﷽
رب يسر
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على خير خلقه محمد، وآله أجمعين.
وبعد:
فإن خير ما استغل المرء أيامه، وناط به خواطره وأفهامه؛ نشر علم درجت رعاته، وماتت رواته، كعلم النظر المكتسب بالخلاف، فإن موضوعه تقرير الدلائل الفروعية، والقواعد المذهبية المستندة إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، قال الله ﷿: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]، يعني إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولما رأيت جماعة من أهل خراسان وما وراء النهر في زماننا هذا عدلوا فيه عن المنهج، واعتمدوا على الطريق الأعوج، واشتغلوا بالتحريرات المرجوحة، والأقيسة المجهولة المنمقة، من غير أن يقفوا على مآخذ المسائل وحقائقها، وغوامض أسرار الشريعة ودقائقها، وقصدوا لدراستها، وحثوا المتفقه على حفظها وحراستها، وتركوا الاشتغال بمعاني كلام الله وسنة رسوله ﷺ، والتفقه في دينه وراء ظهورهم، فأحالوا حقيقة هذا العلم بإدخالهم فيه ما ليس منه، فسلخوه بل فسخوه، فهم كما قال الشعبي (^١): «أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فضلوا
_________________
(١) هو أبو عمرو، عامر بن شراحيل، وقيل: عبد الله بن عبد ذي كبار الشعبي الحميري، تابعي، =
[ ٥٧ ]
وأضلوا» (^١)، فرأيت حينئذ الحمية للدين أصل كل منقبة، وأم كل فضيلة، فاستخرت الله ﷿[في] (^٢) إحياء علم خمدت ناره، وطمس مناره، فألفت فيه كتبا حاوية [لقواعده] (^٣)، جامعة لشوارده، ككتاب تخريج الفروع على الأصول، الذي أودعته أسرار الشريعة وجوامعها، وطوائف الحكم ولوامعها (^٤)، وتعليقي الموسوم بدرر الغرر ونتائج الفكر (^٥)، منبها فيه على مآخذ المسائل، ومتون الدلائل، وكان من قبل قد أوضحت في كتابي الموسوم بتفسير الوصول إلى علم الجدل والأصول (^٦) مصطلح أئمة الهدى ومصابيح
_________________
(١) = جليل القدر، وافر العلم، ولد في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ سنة (١٩ هـ)، أدرك جماعة من الصحابة، وروى عن بعضهم، وهو من رجال الحديث الثقات، يضرب المثل بحفظه، يقول عن نفسه: ما كتبت بيضاء في سوداء، ولا حدثني رجل بحديث إلا حفظته، وكان فقيها وشاعرا. وكان ضئيلا نحيفا، ولما سئل عن ذلك قال: زوحمت في الرحم، وكان أحد توأمين، توفي
(٢) هذا الأثر لعمر بن الخطاب ﵁، أخرجه عنه الدارقطني في سننه في باب النوادر برقم: (٤٣٢٥)، ولعل المؤلف وهم عندما نسبه للشعبي، فهو أحد رواته.
(٣) في الأصل من. والسياق يقتضي ما أثبته.
(٤) في الأصل غير واضحة. ولعلها ما أثبته.
(٥) والمراد أمارات الشريعة، وعلامات أحكامها.
(٦) تعليق للمؤلف، أشار إليه - أيضا - في المسألة الثانية من مسائل الحدود، كما أشار إليه في موضعين من كتابه «تخريج الفروع على الأصول»، وهذا يدل على أن هذا التعليق سابق لـ «نهاية الإقدام» و«تخريج الفروع»، وفيما يظهر أنه لا يزال مفقودا. ويظهر من كلامه هذا أنه في علم الخلاف والمآخذ.
(٧) كتاب للمؤلف، ولا يزال مفقودا فيما يظهر، وهو من خلال كلامه في التأصيل لعلم الجدل والخلاف.
[ ٥٨ ]
الدجى في قواعد هذا العلم، ثم التمس مني جماعة في [هذه] (^١) الأيام من المشعوفين بتحقيق هذا العلم تحرير كتاب حاو لمآخذ المسائل الخلافية، والقواعد المذهبية، فألفت هذا الكتاب؛ متحريا فيه للصواب، وقررت فيه مآخذ كل فريق بما هو غاية كلامهم، ومنتهى مرامهم، ثم ثبت رجحان نظر الشارع في كل مسألة، وشرحت وأوضحت، ولم آل جهدا فيما رجوت أن أقرب إلى الأفهام، واعتقدت أنه أذهب للإيهام، ووسمته بـ (نهاية الإقدام في مآخذ الأحكام)، وجعلته ذخيرة لولد ينشأ في الصغر عليه، ويرجع في الكبر إليه، فمن تدبر ما استودعته هذا الكتاب، وتفهم ما استرعيته؛ تمكن من نظم الأدلة المبنية من الجانبين، والاعتراضات الرائقة المكينة من الطرفين، أغناه عن حفظ المجلدات الثقيلة، والتعاليق [] (^٢) الطويلة، كل ذلك على سبيل الإيجاز والاختصار، دون الإملال والإكثار. وأقول - وبالله التوفيق.
_________________
(١) في الأصل: هذا. ولعل الصواب ما أثبته.
(٢) كلمة غير واضحة في الأصل، ولعلها: المنمقة.
[ ٥٩ ]