(يتيمم بكل تراب) وهو الصعيد كما قال ابن عباس (طاهر) وطهور لا نجس كتراب منبوشة، ولا يضر أخذه من ظهر كلب لم يعلم التصاقه به مع رطوبة (حتى ما يُداوَى به) وما يؤكل سفًّا وما أخرجته الأرضة من التراب وإن اختلط بلعابها كمعجون بمائع جف وإن تغير لونه وطعمه وريحه. ويشترط أن يكون له غبار (وبرمل) خشن (فيه غبار) ولو منه بأن سُحق، أما الناعم فلا؛ لأنه للصوقه بالعضو يمنع وصول الغبار إليه، ومن ثم لو علم عدم لصوقه لم يؤثر، (لا بمعدن وسحاقة خزف) ومثله طين شوي وصار رمادًا بخلاف ما لو اسودّ ولم يصر رمادا (ومختلط بدقيق ونحوه) وإن قلّ الخليط؛ لأنه لنعومته يمنع وصول التراب، (وقيل إن قلّ الخليط جاز، ولا بمستعمل) في حدث، أو خبث بأن استعمل في مغلظ (على الصحيح) كالماء، (وهو) أي المستعمل (ما بقي بعضوه، وكذا ما تناثر) بعد مسه له وإن لم يعرض عنه كالماء، نعم لا يضر في التيمم رفع اليد بما فيها من التراب ثم عودها إليه؛ للحاجة (في الأصح) كالمتقاطر من الماء، نعم ما تحقق من المتناثر أنه لم يمس العضو بل مس ما لصق به فهو غير مستعمل. (ويشترط قصده) بالنقل؛ لقوله تعالى ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾ النساء: ٤٣ .. الآية، (فلو سَفّته ريح عليه فردده ونوى لم يُجز)؛ لأنه حقيقة لم يقصد التراب بل الريح، ومن ثم لو أخذه من العضو ورده إليه، أو أخذه من الهواء ومسح به مع النيّة المقترنة بالأخذ كفى كما يكفي أن تسف الريح على يده فيمسح بها وجهه إن رفع يده لمسح وجهه، نعم لو كثف التراب في الهواء فمعّك وجهه فيه كفى أيضا كما لو معَّكه بالأرض، (ولو يُمم بإذنه) بأن نقل المأذونُ ومسح ونوى الآذن (جاز)
[ ١ / ١٢٥ ]
وَقِيلَ يُشْتَرَطُ عُذْرٌ.
وَأَرْكَانُهُ: نَقْلُ التُّرَابِ فَلَوْ نَقَلَ مِنْ وَجْهٍ إلَى يَدٍ أَوْ عَكَسَ كَفَى فِي الْأَصَحِّ.
ونِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ، لَا رَفْعِ الحَدَثِ، وَلَوْ نَوَى فَرْضَ التَّيَمُّمِ لَمْ يَكْفِ فِي الْأَصَحِّ،
ولو بلا عذر، لا بغير إذنه. ويشترط كون المأذون مميزا (^١)، ويبطل نقله بحدث الآذن (^٢)؛ لأنه ناب في أخذ التراب والمسح فقط لا في النية المقوِّمة للعبادة، ويؤيده قولهم لا يضر حدث المأذون أو كفره، (وقيل يشترط عذر)؛ لعدم قصده، ويرد بأن قصد مأموره كقصده.
(وأركانه) خمسة، وزيد التراب وقصده؛ لاختصاص الأول بالتيمم، ولتصور الثاني دون نقل كمن وقف بمهب ريحٍ قاصدا التراب، ورُدَّ الثاني بأنه يلزم من النقل القصد والوقوف هنا إنما يدل على أنه لم يلزم من القصد النقل:
أولها (نقل التراب) أي تحويله إلى العضو سواء بالعضو كتمعيكه بالأرض أو بغيره من مأذونه أو من نفسه كأن أخذ ما سفّته الريح من الهواء أو من الوجه ثم ردّه إليه، أو سفّت يده أو كمّه -ولو قبل الوقت- فمسح به بعده، نعم يبطل النقل بالحدث قبل مسح الوجه ما لم يجدد النية قبل وصول التراب للوجه (فلو نقل من وجه) إليه أو (إلى يدٍ) بأن حدث عليه بعد زوال ترابه بالكلية تراب آخر فأخذه ومسح به يديه (أو عكس كفى في الأصح)؛ لوجود حقيقة النقل، ولا يشترط قصد عين المنقول (^٣)، فلو أخذه ليمسح به وجهه فتذكر أنه مسحه جاز مسح يديه به.
