وَالمُسْتَعْمَلُ فِي فَرْضِ الطَّهَارَةِ. قِيلَ وَنَفْلِهَا غَيْرُ طَهُورٍ فِي الجَدِيدِ، فَإِنْ جُمِعَ فَبَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَطَهُورٌ فِي الْأَصَحِّ
وجب استعماله، وتنتفي الكراهة أيضًا (^١) إن سُخِّن الماء المشمّس بالنار؛ لأنها تذهب الزهومة لقوّتها، بخلافها في الطعام المائع؛ لاختلاطها بأجزائه. ويكره ماء وتراب كلِّ أرض غُضِب عليها (^٢) إلا بئر الناقة بثمود، والأولى عدم إزالة النجاسة بماء زمزم (^٣)، ويكره الطهر بفضل المرأة.
(والمستعمل في فرض (^٤) الطهارة) -أي ما لابد منه في صحَّتِها، ولو من طهر صبيٍّ لم يميز لطواف، أو سلس أو حنفي لم ينو أو كتابية لتحلّ لحليل مسلم يعتقد توقف الحل عليه (^٥) أو مجنونة أو ممتنعة غسلها حليلها المسلم (^٦) لتحل له- غير طهور، (قيل و) ولو قال أو لكان أوضح (نفلها)، ومنه ماء غسل الرِّجل بعد مسح الخف (غير طهور) أيضا; لأن المدار على تأدي العبادة به ولو مندوبة، ويرد بأنه لا مانع ينتقل إليه حتى يتأثر به (في الجديد، فإن جُمِع) المستعمل (فبلغ قلتين فطهور في الأصح) كالنجس إذا بلغهما بلا تغير وأولى، فعُلم أن الاستعمال لا يثبت إلا مع قِلة الماء، وبعد فصله ولو حكمًا كأن جاوز منكب المتوضئ أو ركبته وإن عاد إلى محلّه أو انتقل من يد إلى أخرى، نعم لا يضر في المحدث خرق الهواء مثلًا للماء من الكف إلى الساعد ولا في الجنب انفصاله من نحو الرأس للصدر مما يغلب فيه التقاذف وهو جريان الماء إليه على الاتصال.
[فرع في نية الاغتراف] يصير الماء مستعملا إذا أدخل المحدث يده للغسل عن الحدث أوْ لا بقصدٍ بعد نية الجنب وتثليث وجه المحدث -ما لم يقصد الاقتصار على الأولى وإلا فبعدها- بلا نية اغتراف ولا قصد أخذ الماء لغرض آخر، وكونه مستعملًا إنما هو لغير يده.
_________________
(١) . خلافا لهما.
(٢) . ومنها وادي مُحَسِّر بناء على وقوع العذاب به كما أفاده الشارح في الحج ٤/ ١١٦.
(٣) . وفاقا للزيادي وقال شيخ الإسلام والخطيب بالكراهة والرملي أنه القياس.
(٤) . قصية كلام الشارح أن المراد بالطهارة هنا الحدث والنجس خلافا لهما حيث حملاه على الحدث فقط.
(٥) . وفاقا للخطيب واعتمد الجمال أن قصد الحل كافيا ولو كان الحليل صغيرا.
(٦) . ظاهره أنه قيد تبعا لشيخ الإسلام، وخالفالهما.
[ ١ / ٥٦ ]
وَلَا تَنْجُسُ قُلَّتَا المَاءِ بِمُلَاقَاةِ نَجِسٍ، فَإِنْ غَيَّرَهُ فَنَجِسٌ. فَإِنْ زَالَ تَغَيُّرُهُ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِمَاءٍ طَهُرَ،
ولو انغمس محدث ثُمَّ نوى (^١) أو جنب في ماء قليل ارتفع حدثه وما دام لم يخرج له أن يرفع ما يطرأ عليه فيه (^٢)، والمراد أن ينغمس ببدنه وليس له أن يغترف ولو بيده وإن نوى اغترافا.
