في بيع جوزة بجوزتين، وبطيخة ببطيختين، إلى نظائره.
* * *
[٤٣] * مسألة:
[علة الربا] (^١) في النقدين جوهرية الأثمان عندنا، ولا نقول: الثمنية كما قال الجمهور؛ فإن الربا يجري في الحلي، وكل موضوع من الذهب والفضة، وليس ذلك بثمن، وهذه علة قاصرة على النقدين (^٢).
وقال أبو حنيفة ﵀: العلة فيهما الوزن مع الجنس، فيتعدى التحريم إلى كل موزون بيع بجنسه متفاضلا، أو نسيئا متساويا، كالحديد والرصاص والنحاس (^٣).
ومأخذ النظر فيها: أن الحكم في محل النص يثبت عند الشافعي بالنص، لا بالعلة المستنبطة من النص، فجاز أن تكون العلة مقصورة على محل النص (^٤).
وعند أبي حنيفة ﵀ يثبت بالعلة لا بالنص (^٥).
وهذه مسألة أصولية: وهو الكلام في إثبات أصل العلة القاصرة وصحتها (^٦)، فنحن جعلنا المقصود علما، وقلنا: المقصود من هذين
_________________
(١) ما بين المعكوفين ساقط من الأصل.
(٢) الحاوي الكبير (٥/ ٩١ - ٩٢)، وتحفة المحتاج (٤/ ٢٧٩).
(٣) بدائع الصنائع (٥/ ١٨٣).
(٤) الحاوي الكبير (٥/ ٩٢).
(٥) المبسوط (١٢/ ١١٦).
(٦) العلة القاصرة إذا كانت منصوصا أو مجمعا عليها فمتفق على صحتها، وأما إذا كانت مستنبطة=
[ ١٢٨ ]
الجوهرين الثمنية، وهذا يشير إلى مناسبته، فإن الثمنية وصف شرف، حيث إن به قوام المعاش، وهو قيم الأشياء، وناهيك بهذا شرفا وعلو قدر، فجاز أن يكون علما على الحكم.
والخصم يقول: التعليل بالثمنية باطل؛ فإنها علة قاصرة، والعلة القاصرة باطلة، ومعنى بطلانها أنها لا تفيد حكمها أصلا، لا في محل النص، ولا في غير محل النص، أما في محل النص فالحكم ثابت بالنص لا بالعلة، وفي غير محل النص لا يثبت حكما أصلا؛ فإنها لا تتعدى، فإذا لم تفد حكما أصلا كانت باطلة (^١).
* والجواب عن هذا:
أن نقول: ينبغي أن يفهم معنى قولنا: الحكم في محل النص يثبت بالنص، فإن المعني به أن النص هو المعرف لثبوت الحكم، وهذا لأن معرفة الحكم بالنص سبق معرفة العلة؛ فإن بعد النص يقع البحث والاستنباط للعلة، وإلا فالحكم عند الله ثابت بالحكمة والمناسبة، فقلنا: أصل ثبوت الحكم بالنص، وهو مقطوع به، والعلة هي السبب الداعي إلى إثباته، والمصلحة التي اقتضت شرعه، فقد صار النص والعلة لهما فائدتان، النص يثبت الحكم،
_________________
(١) = كما في صورة المسألة - فقد وقع الخلاف في صحتها على قولين: الأول: صحتها واعتبارها، وهذا قول جمهور الفقهاء والأصوليين، وهو قول الشافعي. الثاني: فسادها وعدم صحتها، وهذا قول أبي حنيفة، وعامة المتأخرين من أصحابه. ينظر: كشف الأسرار (٣/ ٣١٥ - ٣١٦)، والإحكام للآمدي (٣/ ٢١٦).
(٢) المصادر السابقة.
[ ١٢٩ ]
والعلة داعية الثبوت، وصار [كما قلنا في القطع في السرقة، فإنه علم بنص الكتاب ثبوته] (^١)، ثم قلنا: الردع والزجر هو الحكمة الداعية إلى شرع هذا الحكم، وأن الله حكم بما حكم لهذه المصلحة، وكذلك القول في القصاص وغيره من الأحكام، فتعدى تلك العلة إلى غير محل النص، ولولا هذا لانسد باب القياس بالكلية؛ فإن القياس إنما يتحقق بثبوت العلة في المحل المنصوص، وتعديتها إلى محل آخر، ثم نقول: لو كانت العلة هي الوزن - وقد جرت في الحديد وسائر الموزونات - لكان ينبغي ألا يجوز إسلام الدراهم والدنانير في الحديد وسائر الموزونات؛ لأن الدراهم مع الحديد قد اجتمعا في علة الوزن؛ لأن كل عينين جمعتهما علة واحدة من علل ربا الفضل لا يجوز إسلام أحدهما في الآخر، كالدراهم مع الدنانير، والحنطة مع الشعير، وهذا مما لا خلاف فيه.
* * *
[٤٤] * مسألة: