والقول الثاني: أنه ينفذ على الإطلاق.
ولنا قول ثالث: أنه إن كان موسرا نفذ عتقه، وإن كان معسرا لا ينفذ، وهو أضعف الأقوال (^١).
وقال أبو حنيفة: ينفذ عتقه بكل حال (^٢).
ومأخذ النظر فيها ما قدمناه في المسائل السالفة، وهو أن حكم الرهن عندنا: تعلق الدين بالعين؛ حتى يصير المرتهن أحق ببيعها، وإذا تعلق حقه بالعين فالعتق يلاقي العين فيمتنع، وحكمه عندهم إثبات يد المرتهن مع خلو العين من حق الغير، وقد سبق تقرير المأخذين (^٣).
* * *
[٦٩] * مسألة (^٤):
تخليل الخمر حرام، والخل الحاصل منه نجس محرم عندنا (^٥).
_________________
(١) الحاوي الكبير (٦/ ٢٥٥)، ونهاية المحتاج (٤/ ٢٦٠، ٢٦١).
(٢) بدائع الصنائع (٦/ ١٧١)، وحاشية ابن عابدين (٦/ ٥٠٩).
(٣) ص: (١٦٣) من هذا البحث.
(٤) إيراد هذه المسألة مع مسائل الرهن عند الشافعية في سياق ذكر تحول المرهون، من الحل إلى الحرمة أو العكس، ومن ذلك الخمر إذا حللت.
(٥) الحاوي الكبير (٦/ ١١٢)، والمجموع (٢/ ٥٧٦، ٥٧٧).
[ ١٦٨ ]
وقال أبو حنيفة ﵀: هو مباح، والخل الحاصل [منه] (^١) طاهر حلال (^٢).
وللمسألة صورتان:
إحداهما: الخمر المحترمة، [وهي] (^٣) خمور الخلالين التي طرحت لتكون خلا، فهذه لا تجب إراقتها، ولا يحتسب عليهم فيها.
الثانية: الخمور التي ليست محترمة، وهي خمور المواخير التي اتخذت لتكون خمرا، فهذه يجب إراقتها حسبة، [وكلا] (^٤) الخمرين لا يجوز تخليلهما، وإن خللت لا تطهر (^٥).
وقال أبو حنيفة: تخليل الخمر جائز بكل حال، وزاد فقال: هو مندوب إليه، محثوث عليه.
وقد بني الشافعي ﵀ هذه المسألة على أصله في إزالة النجاسة؛ لأنه يرى أن المحل إذا تنجس بملاقاة النجاسة صار نجسا متغيرا، فلا يطهر إلا بالماء، ولهذا قال بأن النجاسة إذا وقعت على الأجرام الصقيلة كالمرآة والسيف فلا تطهر بالخل وماء الورد، وإن كنا نتحقق زوال النجاسة (^٦).
_________________
(١) في الأصل: من، والصواب ما أثبته.
(٢) المبسوط (٢٢/¬٢٤)، وبدائع الصنائع (٥/ ١١٣، ١١٤).
(٣) في الأصل: وهو، والصواب ما أثبته.
(٤) في الأصل: وكل، والصواب ما أثبته.
(٥) المجموع (٢/ ٥٧٦، ٥٧٧).
(٦) الحاوي الكبير (٦/ ١١٣، ١١٤).
[ ١٦٩ ]
وبنى أبو حنيفة مذهبه على أن الحكم متى ثبت لعلة زال بزوالها، وهذا أصل كلي متفق عليه، فزعم أن الحكم كان ثابتا بالشدة المطربة، والشدة قد زالت (^١).
ونحن نسلم لهم أن الحكم متى ثبت لعلة زال بزوالها، وهم يسلمون - أيضا - أن العلة إذا أخلفها علة أخرى اقتضت بقاء الحكم، ونحن نقول هاهنا قد زالت الشدة المطربة، لكن يخلفها نجاسة الملح الواقع في الخل، والحكم المعلق بالشدة قد ارتفع وزال، فإن ذلك الحكم مخالف لهذا، من حيث إن تلك توجب الحد بشربها، ويكفر مستحلها، ويفسق شاربها، وهذه الأحكام قد زالت بأسرها، وإنما أثبتنا أحكام نجاسة الملح، فإن قالوا: إذا زالت جميع الأحكام؛ فينبغي أن تزول النجاسة - أيضا ـ، قلنا: هذا الآن جمع في محل فرق صاحب الشرع، فإنه قال في الدباغ: «هلا أخذوا إهابها، فدبغوه فانتفعوا به؟» (^٢)، وفي تخليل الخمر نهى عنه وزجر، وأمر بإراقتها (^٣)، فظهر الفرق بينهما (^٤).
* * *
_________________
(١) المبسوط (٢٣/¬٢٤).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة في سننه من حديث ابن عباس ﵄ في كتاب اللباس باب لبس جلود الميتة إذا دبغت برقم: (٣٦١٠)، وبنحوه عند مسلم في صحيحه، في كتاب اللباس، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ برقم: (٨٣٥).
(٣) يشير المؤلف ﵀ إلى حديث أنس بن مالك ﵁ أن أبا طلحة ﵁ سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا، قال: «أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلا؟ قال: لا»، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأشربة، باب ما جاء في الخمر تخلل، برقم: (٣٦٧٥)، وأصله عند مسلم في صحيحه مختصرا، كتاب الأشربة، باب تحريم تخليل الخمر، رقم: (١٩٨٣).
(٤) الحاوي الكبير (٦/ ١١٤، ١١٥).
[ ١٧٠ ]