فَإِنْ تَخَلَّلَ ذِكْرٌ قَطَعَ المُوَالَاةَ فَإِنْ تَعَلَّقَ بِالصَّلَاةِ كَتَأْمِينِهِ لِقِرَاءَةِ إمَامِهِ وَفَتْحِهِ عَلَيْهِ فَلَا فِي الْأَصَحِّ. وَيَقْطَعُ السُّكُوتُ الطَّوِيلُ، وَكَذَا يَسِيرٌ قَصَدَ بِهِ قَطْعَ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَصَحِّ.
(فإن) فصل بأكثر من ذلك سهوا أو لتذكر الآية -وإن طال الفصل- لم يضر كما لو كرر آية منها في محلها ولو لغير عذر، أو عاد إلى ما قراءه قبل واستمر (^١). ولو شكّ أثناء الفاتحة في البسملة فأكملها مع الشك ثمّ ذكر أنه أتى بها وجب استئنافها (^٢)؛ لتقصيره بما قرأه مع الشك فصار كأنه أجنبي، وإن (تخلل ذكر) أجنبي لا يتعلق بالصلاة كالحمد للعاطس والفتح على غير الإمام بشرطه (^٣) والتسبيح لنحو داخل (قطع الموالاة) وإن قلّ؛ لإشعاره بالإعراض، ومن ثم لو كان سهوا أو جهلا لم يقطعها وإن طال الفصل، (فإن تعلق بالصلاة كتأمينه لقراءة إمامه وفتحه عليه) إذا سكت بقصد القراءة ولو مع الفتح وإلا بطلت صلاته، وكسؤال رحمة أو استعاذة من عذاب عند قراءة إمامه آيتيهما (فلا في الأصح)؛ لندب ذلك له، لكن يسن له الاستئناف؛ خروجا من خلاف مقابل الأصح، بخلاف فتحه عليه قبل سكوته فيقطع المولاة لعدم ندبه حينئذ (ويقطع) المولاة (السكوت (^٤) العمد (الطويل) وهو ما يشعر مثله بقطع القراءة بخلافه لعذر كسهو أو جهل أو إعياء، (وكذا يسير) نحو سكتة تنفس واستراحة (قصد به قطع القراءة في الأصح)؛ لتأثير الفعل مع النية.
[فرع] لو شكّ قبل ركوعه (^٥) في أصل قراءة الفاتحة لزمه قراءتها أو في بعضها فلا، وغير الفاتحة مثلها (^٦) وشكَّ في جلوس التشهد مثلا في السجدة الثانية فإن كان في أصل الإتيان بها أو بطمأنينتها فعلها، أو في بعض أجزائها كوضع اليد فلا.
_________________
(١) . وفاقا للأسنى والنهاية وخلافا للمغني.
(٢) . خلافا للمغني والشهاب الرملي.
(٣) . أي إذا سكت القارئ وتعمد المأموم القراءة ولو مع الفتح.
(٤) . ويأتي في الصوم أنه يجوز قطع الفاتحة وإن كانت فرضا عينيا.
(٥) . ليس بقيد.
(٦) . خلافا للنهاية فقال إن غير الفاتحة يجب الإتيان به مطلقا إن شكَّ فيه.
[ ١ / ١٨١ ]
فَإِنْ جَهِلَ الْفَاتِحَةَ فَسَبْعُ آيَاتٍ مُتَوَالِيَةٍ، فَإِنْ عَجَزَ فَمُتَفَرِّقَةٍ. قُلْتُ: الْأَصَحُّ المَنْصُوصُ جَوَازُ المُتَفَرِّقَةِ مَعَ حِفْظِ مُتَوَالِيَةً، وَاَللهُ أَعْلَمُ. فَإِنْ عَجَزَ أَتَى بِذِكْرٍ
(فإن جهل الفاتحة) كلَّها بأن عجز عنها في الوقت لنحو ضيقه أو بلادةٍ أو عدم معلِّم أو مصحف ولو عارية (^١) أو بأجرة مثل فاضلة عمَّا يعتبر في الفطرة (فسبع آيات) إن أحسنها وإن لم تشتمل على ثناء ودعاء، ومراعاة العدد في البدل؛ لقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ الحجر: ٨٧، وتسن ثامنة؛ لتحصيل السورة. ولا يجوز أن يترجم عنها؛ لقوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يوسف: ١ (متوالية) على ترتيب المصحف، (فإن عجز فمتفرقة، قلت: الأصح المنصوص جواز المتفرقة) وإن لم تفد معنى منظوما (^٢) كالحروف المقطعة أوائل السور، نعم يتجه في هذا أنه لابد أن ينوي به القراءة؛ لأنه لا ينصرف للقرآن بمجرد التلفظ به (مع حفظ متوالية والله أعلم)؛ لحصول المقصود. ولو أحسن آية أو أكثر من الفاتحة أتى به في محله وببدل الباقي من القرآن (^٣)، فإن كان الأول قدمه على البدل أو الآخر قدم البدل عليه أو بينهما قدم من البدل بقدر ما لم يحسنه قبله ثمّ يأتي بما يحسنه ثمّ ببدل الباقي، فإن لم يحسن بدلًا كرر ما حفظه منها بقدرها، أو من غيرها أتى به ثم ببدل الباقي من الذكر إن أحسنه وإلا كرر بقدرها أيضا، ولو أحسن بعض آية لزمه الإتيان به (^٤)، (فإن عجز) من القرآن (أتى بذكر) متنوع سبعة أنواع؛ ليقوم كلُّ نوع مكان آية؛ لما في صحيح ابن حبان من تعليمه -ﷺ- لرجل الباقيات الصالحات وهنّ خمسة أذكار، ولعلَّه لم يذكر الآخرين؛ لأن الظاهر حفظه للبسملة وشيء من الدعاء. ولا يتعين لفظ الوارد ويجزئ الدعاء المتعلق بالآخرة -أي سبعة أنواع منه- وإن حفظ غيره فإن لم يعرف غير ما يتعلق بالدنيا أجزأه.
_________________
(١) . أفاد الشارح في العارية أنه لا يلزم المعير بذله حينئذ إلا إن كانت المدة لا تقابل بأجرة.
(٢) . خلافا للخطيب حيث خصَّه بما إذا لم يحسن غيرها مما يفيد معنى منظومًا.
(٣) . ظاهر كلام الرملي شامل للقرآن والذكر عند العجز عن القرآن.
(٤) . هذا ما ظهر للفقير من كلام الشارح وذهب الرملي والخطيب إلى اللزوم إن كان المحفوظ من الفاتحة دون غيرها وشيخ الإسلام في شرح الروض إلى اللزوم فيهما.
[ ١ / ١٨٢ ]
وَلَا يَجُوزُ نَقْصُ حُرُوفِ الْبَدَلِ عَنِ الْفَاتِحَةِ فِي الْأَصَحِّ، فَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ شَيْئًا وَقَفَ قَدْرَ الْفَاتِحَةِ. وَيُسَنُّ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ آمِينَ خَفِيفَةُ المِيمِ بِالمَدِّ، وَيَجُوزُ الْقَصْرُ. وَيُؤَمِّنُ مَعَ تَأْمِينِ إمَامِهِ،
(ولا يجوز نقص حروف البدل) من قرآن أو ذكر (عن الفاتحة) والعبرة باللفظ لا الرسم، وهي مع البسملة مائة وخمسة وخمسون حرفا بقراءة ملك، وهذا إن لم نعتبر ألفات الوصل أما إذا اعتبرناها وهو الأوجه؛ لأنه قد يتلفظ بها فيكون المجموع مائة وأحد وستون حرفا (في الأصح) كما لا يجوز النقص عن آياتها، ويشترط أن لا
يقصد بالذكر غير البدلية ولو معها، فلو افتتح أو تعوذ بقصد السنة والبدل لم يكف (^١)، (فإن لم يحسن شيئا) مما مر وعجز عن التعليم وترجمة الذكر والدعاء (وقف) وجوبًا (قدر الفاتحة) في ظنه بالنسبة لقراءتها المعتدلة من غالب أمثاله؛ لأن القراءة والوقوف بقدرها كانا واجبين فإذا تعذر أحدهما بقي الآخر، ويلزمه القعود بقدر التشهد الأخير، ويسن له الوقوف بقدر السورة والقنوت، والقعود بقدر التشهد الأول. (ويسن عقب الفاتحة) لقارئها ولو خارج الصلاة، ومثلها بدلها إن تضمن دعاء (آمين) -مع سكتة لطيفة بينهما؛ تمييزا لها عن القرآن، فإن طال السكوت عنها فات التأمين، وحَسُنَ زيادة رب العالمين-؛ للخبر المتفق عليه «إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ الفاتحة: ٧ فقولوا آمين»، ويفوت التأمين بالتلفظ بغيره (^٢) ولو سهوا أو قلّ -نعم يستثني قوله رب اغفر لي لوروده- وبالشروع في الركوع مطلقا وبالسكوت إن طال عمدًا بخلافه سهوا، والمراد سكوته بعد السكوت المسنون كما هو ظاهر (خفيفة الميم بالمد ويجوز) الإمالة و(القصر) مع تخفيفها وتشديدها؛ لأنه لا يخلّ بالمعنى، وفيها المد مع التشديد أي قاصدين (^٣) وينوي قاصدين إليك وأنت أكرم من أن تخيِّب قاصدًا؛ لتضمنه الدعاء، فإن أراد مجرد قاصدين بطلت كالإطلاق، (و) الأفضل للمأموم في جهرية أن (يؤمن مع تأمين إمامه)؛ ليوافق تأمين الملائكة، ولأن التأمين لقراءة إمامه وقد فرغت، ولذا أتجه أنه لا يسن إلا إن سمع قراءة إمامه كتأمين القنوت، فإن لم تتفق له موافقته أمَّن عقبه، ولو أخره الإمام عن
_________________
(١) . خلافا لشرح المنهج.
