ومعنى الوجوب هاهنا استحقاق الأخذ من ماله، على وزان قولنا: الديون واجبة عليه.
ومأخذ النظر فيها ترجيح معنى على معنى، مع اتفاق الإمامين على اشتمال الزكاة على المعنيين، أعني معنى العبادة ومعنى المواساة؛ فإن الخصم يقول: الزكاة عبادة محضة؛ فإنها ابتلاء وامتحان للشخص بنقص ملكه، وذلك أمر شاق على النفوس، قال: وإذا كانت الزكاة ابتلاء، فالصبي ليس أهلا للابتلاء، ولا محلا له (^٣).
والشافعي يقول: الزكاة جارية مجرى النفقات؛ فإن المقصود الأظهر، والغرض الأبين الأشهر منها سد الخلات؛ فإن الفقراء عالة (^٤) الأغنياء،
_________________
(١) الحاوي الكبير (٣/ ١٥٢)، ونهاية المحتاج (٣/ ١٢٨).
(٢) المبسوط (٢/ ١٦٢)، وبدائع الصنائع (٢/¬٤، ٥).
(٣) بدائع الصنائع (٢/¬٤).
(٤) جاء في حاشية المخطوط: «العالة شبه الظلة يستتر بها من المطر، مجمل»، وقوله: «مجمل» =
[ ٨٩ ]
فأحال قوما على قوم؛ حتى لا يضيع شطر الخلق ومعظمهم، وشبه المواساة بقرابة الإسلام بالمواساة لحقيقة القرابة، والصبي أهل للإنفاق على قريبه، وما فيها من معنى الابتلاء، وهو: ما قرن بالزكاة من عظيم الثواب، وبتركها من عظيم العقاب، إنما كان حثا لأرباب الأموال على إخراج الزكاة؛ فإن النفوس مجبولة على الشح والضنة، والتهالك إلى الفلس والحبة، فكان ما في الزكاة من الابتلاء تحقيقا لهذا الغرض (^١).
وما ذكره أبو حنيفة من معنى الابتلاء فهو حاصل في العبادات كلها، وإنما خصيصة الزكاة ما ذكرناه، والابتلاء فيه تابع للغرض الذي ذكرناه.
[٢١] مسألة: