[١] مسألة:
موارد النجاسات لا تطهر إلا بالماء المطلق (^١) عند الشافعي ﵀ (^٢). وقال أبو حنيفة ﵀: تطهر بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر (^٣). وللمسألة ثلاثة مآخذ:
أحدها: أن الأحكام عندنا ليست أوصافا للمحال، وأن معناها تعلق خطاب الشرع بأفعال المكلفين، ولا حكم قبل الشرع، ولا حسن ولا قبح، وليس للعقل مجال في ذلك، والطهارة والنجاسة ليست من صفات الأعيان المنسوبة إليها؛ حتى لا تتغير ولا تتبدل، بل نقول: إن النجس إذا لاقي محلا طاهرا، صار المحل الطاهر نجسا حكما (^٤).
والخصم يدعي أن الطاهر لا يصير نجسا أصلا؛ فإن الأعيان لا تنقلب، [وإنما] (^٥) إذا جاور النجس الطاهر؛ اجتنبت الجميع بطريق المجاورة، كما
_________________
(١) الماء المطلق: هو الذي بقي على أصل خلقته، ولم تخالطه نجاسة، ولم يغلب عليه شيء طاهر. ينظر: التعريفات (١٩٥).
(٢) الحاوي الكبير (١/¬٤٣، ٤٤)، ونهاية المحتاج (١/ ٦٣).
(٣) بدائع الصنائع (١/ ٦٤)، وحاش ية ابن عابدين (١/ ٣٠٩).
(٤) المستصفى (١/ ٣٢١).
(٥) في الأصل: فإنما، ولعل الصحيح ما أثبته.
[ ٦٠ ]
لو اختلطت أخته بأجنبيات، أو ميتة بمذكاة، والخل مزيل للمجاور كالماء، قالوا: والذي يدل على أن الماء عينه لا يتنجس؛ أنه يعود بالمكاثرة طاهرا، ويزول التعيين عن مبلغ القلتين (^١)، ولو تنجس عينه لاستحال عوده طهورا (^٢).
واعلم أن بناء الحكم على هذا المأخذ باطل من وجهين:
أحدهما: قوله ﵇: «خلق الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو ريحه» (^٣)، فإنه نص صريح في أن ورود النجاسة على الطاهر تنجسه، ودعوى المجاز لا وجه له؛ فإن الكلام لحقيقته إلى أن يقوم دليل المجاز (^٤).
الثاني: اتفاقنا على أن الجنب إذا انغمس في ماء قليل فيه نجاسة لا ترتفع جنابته، وقد جرى على بدنه ماء طاهر طهور بزعمكم، فما معنى قولنا: إن الماء النجس لا يرفع الجنابة؛ إذ الماء النجس قط لا يتصور على
_________________
(١) مثنى قلة، والقلة: حب عظيم، وهي معروفة بالحجاز والشام، وتأخذ القلة مزادة كبيرة وتملأ الراوية قلتين، وسميت قلالا؛ لأنها تقل أي: ترفع إذا ملئت، وقدر الشافعي القلتين بخمس قرب، وأصحابه بخمسمائة رطل. ينظر: المغرب في ترتيب المعرب (٣٩٣).
(٢) بدائع الصنائع (١/ ٧٥، ٧٦).
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه عن ثوبان ﵁ بلفظ: «الماء طهور؛ إلا ما غلب على ريحه أو على طعمه» كتاب الطهارة، باب الماء المتغير رقم: (٤٥)، قال ابن الجوزي: هذا لا يصح. ينظر: التحقيق في مسائل الخلاف (١/¬٤٠). وأما صدره فعند الأربعة إلا ابن ماجة، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ بلفظ: «الماء طهور لا ينجسه شيء». فعند أبي داود في كتاب الطهارة، باب ما جاء في بئر بضاعة، برقم: (٦٦)، وعند النسائي في كتاب المياه، باب ذكر بئر بضاعة، برقم: (٣٢٦)، وعند الترمذي في أبواب الطهارة، باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء، برقم: (٦٦)، وحسنه الترمذي.
(٤) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي (٢/¬٤٠).
[ ٦١ ]
هذا التقدير، وإنما يتصور ماء طاهر طهور في جواره جزء من النجاسة، وهذا الجزء عنه.
