وقال أبو حنيفة-﵀: يصح بنية تنشأ نهارا قبل الزوال (^٢).
وساعد في صوم القضاء والنذر المطلق والكفارة أنه لا يصح إلا بنية مبيتة (^٣).
ونحن قد ساعدناهم في صوم التطوع أنه يصح بنية من النهار (^٤) إلا على وجه للمزني (^٥).
_________________
(١) الحاوي الكبير (٣/ ٣٩٧)، وتحفة المحتاج (٣/ ٣٨٨).
(٢) المبسوط (٣/ ٦٢)، وبدائع الصنائع (٢/ ٨٥).
(٣) المبسوط (٣/ ٨٦)، وبدائع الصنائع (٢/ ٨٥).
(٤) المبسوط (٣/ ٨٥)، والحاوي الكبير (٣/ ٤٠٥)، وتحفة المحتاج (٣/ ٣٨٩).
(٥) قال في المجموع: «وشذ عن الأصحاب المزني وأبو يحيى البلخي، فقالا: لا يصح إلا بنية من الليل، وهذا شاذ ضعيف» (٦/ ٢٩٢). والمزني هو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن إسحاق، أبو إبراهيم المزني، ولد سنه (١٧٥ هـ)، من أصحاب الشافعي، وناصر مذهبه، وعنه حدث، وعن نعيم بن حماد وغيرهما. كان زاهدا، عالما، مجتهدا، مناظرا، محجاجا، غواصا على المعاني الدقيقة، قال عنه الشافعي: لو ناظر الشيطان لغلبه، صنف كتبا كثيرة منها: الجامع الكبير، والجامع الصغير، ومختصر المختصر، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب في العلم، وكتاب الوثائق.
[ ٩٦ ]
ومأخذ النظر فيها: أن صوم كل يوم من رمضان عبادة مقصودة من أوله إلى آخره عندنا بنص قوله - تعالى -: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ [البقرة: ١٨٥]، وأن الشهر عبارة عن الزمن الواقع بين الهلالين، غير أن الليالي خصت بدليل، فبقي صيام ما عداها واجبا بحكم الدليل.
وعندهم: أن الإمساك قبل الزوال ليس بعبادة مقصودة؛ لأن العبادة ما شرعت [إلا] (^١) للابتلاء والامتحان؛ ليتميز المطيع عن العاصي، ولا يتحقق ذلك إلا بمفارقة المألوف المشتهى، ونهي النفس عما تحب وتهوى، من تقديم الآجل على العاجل، والإمساك عن الأكل في صدر النهار غير شاق على النفس؛ لانتفاء الداعية، وهذا باطل بحكمين قاطعين:
أحدهما: وجوب الكفارة بالإفطار فيه (^٢).
والثاني: وجوب قضاء جميع اليوم، والقضاء تلو الأداء وخلف عنه.
وقولهم: لا مشقة.
قلنا: المشقة لا تعتبر في كل جزء من أجزاء العبادة، بل في مجموعها؛ فإن من شرع في الصلاة والحج إنما تلحقه المشقة بالتمام والنهاية، لا بكل جزء منها.
_________________
(١) = أخذ عن المرني خلائق من علماء خراسان والعراق والشام، مات بمصر سنة (٢٦٤ هـ). ينظر: طبقات الفقهاء، للشيرازي (١/ ٩٧)، والطبقات للسبكي (٢/ ٩٢ - ٩٥).
(٢) ما بين المعقوفين غير موجود في الأصل. والسياق يقتضي إثباته.
(٣) لمن عجز عن الصيام لكبر أو مرض لا يرجى برؤه.
[ ٩٧ ]