وقال أبو حنيفة ﵀: إذا رأى الماء مع القدرة على استعماله بطلت صلاته (^٢). وهو قول مخرج للشافعي في المستحاضة إذا انقطع دمها في الصلاة (^٣).
ومأخذ النظر في جانبنا عجزه عن استعمال الماء شرعا؛ وهذا لأن العجز ينقسم إلى شرعي وحسي:
فالحسي: مثل أن يخاف التلف من استعمال الماء، أو يحتاج إليه لأجل العطش، أو يحول بينه وبين الماء عدو أو سبع.
والشرعي: مثل أن يكون عنده وديعة، فإنه لا يجوز أن يستعمله، أو يباع بزيادة على ثمن المثل، فإنه لا يجب شراؤه، وإذا ثبت هذا، فقد سلك الأصحاب في بيان العجز الشرعي طريقين:
عدم بطلانها، فلا يجوز الانصراف عنها، قال - ﷺ: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها» (^٤)، وإذا لم يوجب عليه الشراء لإفضائه إلى خسارة
_________________
(١) الحاوي الكبير (١/ ٢٥٢)، والوسيط (١/ ٣٨٢).
(٢) المبسوط (١/ ١١٠)، وبدائع الصنائع (١/ ٥٧). إلا أنه في البدائع قيد انتقاض التيمم بوجود الماء قبل التشهد الأخير.
(٣) الوسيط (١/ ٣٨٢).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عائشة ﵂، كتاب الصلاة، باب باب فضل ركعتي الفجر رقم (١٧٢١).
[ ٧٧ ]
حبه احتراما لماله، فلأن يحافظ على حرمة صلاته لئلا تبطل عبادته أولى، وهذا على أصلهم ألزم، من حيث إن الشروع في التطوع يلزم.
الثاني: أن التيمم لا يبطل بصورة رؤية الماء، فإنه لو رآه، وكان عاجزا عن استعماله، لا تبطل إجماعا (^١)، وإنما تبطل بالقدرة على استعماله، وإذا كان البطلان يقف على القدرة على استعمال الماء، والقدرة لا تتحقق إلا بإبطال الصلاة، فيؤدي إلى إيقاف الشيء على نفسه، وذلك دور لا يتحقق فيه الإبطال في شيء.
ومأخذ الخصم: أن الصلاة موقوفة ليست كالمفروغ منها، فإن رأى الماء بطلت، وإن لم يره استمر؛ وهذا لأن التيمم طهارة ضرورة، وقد زالت الضرورة، فصار كما لو انقطع دم المستحاضة، وانقضت مدة المسح، أو تخرق الخف (^٢).
وهذا فاسد؛ فإن الأمة مجمعة على الجزم بصحة الصلاة، ورؤية الماء في حكم المبطل عند قوم (^٣)
_________________
(١) لأنه يجوز له التيمم ولو كان واجدا الماء إذا خاف من استعماله، وقد حكى ابن هبيرة الإجماع على ذلك. ينظر: اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٦١).
(٢) بدائع الصنائع (١/ ٥٨).
(٣) ينظر التعليق والمرجع في الهامش قبل السابق.
[ ٧٨ ]