وقال أبو حنيفة: يلزمه بالشروع، وإذا تحلل؛ لزم القضاء (^٦).
ومأخذ النظر: أن [الشروع] (^٧) عندنا لا يصلح أن يكون ملزما، من
_________________
(١) الحاوي الكبير (٣/ ٤٤٩)، والمجموع (٦/ ٢٨٠).
(٢) المبسوط (٣/ ٦٤)، وبدائع الصنائع (٢/ ٨٠).
(٣) المبسوط (٣/ ٦٤).
(٤) الحاوي الكبير (٣/ ٤٤٩).
(٥) الحاوي الكبير (٣/ ٤٦٨)، وتحفة المحتاج (٣/ ٤٥٩، ٤٦٠).
(٦) المبسوط (٣/ ٦٨ - ٧٠)، وبدائع الصنائع (١/ ٢٩٠).
(٧) في الأصل: الشرع، والصواب ما أثبته.
[ ١٠٦ ]
حيث إن التطوع هو ما يخير فيه بين فعله وتركه، فإن شاء أقدم عليه، وإن شاء أحجم عنه، والشروع في الشيء يكون على وفق ذلك الشيء، فإن كان واجبا [فيجب] (^١)، أما أن ينقلب النفل واجبا فلا، وهذا لأن الشروع ليس أمرا زائدا على العبادة، بل هو تلبس بالعبادة وخوض فيها، وإذا كان الشروع في العبادة هو نفس العبادة؛ فلا ينبغي أن يزيد حكمه عليها، بل يكون الدوام فيها على جنسها.
فإن ناقضونا بالحج، قلنا: الحج منقطع عن قياس العبادات، متفق على أنه مستثنى، فإن الإحرام إذا تلبس به تشبث بصاحبه، حتى يجب المضي في [فاسده] (^٢)، ويكفر ثانيا وثالثا مع فساده، وإذا دخل في الحج المظنون لا يجوز له الخروج بحال، وهذه الأمور لا عهد لنا بشيء منها في العبادات (^٣).
ومأخذ الحنفية وعمدتهم قولهم: إنما لزمه إتمام ما شرع فيه وإن كان في الأصل مخيرا، نظرا إلى ما مضى من العبادة، لا نظرا إلى ما بقي، بل حفظا لما مضى وصيانة له عن الإحباط والإسقاط؛ فإنه لو قطعه بطل عمله، قالوا: وخرج على هذا الصلاة، فإن من شرع في صلاة رباعية جاز له الخروج من اثنتين وفاقا؛ لأنه تعلق لما مضى بما بقي؛ لأن ما أتى به صلاة مستقلة كاملة، حتى يقول (^٤): لا يجوز فيه أن يخرج عن ركعة واحدة؛ لأن الركعة الواحدة ليست صلاة، وقرروا هذا بأن العبادة محترمة، فقطعها تهاون
_________________
(١) في الأصل: فندب، والصواب ما أثبته؛ بدلالة السياق.
(٢) في الأصل: فساده، والصواب ما أثبته.
(٣) الحاوي الكبير (٣/ ٤٦٩، ٤٧٠).
(٤) لعلها: يقال.
[ ١٠٧ ]
واستخفاف، وإخلال بإجلال المعبود كالواحد المعظم منا إذا تشاغل بعض خدمه بخدمته بأن تأبط بغاشيته بين يديه، أو وقف تجاه وجهه مكبا على خدمته، ثم في خلال ذلك أعرض عنه، واشتغل بخدمة غيره، فإنه يعد ذلك في العرف والعادة تهاونا وإزراء (^١).
ونحن نقول: هذا فاسد من وجهين:
أحدهما: لا نسلم أنه أتى بعبادة؛ لأن العبادة البدنية لا بعض لها، وهكذا سائر الأسباب، فإن من أتى بأحد سببي العقد لا يقال: أتى ببعض السبب؛ لأن بعض السبب عدم في اقتضاء الحكم.
* فإن قالوا: فلماذا وجبت عليه الكفارة بالوطء والإفساد؟.
• قلنا: لأنا لا نعتبر في وجوب الكفارة بالوطء وجود العبادة، بل نوجب الكفارة على من لم تنعقد له العبادة، بأن يطلع عليه الفجر وهو مجامع، فاستدام، فهذا قد منع حصول العبادة، وعليه الكفارة، فلا فرق عندنا بين القطع وبين المنع.
الوجه الثاني: نسلم لهم وجود العبادة، ولكن لم لا يجوز قطع العبادة وإبطالها؟، فإن المراد بقوله - تعالى -: ﴿ولا تبطلوا أعملكم﴾ [محمد: ٣٣] الإيمان، أي: لا تحبطوه بالردة؛ فإن الردة هي التي تحبط الأعمال.
* وقولهم: إن قطع العبادة تهاون واستخفاف.
_________________
(١) بدائع الصنائع (١/ ٢٩٠) وما بعدها.
[ ١٠٨ ]
• قلنا: باطل بثلاث مسائل:
إحداها: المسافر إذا شرع في الصوم ثم أفطر، فإن له ذلك وإن كان يعد في العرف تهاونا (^١).
الثانية: مسألة الضيافة، وهي إذا دعا صديقه، واقترح عليه أن يأكل من طعامه، فأفطر، فإن له ذلك مع وجود ما ذكرتموه (^٢).
الثالثة: ما إذا ظن أنه واجب عليه، ثم بان أنه لم يكن واجبا عليه (^٣).
* * *
_________________
(١) ونقل ابن هبيرة الإجماع على أن للمسافر أن يترخص بالفطر ويقضي. ينظر: اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٢٥٠).
(٢) المبسوط (٣/ ٧٠)، والحاوي الكبير (٩/ ٥٦٠).
(٣) المبسوط (٣/ ٨٢).
[ ١٠٩ ]