الحمد لله رب العالمين الذي هدانا لعبادته واتباع شريعته، وجعل الطريق إلى ذلك التفقه في الدين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خير المرسلين، وأصدق العابدين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه وتزكى بنوره إلى يوم الدين.
أما بعد فلطالما خامر البال خدمةُ شيءٍ من كتب أئمتنا الشافعية ﵃ حتى أشار عليَّ بعض الشيوخ بتصنيف مختصر لطيف لتحفة الشيخ أحمد بن علي بن حجر الهيتمي ﵀ باسطا لغامضها قابضا لإطنابها فامتثلت وشرعت فيها مستخيرا مستمدا العون من المولى ﵎ خير معين فوجدت أنِّي أمام طود شامخ من العلم قد أتقن الشيخ ابن حجر ﵀ بناءه، فالتحفة كثيرة المباحث والاستطرادات مترامية الأطراف محبوكة العبارات، وكان القصد تيسيرها بعض الشيء بحيث يفهم ما فيها متوسط الفهم، وليس هذا مِنِّي إلا جهد المقلّ وتطفلٌ على ذلك البحر المتلاطم فما وافق الصواب فمنِّة منه ﵎، وما وُجد بخلاف ذلك فسوء فهم أو تقصير مني، فليعذر المطلع على
[ ١ / ١١ ]
نقص أو تقصير، وأرجو منه التنبيه على ذلك مأجورًا، وليلتمس لي العذر لأني كتبت ذلك على عجل وانشغال بغير الفقه، ولعل لي أن أقول:
وَلِبَنِي خَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ سَنَهْ … مَعْذِرَةٌ مَقْبُوْلَةٌ مُسْتَحْسَنَهْ
وليعلم الواقف على هذا الكتاب أنَّ ملخص طريقي في كتابته التالي:
أولًا: تلخيص المباحث، واعتماد ما توصَّل إليه الشارح آخر البحث، ولا أعدل عن عبارة الشارح إلا لغموض فيها، وقد أبدلها من كلام الشُّرَّاح أو المحشيين، فإن لم أجد ما يفي بالمراد أبدلتها بعبارة من عندي حسب ما يظهر لي.
ثانيًا: غالبا لا أحذف شيئا من المسائل والفروع الفقهية، نعم قد أقدمه أو أخِّره لمناسبة تقتضي ذلك، وأكثر المحذوفات هي مباحث حديثية أو أصولية أو نحوية أو بلاغية، وقد جمعت كثيرا من ذلك كلًا على حدته مع كتاب في القواعد الفقهية المذكورة في التحفة أسأل الله المعونة في تحقيقه.
ثالثًا: كثيرا ما يحيل الشارح على ما قدمه أو ما يأتي في التحفة، أو ما يذكره في كتبه الأخرى، وقد حاولت أن أحقق ذلك، وأرجو إن استقرت طباعة هذا الكتاب أن أشير إلى ذلك بالصفحات، نعم كثيرا ما يحيل الشارح على الإمداد والعباب ولم أجد من ذلك إلا ما ينقل عنهما، وإلا مجلد يحتوي على أكثر العبادات من الإمداد.
[ ١ / ١٢ ]
رابعًا: اعتمدت من اصطلاح الشارح المختلف فيه على ما استقرت عليه الفتوى من اصطلاحه، ومنه أن المعتمد ما عبرَّ فيه الشارح «بكما»، وما عبر فيه بلكن، فإن اجتمعا قُدِّمت كما، نعم محل ذلك إن لم يكن في كلامه اعتماد أو توجيه وإلا فالمعتمد ما اعتمده الشارح أو ما استوجهه. أما ما تبرأ منه الشارح فالمعتمد مقابل ذلك التبري، نعم قد أذكر كلامه في فتح الجواد في اعتماد التبري أو مقابله.
خامسًا: أشير إلى كلام الشارح أيضا في فتح الجواد والإمداد -فيما تيسر لي منه- فيما يتردد الشارح في اعتماده أو يذكر احتمالين فيه.
