح بالتعوذ، أما إن كان اسمه باقيًا كما في تكبير العيد فله إن يأتي بهن بعد التعوذ وإن فاتته سنة الترتيب.
(قلت: يسن إدامة نظره) ولو أعمى وإن كان عند الكعبة أو فيها أو يصلي على جنازة (^٢) (إلى موضع سجوده) في جميع صلاته؛ لقربه من الخشوع، نعم يقصر نظره على مسبحته عند رفعها في التشهد؛ لخبر فيه، (وقيل يكره تغميض عينيه) كاليهود (وعندي لا يكره)؛ إذ لم يصح فيه نهي (إن لم يخف ضررًا)؛ لأنه يمنع تفريق الذهن، بل التغميض أولى إذا شوش عدمه خشوعه أو حضور قلبه مع ربه، أما إن خاف ضررا على نفسه أو غيره فيكره بل يحرم إن ظنّ ترتب حصول ضرر عليه لا يحتمل عادة، (و) يسن (الخشوع) -بقلبه بأن لا يُحْضِر فيه غير ما هو فيه وإن تعلق بالآخرة وبجوارحه بأن لا يعبث بأحدها-؛ لانتفاء ثواب الصلاة بانتفائه، فيكره الاسترسال مع حديث النفس العبث كتسوية ردائه أو عمامته لغير ضرورة من تحصيل سنة أو دفع مضرة، (وتدبر القراءة) أي تأمل معانيها إجمالا -لا تفصيلًا؛ لأنه يشغله عما هو بصدده-؛ ليكمل الخشوع، ويسن ترتيل القراءة وسؤال أو ذكر ما يناسب المتلو من رحمة أو رهبة أو تنزيه أو استغفار (و) تدبر (الذكر) كالقراءة، نعم لا بد أن يعرف معناه ولو بوجه كي يثاب عليه بخلافها؛ للتعبد بلفظها، (ودخول الصلاة بنشاط)؛ لأنه تعالى ذم تاركيه بقوله ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ النساء: ١٤٢ (وفراغ قلب (^٣) عن الشواغل (^٤)؛ لحديث «ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل»، وبه يتأيد القول بأن حديث النفس الاختياري
_________________
(١) . وهناك تفصيل سيذكره المصنف فيما لو نسي ركن بعد السلام وشرع فورا في صلاة أخرى.
(٢) . وفاقا للنهاية وخلافا للمغني.
(٣) . ولبس العمامة والطيلسان فيها كما ذكره الشارح في اللباس ٣/ ٣٩.
(٤) . ظاهره مطلقا لكنهما قيداها بالدنيوية.
[ ١ / ٢٠٢ ]