وقال أبو حنيفة: يصح (^٤).
والمسألة مشكلة، ولها صور:
إحداها هذه، وهو أن يبيع مد عجوة قيمته درهمان، ودرهمين بمدي عجوة قيمتهما درهمان.
والمأخذ المشهور من جانبنا: قول الأصحاب: مقتضى عود المعاوضات
_________________
(١) بدائع الصنائع (٥/ ١٨٨).
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ١٣٣).
(٣) الحاوي الكبير (٥/ ١١٣)، وتحفة المحتاج (٤/ ٢٧٧).
(٤) المبسوط (١٢/ ١٨٩)، وبدائع الصنائع (٥/ ١٩١).
[ ١٣٤ ]
عند الشافعي ﵀ توزيع أجزاء أحد العوضين على أجزاء العوض الآخر باعتبار القيمة، فيقع العشر في مقابلة العشر والخمس في مقابلة الخمس، وذلك يفضي إلى التفاضل في الصورة المفروضة نظائرها، بيان ذلك: هو أن القيمة المال الذي مع الدراهم إذا كان درهمين، فيصير مع الدرهم الذي معه ثلاثة دراهم، فتقول: الدرهم هو ثلث ما في هذا الجانب، فإذا وزعنا على الجانب الآخر قلنا: هذا الثلث يقابله من المدين ثلثهما وهو ثلثا مد، فيبقى مد وثلث في مقابلة مدين، فهذا محض الربا وعين التفاضل، فيبطل العقد (^١).
ومستند الأصحاب في مصيرهم إلى هذا التعسف: مسألة نص عليها الشافعي في المختصر، فقال: لو اشترى شقصا (^٢) وسيفا بألف، قيمة الشقص ألفان، وقيمة السيف ألف، ثم إن الشفيع أراد أن يأخذ بالشفعة، فإنه لا يأخذ الشقص والشيف جميعا؛ لأن السيف لا يستحق بالشفعة؛ إذ هو من قبيل المنقولات، وإنما يأخذ الشقص، فلا بد من توزيع، فيوزع قدر القيمة، وقيمة الشقص ثلثا ألف، وقيمة السيف الثلث الآخر، فيأخذ الشقص بقدر قيمته، ومعلوم أن الشفيع يبنى ولا يبتدى، فلولا أن عقد المشتري اقتضى ذلك، وإلا لما وزع.
وهذا المأخذ - مع اشتهاره - بعيد عن المألوف، بل الذي يقتضيه وضع العقود والبياعات مقابلة الجملة بالجملة مع الإبهام والإشاعة، من غير إقرار مقدار بتعيين ما يقابله على الخصوص، بل مقصود العاقد أن تكون الصفقة
_________________
(١) الحاوي الكبير (٥/ ١١٤ - ١١٥)، وانظر: البرهان في أصول الفقه (٢/ ١١٧).
(٢) الشقص: القطعة من الأرض، والطائفة من الشيء. ينظر: لسان العرب (٧/¬٤٨).
[ ١٣٥ ]
رابحة، فلا تخرج خاسرة، وإذا لم يكن عليه غبينة، وحصل مقصوده وغرضه من خروج صفقته رابحة، فهو لا يبالي بعد ذلك بالتوزيع، ولا يلتفت إليها، وأما المسألة التي ذكرها الشافعي فلم يمكن التوزيع فيها؛ لأنه مقتضى العقد، وإنما نشأ ذلك من ضرورة الحاجة إلى أخذ الشقص بالشفعة، فهو سبب قد سنح، وحاجة قد عرضت، وصار هذا بمثابة جماعة ورثوا دارا، فإنها تكون بينهم على سبيل الإبهام والإشاعة، فلو طلبوا القسمة قسمناها، وخص كل واحد بصفة أو غرفة، فإنه لا يقول قائل: هذا مقتضى الموت؛ لأن الموت اقتضى دخول الدار جملة في ملكهم، وإنما نشأ هذا من ضرورة القسمة، كذلك هذا.
وما يقدره أبو حنيفة ﵀ من صرف الجنس إلى خلافه، حتى يقابل كل شيء بغير جنسه؛ ليصح العقد، فتحكم - أيضا - لا يقضي العقل به، ولا تنبئ الصيغة عنه.
وإذا لم يكن إلى ما ذكره الأصحاب من اعتبار التوزيع سبيل، ولا ما ذكره أبو حنيفة من مقابلة كل شيء بغير جنسه عليه تعويل، فالمأخذ الصحيح أن نقول: الشرع تعبدنا بالمماثلة في هذه المسألة، والجهل بالمماثلة كيقين المفاضلة؛ إذ لا فرق بين ألا نتيقن امتثال الأمر، وبين أن نعلم أنا ما أثبنا به، سيما والباب باب الربا، وهو مما يحتاط للخلاص منه، وصار [بمثابة] (^١) ما لو باع صبرة بصبرة جزافا، فإنه لا يصح العقد وفاقا، ولو خرجتا متساويتين لما جهلنا تماثلهما حالة العقد (^٢).
_________________
(١) في الأصل: «ثمنا به»، والصواب ما أثبته.
(٢) المبسوط (١٢/ ١٩١)، والحاوي الكبير (٥/ ١٠٨).
[ ١٣٦ ]
[٤٨] * مسألة: