قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ الفرقان: ٤٨، يُشْتَرَطُ لِرَفْعِ الحَدَثِ وَالنَّجَسِ مَاءٌ مُطْلَقٌ، وَهُوَ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ مَاءٍ بِلَا قَيْدٍ
(كتاب الطهارة)
مصدر طَهَر يطهُر لغة الخلوص من الدنس ولو معنويًا، وشرعًا: لها وضعان حقيقي: وهو زوال المنع الناشئ عن الحدث والخبث، ومجازي: وهو الفعل الموضوع لإفادة ذلك أو بعض آثاره، وعلى هذا عُرِّفت بأنها رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما -كالتيمم وطهر السلس- أو على صورتهما -كالغسلة الثانية والطهر المندوب- وافتتح بالآية؛ لتعود بركتها على جميع الكتاب.
(قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ الفرقان: ٤٨)
أي مُطَهِّرا؛ لأنه يفيد التأسيس، وكونه بمعنى مطهرًا هو الأصل في فعول، وتندفع إرادة المستعمل؛ لأن القائل به استدل بالمبالغة وهي خلاف الأصل، وتدل الآية أيضًا على اختصاص الطهارة بالماء (يشترط) فلا يجوز ولا يصح إلا الماء (لرفع) وعدل عن الإزالة؛ لأن الرفع مجاز وهو أبلغ من الحقيقة التي هي الإزالة (الحدث) وهو أمر اعتباري قائم بالأعضاء يمنع صحة نحو الصلاة حيث لا مرخِّص، أو المنع المترتب على ذلك (^١)، (و) رفع (النجس) وهو مستقذر يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخِّص، أو معنى يوصف به المحل الملاقي لعين من ذلك مع رطوبة وهو المراد هنا، وذلك؛ لأن المصنف عبَّر بالرفع وإطلاق الرفع على الأول مجاز، وخرج بالحدث والنجس وما في معناهما وما على صورتهما إزالةُ طيب بدن محرم (ماء مطلق)؛ لأمره تعالى بالتيمم عند فقده والماء ينصرف للمطلق (وهو ما يقع عليه اسم ماء بلا قيد).
_________________
(١) . قال الخطيب والرملي أن المراد هو المعنى الأول خلافا للشارح حيث أجاز المعنيين.
[ ١ / ٥٣ ]
فَالمُتَغَيِّرُ بِمُسْتَغْنًى عَنْهُ كَزَعْفَرَانٍ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ إطْلَاقَ اسْمِ المَاءِ غَيْرُ طَهُورٍ، وَلَا يَضُرُّ تَغَيُّرٌ لَا يَمْنَعُ الِاسْمَ، وَلَا مُتَغَيِّرٌ بِمُكْثٍ وَطِينٍ وَطُحْلُبٍ، وَمَا فِي مَقَرِّهِ وَمَمَرِّهِ،
لازم -ولو ندىً وبخار طهور المُغْلَى، أو كان زلالًا (^١) - بخلاف المتغير بما لا يضر والمقيَّد بغير لازم نحو ماء البئر، (فالمتغير بـ) مخاط طاهر وهو ما لا يمكن فصله (مستغنَىً عنه كزعفران) ومنيٍّ وثمر ساقط وملح جبلي ليس في مقر أو ممر (تغيرًا يمنع إطلاق اسم الماء) ولو تقديرًا كأن وقع فيه ما يوافقه كمستعمل وقع في ماء قليل، وكماء ورد منقطع الرائحة (^٢) فإنه يُقدَّر وسطًا كريح لاذن (^٣) ولون عصير (^٤) وطعم رمان فإن تغير مع تقدير ذلك ضرَّ وإلا فلا؛ لأنه لما كان لموافقته لا يغير أعتبر بغيره كالحكومة (غير طهور) وإن تغير بما على عضو المتطهر. (ولا يضر تغير لا يمنع الاسم) ولو احتمالا بأن شكّ أهو كثير أم قليل، فإن تحقق التغير الكثير وشُك في زواله ضَرَّ (^٥)، (ولا متغير) الميم؛ للتفنن (بِمَُِكث وطين وطحلُب) نابت من الماء أو ألقي فيه ولم يدق، وورق وقع بنفسه وإن تفتت وخالط، أما إن طرح الطحلب بعد دقّه أو الورق ثم تفتت فهو مخالط مضر (وما في مقرّه) ولو مخالطًا كقطران (^٦) دُهن به باطن قربة (^٧) (وممره) -كأن صنع من نورة فلا يضر وإن فحش التغير؛ لتعذر صون الماء عن ذلك-، ولو وُضِع من هذا المتغير على غيره فغيَّره لم يضر (^٨)؛ لأنه طهور فهو كالتغير بالملح المائي.