(٢) . خالفاه فقالا لا يفوت إلا بالشروع في السورة أو الركوع.
(٣) . ظاهره عوده للممدود فقط وظاهر كلامهما أنه راجع للقصر والمد.
[ ١ / ١٨٣ ]
وَيَجْهَرُ بِهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الْأَظْهَرِ. قُلْتُ: فَإِنْ سُبِقَ بِهِمَا قَرَأَ فِيهِمَا عَلَى النَّصِّ وَاَللهُ أَعْلَمُ
الزمن المسنون أمَّن قبله ولم ينتظره؛ اعتبارًا بالمشروع، ولا يسن لغير المأموم وإن سمع، (ويجهر به) -ندبا في الجهرية- الإمام والمنفرد قطعا، والمأموم (في الأظهر) وإن تركه إمامه؛ لما صح أن ابن الزبير كان يؤمِّن هو ومَن وراءه بالمسجد الحرام، أما السرية فيسرون فيها جميعهم كالقراءة. (ويسن) لإمام ومنفرد ومأموم لم يسمع (^١) (سورة بعد الفاتحة) -في غير صلاة فاقد الطهورين الجنب والجنازة (^٢) - وذلك؛ للأخبار الكثيرة الصحيحة في ذلك، وتحصل السنة ببعض آية إن أفاد، والأفضل ثلاث، وسورة كاملة أفضل من بعض طويلة وإن طال (^٣)؛ للاتباع، نعم البعض في التراويح أفضل كسنَّة الصبح. ولا يكفي تكرير الفاتحة عن السورة إلا إن لم يحفظ غيرها (إلا في الثالثة والرابعة) من الفرض وما بعد أول تشهد من النوافل (في الأظهر)؛ لوروده ولأن النشاط في الأوليين أكثر لم ينظر لمقابله وإن وَرَدَ (قلت: فإن سُبق بهما) أي بالثالثة والرابعة من صلاة نفسه (^٤) أو بالأوليين من صلاة إمامه بأن لم يدركهما من صلاة إمامه مع إمامه بل أدركه في الثالثة والرابعة منها، أو سبق بالأوليين من صلاة نفسه بأن أدركهما منها معه لكنه لم يتمكن من قراءة السورة فيهما (قرأ فيهما (^٥) أي في الثالثة والرابعة بالنسبة للمأموم حين تداركهما في الحالة الأولى أو الثانية، أو بالنسبة للإمام أو الأولى والثانية بالنسبة للمأموم وهو خلف الإمام في الحالة الثانية فيهما (^٦)، إن تمكَّن لنحو بطء قراءة إمامه ما لم تسقط عنه لكونه مسبوقا فيما أدركه؛ لأن الإمام إذا تحمل عنه الفاتحة فالسورة أولى (على النص، والله أعلم)؛
_________________
(١) . إلا لمأموم لم يسمع سورة السجدة في صبح الجمعة؛ لكراهة قراءة آية السجدة للمأموم كما ذكر الشارح في باب سجود التلاوة ٢/ ٢١٢ - ٢١٣.
(٢) . نعم اعتمد الشارح في الجنائز أن السورة تسن في الصلاة على الغائب.
(٣) . خلافا لهما فمعتمدهما أنه إنما هي أفضل من قدرها في الطويلة.
(٤) . أي بأن لم يدرك ثالثته ورابعته مع الإمام.