(و) ثانيها (نية استباحة) ما يفتقر للطهر كـ (الصلاة، لا رفع الحدث) أو الطهارة عنه؛ لأنه لا يرفعه، نعم لو نوى بالحدث المنع من الصلاة وبرفعه رفعا خاصا بالنسبة لفرض ونوافل جاز، (ولو نوى) التيمم لم يكف جزما، أو (فرض التيمم) أو فرض الطهارة (لم يكف في الأصح)؛ لأنه طهارة ضرورة غير مقصود في نفسه، ولذا لم يسن تجديده، ومن ثم لما لم يكن في تيمم نحو غسل الجمعة استباحة جاز له نية تيمم الجمعة وسنة تيممها؛ لانحصار الأمر فيها، ويؤخذ مما تقدم أنه لو نوى بالفرض أنه بدل عن الغسل أو الوضوء صح؛ لأنه نوى الواقع.
_________________
(١) . خلافا لظاهر إطلاقهم.
(٢) . خلافا للرملي.
(٣) . خلافا للمغني.
[ ١ / ١٢٦ ]
وَيَجِبُ قَرْنُهَا بِالنَّقْلِ، وَكَذَا اسْتِدَامَتُهَا إلَى مَسْحِ شَيْءٍ مِنَ الْوَجْهِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنْ نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا أُبِيحَا أَوْ فَرْضًا فَلَهُ النَّفَلُ عَلَى المَذْهَبِ، أَوْ نَفْلًا أَوِ الصَّلَاةَ تَنَفَّلَ لَا الْفَرْضَ عَلَى المَذْهَبِ. وَمَسْحُ وَجْهِهِ. ثُمَّ يَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ. وَلَا يَجِبُ إيصَالُهُ مَنْبِتَ الشَّعْرِ الخَفِيفِ، وَلَا تَرْتِيبَ فِي نَقْلِهِ فِي الْأَصَحِّ فَلَوْ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ وَمَسَحَ بِيَمِينِهِ وَجْهَهُ وَبِيَسَارِهِ يَمِينَهُ جَازَ
(ويجب قرنها بـ) أول (النقل، وكذا استدامتها إلى مسح شيء من الوجه على الصحيح) فلو عزبت بينهما بطل (^١)، نعم لو نوى بعدما عزبت ورفع يديه إلى وجهه ومسحه أو مرّغه عليهما كفى، (فإن نوى فرضا ونفلا أبيحا) ولو نوى فرضين أو أكثر استباح واحدا منهما أو من غيرهما. ولا يشترط تعيينه، فإن عيّن كأن تيمم في وقت الضحى لمنذورة أو فائتة فله أن يصلي غيره كالظهر بعد دخول وقته؛ لصحّة القصد الأول فجاز غيره؛ لأنه من جنسه، نعم لو عيَّن فأخطأ لم يصح؛ لأن نيته ستصادف بالخطأ استباحة ما لا يستباح، (أو فرضا) ومنه طواف الإفاضة (فله النفل) ومنه صلاة الجنازة (على المذهب)؛ لأنه تابع أولوي بالاستباحة، (أو) نوى (نفلا أو الصلاة) وأطلق (تنفل لا الفرض على المذهب)؛ لأن الأصل لا يتبع الفرع وأخذًا بالأحوط في الثانية، والحاصل أن نية الفرض تبيح الجميع، ونية النفل أو الصلاة أو صلاة الجنازة أو خطبة الجمعة (^٢) تبيح ما عدا الفرض العيني، ونية شيء مما عدا الصلاة كسجدة تلاوة لا تبيحها وتبيح ما عدها.
(و) وثالثها ورابعها وخامسها (مسح) أي إيصال التراب إلى (وجهه) -ولو بخرقه- ومنه ظاهر اللحية المسترسل والمقبل من أنفه على شفته (ثم يديه مع مرفقيه)؛ للآية، ويكفي غلبة ظن التعميم، واختار المصنف المسح إلى الكوعين؛ لظاهر حديث الصحيحين مع وقف الحديث الناص على المرفقين (ولا يجب) بل ولا يسن (إيصاله منبت الشعر الخفيف)؛ للمشقة، (ولا ترتيب) واجب (في نقله في الأصح، فلو ضرب بيديه ومسح بيمينه وجهه وبيساره يمينه جاز)؛ لأن النقل وسيلة فقط للمسح.
_________________
(١) . خلافا لهما.
(٢) . خلافا للجمال الرملي كوالده أن نية خطبة الجمعة لها حكم الفرض العيني.
[ ١ / ١٢٧ ]