من الصيغة، وقوله - تعالى -: ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه﴾ [آل عمران: ٩٧] لم يدل بفحواه ومبناه على أكثر من إيجاد الفعل.
وقال أبو حنيفة: الحج على الفور (^١).
ونقلوا عن أبي حنيفة أنه قال: كل ما لم تجدوا لي فيه نصا، فمذهبي فيه مذهب أبي يوسف.
وقد تأيد مذهب الشافعي بالتوقيف؛ إذ قد صح أن فريضة الحج نزلت سنة خمس من الهجرة (^٢)، ثم أخره ﷺ إلى سنة عشر، وكان مقيما بالمدينة لا مجاهدا، ولا مصدودا، ولا مشغولا بشيء يشغله عن الحج.
* * *
[٣٦] * مسألة:
الصرور وهو: الذي لم يحج عن نفسه (^٣)، إذا نوى الحج عن غيره، أو نوى النفل أو النذر؛ فإنه ينصرف إلى حجة الإسلام التي عليه (^٤).
وقال أبو حنيفة ﵀: يصح كل حج يؤديه على ما نواه، إلا أن يطلق
_________________
(١) المبسوط (٤/ ١٦٣)، وبدائع الصنائع (٢/ ١١٩، ١٢٠).
(٢) في أحد الأقوال، وقيل: سنة ست، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وقيل غير ذلك، ورجح بعض العلماء أنه سنة تسع. ينظر: المختصر الكبير في سيرة الرسول ﷺ ص: (٦٤).
(٣) كما يطلق على من لم يتزوج. ينظر: طلبة الطلبة (٣٧)، والزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص: (١٢٧).
(٤) الحاوي الكبير (٤/¬٢٠ - ٢٣)، والمجموع (٧/ ١١٧، ١١٨).
[ ١١٣ ]
النية، فإنه ينصرف إلى حجة الإسلام عنه (^١).
والمسألة من جانبنا خبرية، والاعتماد فيها على الحديث الصحيح والنص الصريح الذي لا تأويل فيه، وهو ما رواه الحسن بن ذكوان (^٢)، عن عمرو بن دينار (^٣)، عن عطاء (^٤)، عن طاووس (^٥) عن ابن عباس، عن
_________________
(١) المبسوط (٤/ ١٥١)، وبدائع الصنائع (٢/ ٢١٣).
(٢) هو الحسن بن ذكوان، أبو سلمة البصري، روى عن عطاء بن أبي رباح، وعبادة بن نسي، وأبي إسحاق السبيعي، وطاووس، والحسن، وابن سيرين، وأبي رجاء العطاردي، وجماعة، وعنه ابن المبارك، ويحيى القطان، وصفوان بن عيسى، ومحمد بن راشد، والسكن بن إسماعيل البرجمي، وغيرهم، قال ابن معين وأبو حاتم: ضعيف، وقال الساجي: إنما ضعف لمذهبه، وفي حديثه بعض المناكير، وكان قدريا، وقال ابن أبي الدنيا: كان يحيى يحدث عنه، وليس عندي بالقوي. ينظر: التاريخ الكبير (٢/ ٢٩٣)، وتهذيب التهذيب (٢/ ٢٧٦، ٢٧٧).
(٣) هو عمرو بن دينار الجمحي مولاهم، أبو محمد المكي الأثرم، الحافظ الإمام عالم الحرم، ولد سنة (٤٦ هـ)، وسمع ابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله وبجالة بن عبدة وأنس بن مالك وأبا الشعثاء وطاوسا وغيرهم، وحدث عنه شعبة وابن جريج والحمادان والسفيانان وخلق سواهم، قال شعبة ما رأيت أحدا أثبت في الحديث من عمرو. وقال ابن عيينة: ما كان عندنا أحد أفقه ولا أعلم ولا أحفظ من عمرو بن دينار. عاش ثمانين سنة، وتوفي في أول سنة (١٢٦ هـ). ينظر: التاريخ الكبير (٦/ ٣٢٨)، وتذكرة الحفاظ (١/ ٨٥، ٨٦).
(٤) هو عطاء بن أبي رباح، أبو محمد، مولى آل أبي خثيم القرشي الفهري المكي، سمع أبا هريرة، وابن عباس، وأبا سعيد، وجابر، وابن عمر ﵃، روى عنه عمرو بن دينار، وقيس بن سعد، وحبيب بن أبي ثابت، قال عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان: أخبرني أبي، أذكرهم في زمان بني أمية صائحا يصيح: ألا لا يفتي الناس إلا عطاء، فإن لم يكن عطاء، فابن أبي نجيح، وقال أبو جعفر محمد بن علي بن حسين: ما بقي أحد أعلم بمناسك الحج من عطاء بن أبي رباح. مات سنة أربع عشرة ومائة وقيل: خمس عشرة ومائة. ينظر: الطبقات الكبرى (٢/ ٢٨٧)، والتاريخ الكبير (٦/ ٤٦٣، ٤٦٤).
(٥) كرر في الأصل هنا عبارة: «ما رواه الحسن بن ذكوان».
[ ١١٤ ]
النبي ﷺ أنه سمع رجلا يلبي عن شبرمة، فقال: «ويحك من شبرمة؟»، فذكر صديقا له، فقال: «أو حججت عن نفسك؟»، فقال: لا، فقال: «هذه عن نفسك، ثم حج [عن] (^١) شبرمة» (^٢).
والقياس مع أبي حنيفة، فإنه يقول: الحج عندي (^٣) لم يجب على التراخي، فإنه لم يتعين له زمان، وعندي وإن كان على الفور غير أن الزمان لم يتعين له، فإن هذه العبادة مقدرة بالفعل لا بالزمان، فجاز أن يوقع في ذلك الزمان غيرها كالصلاة، فإنه يصح أن يوقع في وقت الفرض النفل (^٤).
* * *
_________________
(١) = وطاووس هو طاووس بن كيسان الهمداني اليماني الخولاني، أبو عبد الرحمن، من أبناء الفرس، قال هشام بن يوسف عن ابن عبد الله بن طاووس: نحن من فارس، ليس لأحد علينا عقد ولاء، إلا أن كيسان نكح امرأة لآل الحميري، فهي أم طاووس. قيل لعبد الرزاق: ولد طاووس يدعون أنهم من الأبناء، فعجب من ذلك، وقال: لا، هم موالي همدان. مات طاووس سنة (١٠٦ هـ). ينظر: التاريخ الكبير (٤/ ٣٦٥)، وتهذيب التهذيب (٥/¬٨، ٩).
(٢) ساقطة من الأصل.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، برقم: (١٨١١)، وابن ماجة، كتاب المناسك، باب الحج عن الميت، برقم: (٢٩٠٣). وصححه الألباني. إرواء الغليل (٤/ ١٧١).
(٤) في الأصل: عند.
(٥) المبسوط (٤/ ١٥١).
[ ١١٥ ]