_________________
(١) . قال الشارح وهو ما يخرج من جوف صور توجد في نحو الثلج كالحيوان وليس بحيوان، فهو عنده نوع من الماء، لكن صريح النهاية والمغني أنه اسم لصورة حيوان يخرج من باطنها الماء.
(٢) . قال في الفتح: «والمراد هنا أن ماء الورد موافق للماء في صفاته الثلاث».
(٣) . وهو اللبان الذكر.
(٤) . كل شيء عصر ماؤه فهو عصير، لسان العرب.
(٥) . وافقه شيخ الإسلام والخطيب وخالفه الجمال الرملي تبعا لوالده.
(٦) . القطران دهن شجر تطلى به الإبل الجُرُب ويسرج به وهو أبلغ في اشتعال النار.
(٧) . خلافا للرملي.
(٨) . خلافا لهما.
[ ١ / ٥٤ ]
وَكَذَا مُتَغَيِّرٌ بِمُجَاوِرٍ كَعُودٍ وَدُهْنٍ، أَوْ بِتُرَابٍ طُرِحَ فِيهِ فِي الْأَظْهَرِ. وَيُكْرَهُ المُشَمَّسُ. (وكذا متغير بمجاور) -ولو احتمالا كأن شك فله حكم المجاور- طاهر، ومن المجاور الدخان كالبخور ولو دخان مخالط؛ لأن المشاهَد أنه مجاور (كعودٍ ودُهن) وأما الكتان (^١) فإن علم انفصال عين فيه مخالطة سالبة للاسم ضر وإلا فلا (^٢)، فإن شك في انفصال عين فيه فإن تجدد له اسم آخر بحيث تُرك الاسم الأول ضر وإلا فلا (أو بتراب) طهور بناءً على أنه مخالط (طرح) لا لتطهير مغلّظ وإلا لم يضر جزمًا، ولم يصر طينًا لا يجري بطبعه وإلا أثَّر جزمًا (فيه في الأظهر)؛ لأن التغير بالمجاور مجرد تروح، وظاهر المتن أن التراب مجاور وهو الأشهر وقال جمع هو مخالط؛ لإعادة الباء ومع ذلك التغيير به مغتفر تيسيرًا، وأصل ذلك اختلافهم في المخالط أهو ما لا يمكن فصله (^٣) فخرج التراب أو ما لا يتميّز في رأي العين فدخل وهو المعتمد (^٤) أو المعتبر العرف.
(ويكره) تنزيهًا شرعًا وطِبًَّا شديدُ حرٍّ وبردٍ؛ لمنعهما الإسباغ أو للضرر، ومثلهما (المشمَّس)؛ لقوله -ﷺ- «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وكراهة المكشوف منه أشد، والمشمس: ما أثّرت فيه الشمس بحيث قويت على أن تفصل بحدّتها منه زهومةً، ماءً كان أو مائعا، وشرطه أن يكون بقطر حار وقت الحرِّ، في إناءٍ منطبع -وهو ما يمتد تحت المطرقة ولو بالقوة كبركة في جبل من حديد- غير نقد ومُغَشَّىً به بحيث يمنع انفصال الزهومة (^٥) بخلاف نقد غُشِّي بنحو نحاس أو اختلط بما تتولد الزهومة منه فيكره ولو غير غالب، ويُشترط أيضًا أن يستعمل وهو حار -ولو في ثوب لبسه رطبا- في ظاهر أو باطن بدن حي كأبرص يخشى زيادة برصه، ومحل الكراهة حيث لم يظن بقول عدل أو بمعرفة نفسه ضرره له بخصوصه وإلا حرم فيلزم التيمم إن لم يجد غيره، ومحلّه أيضًا ما لم يتعين وإلا بأن لم يجد غيره وقد ضاق الوقت
_________________
(١) . وهو ما يتخذ منه الحبال تدق عيدانه حتى يلين ويذهب تبنه ثم يستعمل.
(٢) . ومن الكتان مخالط ومنه مجاور كما سيأتي.
(٣) . اعتمده الشارح في الإمداد.
(٤) . وافقه الرملي والخطيب والشيخ زكريا.
(٥) . ظاهره سواء حصل منه شيء بالعرض على النار أم لا كما قال الكردي، خلافا لظاهر النهاية حيث اشترط أن يحصل منه شيء بالعرض على النار.
[ ١ / ٥٥ ]