* المأخذ الثاني: أن طهورية الماء عند الشافعي ثبتت رخصة، من حيث إن الماء القليل ينجس بملاقاة النجاسة وفاقا (^١)، وإنما الشرع جعله طهورا ضرورة دفع العسر والحرج، ويدل على ذلك نجاسة المنفصل، مع كونه جزءا من المتصل، وهم يزعمون أنها ثبتت عزيمة؛ فإن معنى الطهارة عندهم الإزالة، والخل شريك الماء في ذلك، وقد دللنا على بطلانه.
* المأخذ الثالث: مراعاة الشافعي لمعنى التعبد في إزالة النجاسة، وإعراض أبي حنيفة عن القيود التعبدية فيها، وإلحاقه غير الماء بالماء، لكن لا بطريق القياس، بل لفوات محل الأمر على ما سيأتي، وإنما ينكشف ذلك بتقسيم جامع، وذلك أن القضايا الشرعية ثلاثة أقسام:
قسم: ظهر فيه وجه المصلحة، إما على قرب أو على بعد، كشرع [المعاملات] (^٢) والمناكحات، فإنها لو لم تشرع أدى إلى فساد أمر المعيشة وقطع النسل، وكشرع القصاص الذي لو لم يشرع أدى إلى فناء جنس الإنس.
وقسم تعبدي: ابتلاء لا يلوح منه معنى أصلا، وإن كان في ظنه مصالح
_________________
(١) إذا غيرت النجاسة طعما، أو لونا، أو ريحا، فقد وقع الإجماع على أنه نجس، كثيرا كان الماء أو قليلا، أما إذا لم يتغير شيء من ذلك ولو كان قليلا، ففي نجاسته خلاف بين العلماء. ينظر: الأوسط لابن المنذر (١/ ٢٦٠).
(٢) في الأصل: العلامات، والصواب ما أثبته.
[ ٦٢ ]
خفيت عنا، كالتعبدات المحضة، نحو: تقدير نصب الزكوات، وعدد الركعات، ولا نقول في هذا القسم: إنه لو لم يشرع أدى إلى فساد أمور العباد.
وقسم ثالث: فهم منه خيال مصلحة كلية، شرع لإحياء مراسم العبادة، والحث على مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، مع انطوائه على شروط شرعية، وضوابط تعبدية؛ لا بد من مراعاتها، كشرع الغسل والوضوء، فإنه فهم منه فهما كليا قصد الوضاءة والنظافة، مع اقترانه بتعبد الشرع بإمرار ماء طاهر على محل طاهر، فإنه جعل للماء صفة الطهورية تعلق (^١)، وجعله رافعا لصفة الحدث، ولا صفة الحدث تعلق، ولا صفة الطهورية تعلق، [فألحق] (^٢) الشافعي إزالة النجاسة بهذا القبيل، وقال: قد فهمنا على الجملة من الأمر بإزالة الأنجاس رفع القذارة وإزالة الوسخ، لكن لا بد من مراعاة معنى التعبد فيها، كما فهمنا قصد سد الخلات، ودفع الحاجات من باب التعبدات والزكوات، ثم مع هذا راعينا ضابط الشرع، حتى لو ضحى مكان الشاة بخمسين خروفا لا يجزئ، وإن كنا نعلم أنها أكثر من الشاة (^٣).
وأبو حنيفة ﵀ جرد النظر إلى المعنى، وادعى أنه بعد استعمال الخل فات الأمر بالطهارة؛ لفوات محله، ضرورة أن الأمر لا بد وأن يتعلق بمأمور، فإذا زال محل الأمر بالخل، لم يبق ما يتناوله الأمر، وصار بمثابة قوله: اغسل يدك، فإنها إذا قطعت أو سقطت زال الأمر بغسلها، كذلك هاهنا، أو تقول: الحكم إذا ثبت لعلة، زال بزوالها.
_________________
(١) لعل كلمة: تعلق. زائد هنا.
(٢) في الأصل: ملحق. والسياق يقتضي ما أثبته.
(٣) البرهان للجويني (٢/ ٧٩، ٨٠).
[ ٦٣ ]