سادسًا: كثيرا ما يذكر الشارح مسائل في غير بابها لمناسبة أو تقييد أو استطراد أو تنظير، وقد حاولت أن أردَّ تلك المسائل إلى مظانها وأشير إلى ذلك في الحاشية، وغالبا ما أجمع ما تناثر من أقوال الشارح في المسألة الواحدة في موضع واحد.
سابعًا: تعرضت في الحاشية أيضا إلى خلاف أهم من خالفهم الشارح أو خالفوه، وهم الخطيب الشربيني في كتابه المسمى مغني المحتاج والجمال الرملي في نهاية المحتاج، ووالده الشهاب الرملي، والشيخ زكريا الأنصاري، وقد اعتمدت في نقل ذلك على حاشية الشيخ عبد الحميد الشرواني، وقد أشرت للخطيب والجمال الرملي بضمير التثنية، ولهما مع الشيخ زكريا بضمير الجمع، ثم إن كان الخلاف يفهم من المفهوم لم أفصله وإلا ذكرت نص الخلاف، وقد أعبر عن الشيخ ابن حجر بالشيخ أو الشارح.
[ ١ / ١٣ ]
ثامنًا: تعرضت في الحاشية للكلمات الغامضة وإيضاحها وضبط المشكل منها في الأصل، وقد يجوز في بعض الكلمات أكثر من ضبط فأضبطها بذلك؛ ليكون دليلًا على جواز الضبطين أو أكثر.
تاسعًا: قمت بضبط المختصر بعلامات الترقيم، وقد أتَّسع في استعمال بعضها، وقد أضع خطين بين كلامين للإشارة للترابط بينهما.
عاشرًا: ما أذكره مخالفا لظاهر التحفة أو مخالفا لبعض حواشيها كتبت رسالة صغيرة في إيضاحه وأرجو الله التوفيق لإتمامها.
ومما يجدر التنبيه عليه أن هذه النسخة قد راعيتُ فيها تصحيح الأخطاء المطبعية التي وقفت عليها من النسخة الشهيرة المطبوعة أصلا بالمطبعة الميمنية الواقعة في عشرة مجلدات مع حاشيتي عبدالحميد وابن قاسم، والتي تبلغ الأخطاء التي وقفت عليها قرابة الألفين ما بين مخلٍّ بالمعنى وغيره.
وقد أتحفني بعض الأخوان بنسخة قابلها من المنهاج فوضعتها في أعلى المختصر لتتميم الفائدة.
هذا ومما من الله علي به أن قرأ هذا الكتاب مفرقًا مجموعةٌ من شيوخي وإخواني حفظهم الله (^١)، ومن أجلِّهم سيدي الشيخ محمد بن علي الخطيب والشيخ
_________________
(١) . ومنهم السيد عمر بن حامد الجيلاني والحبيب علي المشهور بن محمد بن سالم بن حفيظ، والدكتور محمد بن عبدالعزيز الحداد والدكتور حسن مقبولي الأهدل والدكتور أمجد رشيد، والأخ عمر بن حسين الخطيب والأخ عمر بن أبي بكر الخطيب والأخ عبدالرحمن بن عبدالله السقاف والأخ عبدالله ابن عبدالقادر العيدروس والأخ عبدالرحمن بن طه الحبشي وغيرهم.
[ ١ / ١٤ ]
محمد بن علي باعوضان حفظهم الله وأدامهم عُمَدًا للمذهب، وقد نبهوني وأتحفوني بالكثير، فجزاهم الله خير الجزاء.
كما أتقدم بالشكر أيضا لمركز النور للدراسات والنشر على ما قدمه إلي من خدمات في إخراج هذا الكتاب.
وعلى الله الكريم اعتمادي وإليه تفويضي واستنادي، وأسأله النفع لي به ولسائر المسلمين ورضوانه عنِّي وعن والديَّ وعن أحبائي وجميع المؤمنين.
كتبه الفقير إلى مولاه: مصطفى بن حامد بن سميط
حرر بتاريخ ٢٠/ ربيع الأول/ ١٤٢٤ هـ
[ ١ / ١٥ ]