(٥) . أفاد الشارح في الجمعة أنه لو اقتدى في الثانية فسمع قراءة الإمام للمنافقين فيها أنه يقرأ المنافقين في الثانية ٢/ ٤٦٣.
(٦) . خبر مبتدأ محذوف أي قوله وهو خلف الإمام الخ معتبر في قوله أي في الثالثة والرابعة بالنسبة للإمام وقوله أو الأولى والثانية بالنسبة للمأموم.
[ ١ / ١٨٤ ]
وَلَا سُورَةَ لِلْمَأْمُومِ، بَلْ يَسْتَمِعُ فَإِنْ بَعُدَ أَوْ كَانَتْ سِرِّيَّةً قَرَأَ فِي الْأَصَحِّ. وَيُسَنُّ لِلصُّبْحِ وَالظُّهْرِ طُِوَالُ المُفَصَّلِ، وَلِلْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ أَوْسَاطُهُ، وَلِلْمَغْرِبِ قِصَارُهُ. وَلِصُبْحِ الجُمُعَةِ فِي الْأُولَى ﴿الم تَنْزِيلُ﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى﴾
لئلا تخلو صلاته من السورة بلا عذر، نعم لو أمكن المسبوق قراءة السورة في أولييه لنحو بطء قراءة الإمام قرأها المأموم معه ولا يعيدها في أخرييه وكذا إن لم يقرأها؛ لتقصيره بتركه إيّاها مع التمكن، وخرج بقول المتن «فيهما» صلاة المغرب فإن سبق بالأوليين بالاعتبار السابق وتمكن من قراءة سورتيهما في الثالثة قرأهما فيها؛ لئلا تخلو عنهما صلاته، أو بالأولى قرأ في الثانية والثالثة، (ولا سورة) أي تكره (للمأموم) الذي يسمع الإمام في جهرية (بل يستمع)؛ للنهي عن القراءة خلفه ما عدا الفاتحة (فإن بَعُد) بأن لم يسمعها أو سمع صوتا لا يميز حروفه وإن قرب لنحو صمم به (أو كانت سرية قرأ في الأصح)؛ لفقد السماع (^١). ويقرأ المأموم في جهرية أسر فيها الإمام ويستمع في سرية جهر فيها الإمام؛ اعتبارا لفعل الإمام خلافا لمقتضى المتن. (ويسن) للمصلي الحاضر ولو إماما بالشروط السابقة (^٢) (للصبح) طوال المفصل (والظهر) قريب من (طُِوال المفصل)؛ لأن النشاط في الأولى أكثر منه في الثانية (وللعصر والعشاء أوساطه وللمغرب قصاره)؛ لما صح فيه، وطواله (^٣) من الحجرات إلى عمّ فأوساطه إلى الضحى فقصاره إلى الآخر على ما اشتهر، (ولصبح الجمعة) إذا اتسع الوقت (في الأولى ﴿الم تَنْزِيلُ﴾ (^٤) وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾)؛ لدوام فعله -ﷺ- ذلك، فإن ترك ألم في الأولى أتى بهما في الثانية، أو قرأ هل أتى في الأولى قرأ ألم في الثانية؛ لئلا تخلو صلاته عنهما، وكذا في كل صلاة سن في أولييها سورتان معينتان، ويسن لمن شرع في غير السورة المعينة -ولو سهوا- قطعها وقراءة المعينة. أما إذا ضاق الوقت عنهما فيأتي بسورتين قصيرتين (^٥)، وأما المسافر (^٦) فيسن له في صبح الجمعة وغيرها الكافرون ثم الإخلاص
_________________
(١) . ويسن أن يؤخر فاتحته عن جميع فاتحة الإمام إن ظن أنه يقرأ السورة كما ذكره الشارح في متابعة الإمام ٢/ ٣٥٥.
(٢) . أي عند الكلام على دعاء الافتتاح.
(٣) . خلافا لهما فمثَّل الرملي للطوال بقاف وللأوساط بالجمعة وللقصار بالعصر.
(٤) . ويقصد بقراءتها اتِّباع سنة القراءة المخصوصة والسجود لها، فإن قصد السجود فقط بطل كما يأتي في سجود التلاوة ٢/ ٢١١.
(٥) . خلافا للأسنى والخطيب في شرح التنبيه والنهاية حيث قالوا إن ضاق الوقت قرأ ما أمكن منها.
(٦) . مقتضى كلامهما أن المسافر بالنسبة لما عدا صلاة الصبح كغيره خلافا لمقتضى كلام التحفة.
[ ١ / ١٨٥ ]