(ولا تنجس قلّتا الماء) ولو احتمالا كأن شك في الماء أبلغهما أم لا (بملاقاة نجس)؛ لخبر «إذا بلغ الماء قلّتان لم يجنس»، وخرج بقلتا الماء ما لو بلغ قلتين بمائع يوافقه ولم يغيره فرضًا لو قدّر مخالفًا فإنه ينجس بالملاقاة ولكنه يرفع الحدث، لأن الأول دفع والثاني رفع والأول أقوى غالبًا، وخرج بغالبًا الطلاق فإنه يرفع النكاح ولا يدفعه لحل ارتجاع المطلّقة، فعُلم أن الرفع إزالة موجود والدفع منع التّأثر بما يصلح له لولا ذلك الدافع. ولو كان القلتان في محلّين وبينهما اتصال وبأحدهما نجِسٌ نَجُسُ الآخر إن ضاق ما بينهما وإلا طهر النجس، (فإن غيَّره) ولو يسيرًا أو تقديرًا كأن وقع فيه موافقه فغيّره بالفرض والتقدير، ثم إن وافقه في الصفات الثلاث قدّرناه مخالفا أشد فيها كلون الحبر وريح المسك وطعم الخل، أو في صفة قدّرناه مخالفًا فيها فقط (فنجس) إجماعًا، ولو نجس بعض القلّتين فإن كثر غير المتغيّر بقي على طهارته وإلا فلا، ولو وقع نجس في ماء كثير متغيرٍ تغيرًا لا يضر قدّر زواله فإن غيّره حينئذٍ ضرّ وإلا فلا، ومثله ما لو وقع طاهر في ماء قليلا كان أو كثيرًا. (فإن زال تغيره بنفسه) كمكث (أو بماء) ولو متنجسًا أو أُخذ منه والباقي كثير بأن كان الإناء منخنقًا (^٣) به فزال انخناقه ودخله الريح وقصرّه، أو زال تغيره بمجاور وقع فيه أو بمخالط تروَّح به. أما بالنسبة للتغير التقديري فيطهر بتقدير مدّة لو كان ذلك في الحسي لزال أو صبّ قدر من ماء على ما لو كان حسيًّا لزال تغيّره ويعلم ذلك بمشاهدة مثله (طَهُر)؛ لزوال سبب التنجس، وإنما لم يقدروا حينئذٍ النجس الذي ذهبت أوصافه مخالفًا بأشد الصفات؛ لأن المخالفة كانت موجودة بالفعل ثم أزيلت بخلافها ابتداءً، ولو عاد التغير لم يضر إلا إن بقيت عين النجاسة،
_________________
(١) . قال في الفتح: «فلو عكس لم يرتفع، ولو انغمس بالوجه أوَّلا ناويا عنده صار مستعملا لبقية أعضائه».
(٢) . فلو انغمس بعد غسل رجليه مثلا ثم أتم الانغماس لزمه غسل رجليه عن الأصغر بالنية ويجزيه بذلك الماء قبل خروجه، قاله في الفتح أيضا.
(٣) . خنقتُ الحوض تخنيقا إذا شددت ملأه، لسان العرب.
[ ١ / ٥٧ ]
أَوْ بِمِسْكٍ وَزَعْفَرَانٍ فَلَا، وَكَذَا تُرَابٌ وَجِصٌّ فِي الْأَظْهَرِ، وَدُونَهُمَا يَنْجُسُ بِالمُلَاقَاةِ، فَإِنْ بَلَغَهُمَا بِمَاءٍ وَلَا تَغَيُّرَ بِهِ فَطَهُورٌ. فَلَوْ كُوثِرَ بِإِيرَادِ طَهُورٍ فَلَمْ يَبْلُغْهُمَا لَمْ يَطْهُرْ،
ومثله ما لو زال بالغسل ريح نحو ثوب متنجس ثم عاد (أو) زال تغير ريحه (بمسك و) لونه بـ (زعفران) وطعمه بخلٍّ مثلًا (فلا)؛ للشك في زوال أو استتار التغيّر، ولذا لو زال الريح والطعم مثلا بنحو زعفران لا طعم له ولا ريح عادت الطهارة، (وكذا تراب وجصّ في الأظهر)؛ للشك أيضا، ولو صفى الماء ولا تغير طهر جزمًا. (ودونهما ينجس) إن لم يكن واردًا (بالملاقاة) من نجس غير معفو عنه، ومن اختار مِنَّا مذهب مالك في التسوية نظر للتسهيل وإلا فالأول صريح من حيث الدليل (فإن بلغهما بماء) -شامل للمتنجس أو المتغير أو المستعمل؛ لمطلق العرف بذلك- أو بملحٍ مائيٍّ (ولا تغير به فطهور)، ومن بلوغهما به ما لو كان النجس بحفرة والماء الآخر بحفرة وفتح بينهما حاجز واتسع بحيث يتحرك ما في كلٍّ بتحرك الآخر تحرّكًا عنيفًا ومضى زمن يزول فيه تغير لو كان ولا يشترط زوال كدورة أحدهما، ومثله لو كان المتنجس في كوزٍ (^١) واسع بحيث يتحرّك كما مر وكان الكوز ممتلئًا ثم غمس بماء (^٢) ومكث بحيث لو كان ما فيه متغيرًا أزال تغيره، ولو تلاصقت أحواض أكتفي بتحرك الملاصق الذي يبلغ به قلتان، (فلو كوثر بإيراد) ماء (طهور فلم يبلغهما لم يطهر)؛ لقلته، ولذا فقولهم إن الوارد القليل لا ينجس بملاقاة النجاسة وقولهم إن الإناء يطهر حالًا بإدارة ماء على جوانبه محلهما في وارد على حكميه أو عينية أزال جميع أوصافها بخلاف إن بقي بعضٌ كنقطة دم، ومن صور الوارد فوّار (^٣) أصاب النجس أعلاه.
_________________
(١) . هو كوب بعروة.
(٢) . فالشرط أن يكون الإناء ممتلئ أو يمتلئ بدخول الماء فيه كما في الفتح.
(٣) . فار الماء من العين يفور إذا جاش، لسان العرب.
[ ١ / ٥٨ ]