يرتكزُ منهجُ العمريطيِّ في نظمِهِ على أربعةِ محاورَ رئيسةٍ، يتفرَّعُ عنهَا عدَّةُ أمورٍ، كمَا بيَّنَهَا في مُقدِّمةِ نظمِهِ، وهيَ على النَّحوِ الآتي:
أولًا: استيفاءُ الأصلِ: قالَ النَّاظمُ:
نَظَمْتُهُ مُسْتَوفِيًَا لِعِلْمِهِ … مُسَهِّلًَا لِحِفْظِهِ وَفَهْمِه
فقدْ أتى النَّاظمُ على جميعِ أبوابِ وفصولِ وفروعِ متنِ أبي شجاعٍ وما تضمَّنَهُ منْ علمٍ، ولمْ يُفوِّتْ منْ مقاصدِهِ شيئًَا، خلَا بعضِ المسائلِ والألفاظِ التي نُحِّيتْ على سبيلِ الإكمالِ لا الإهمالِ، لضرورةِ النَّظمِ، وزيادةِ المعنى وهوَ ما عبَّرَ عنهُ بقولِهِ: (مستوفيًا لعلمِهِ) ولمْ يقلْ (للفظِهِ).
كمَا جاءَ نظمُهُ بسياقٍ سلسٍ، وعبارةٍ سهلةٍ، فسهَّلَ على طلبةِ العلمِ حفظَهُ، ويسَّرَ عليهِم فهمَهُ، وهوَ ما يتميَّزُ بهِ النَّظمُ عنِ النَّثرِ بشكلٍ عامٍّ وكذَا ما يتميَّزُ بِهِ نظمُ العمريطيِّ بشكلٍ خاصٍّ، وكثيرٌ مِنَ العلماءِ قدَّمُوا نظمَهُ على غيرِهِ في الشَّرحِ والدَّرسِ لأجلِ يسرِهِ وسهولتِهِ.
ومنَ الأمورِ التي تصرَّفَ بهَا النَّاظمُ، ممَّا لا يُفقدُ شرطَهُ المستوفي للمتنِ:
* حذفُ بعضِ المسائلِ التي تُدركُ بالأولَى: مثالُ ذلكَ: قولُهُ:
وَتَحْرُمُ الصَّلَاةُ كَالتَّطَوُّفِ … مِنْ حَائِضٍ وَمَسُّهَا لِلمُصْحَف
[ ٣٢ ]
حيثُ ذكرَ الأصلُ مِنْ جملةِ ما يحرُم على الحائضِ: (مَسُّ المصحفِ وحملُهُ)، وأهملَ النَّاظمُ (حملَهُ)، لأنَّ حرمةَ مسِّ المصحفِ تعني مِنْ بابِ أولى حرمةَ حملِهِ.
* إبدالُ بعضِ الألفاظِ ببعضِهَا لأفضليَّتِهَا في أداءِ المعنى: مثالُ ذلكَ قولُهُ:
لِطُهْرِهِ وَالسَّتْرِ وَالأَذَانِ مَعْ … إِقَامَةٍ وَخَمْسِ رَكْعَاتٍ يَسَعْ
حيثُ ذكرَ أبو شجاعٍ (الوُضوءَ) بدلَ (الطُّهرِ)، قالَ الفشنيُّ: (تعبيرُ النَّاظمِ بالطُّهرِ الشَّاملِ للغسلِ والتَّيمُّمِ وإزالةِ الخبثِ أولَى مِنْ تعبيرِ أصلِهِ بالوضوءِ) (^١).
وقولُهُ أيضًَا:
فِي خَمْسَةٍ تُخَالِفُ الأُنْثَى الذَّكَرْ … فِي الحُكْمِ نَدْبًَا أَو وُجُوبًَا مُعْتَبَرْ
فعبَّرَ النَّاظمُ عنِ الرَّجلِ والمرأةِ بالذَّكرِ والأنثى، خلافًَا لأصلِهِ. قالَ الفشنيُّ: (فتعبيرُ النَّاظمِ أحسنُ منْ تعبيرِ أصلِهِ) (^٢).
ثانيًا: تتميمُ الأصلِ: قالَ النَّاظمُ:
مَعْ مَا بِهِ تَبَرُّعًَا أَلْحَقْتُهُ
_________________
(١) تحفة الحبيب ص ٧٩.
(٢) المصدر ذاته ص ١٠٧.
[ ٣٣ ]
ألحقَ النَّاظمُ زيادةً على الأصلِ بعضَ المسائلِ المحتاجِ إليهَا، تمَّمَ بهَا فوائدَ متنِ (الغايةِ والتَّقريبِ)، ميَّزَهَا عندَ اقتضاءِ الحاجةِ لذلكَ، ولمْ يُميِّزهَا في الأعمِّ الأغلبِ طلبًَا للاختصارِ، وخشيةَ الإطالةِ كمَا أشارَ لذلكَ بقولِهِ:
تَتِمَّةً لِأَصْلِهِ الأَصِيلِ … وَلَمْ يُمَيَّزْ خَشْيَةَ التَّطْوِيل
وقدْ تعدَّدتْ زياداتُهُ في النَّظمِ على عدَّةِ أوجُهٍ كمَا يأتي:
* الزِّيادَةُ في المقدِّماتِ والمتمِّماتِ: كالحدودِ والتَّعريفاتِ، مثالُ ذلكَ: تعريفُهُ للزِّنَى - وقدْ أهملَهُ الأصلُ - في قولِهِ:
وَمَنْ يُغَيِّبْ مَوضِعَ الخِتَانِ … فِي فَرْجِ أَجْنَبِيَّةٍ فَزَانِي
وتعريفُ الرَّضْخِ في قولِهِ:
وَالرَّضْخُ قَدْرٌ دُونَ سَهْمٍ يَجْتَهِدْ … فِيهِ الإِمَامُ بِاعْتِبَارِ مَا وُجِدْ
وزيادةُ بعضِ الفروعِ التي أهملَهَا الأصلُ - وهيَ كثيرةٌ -، مثالُ ذلكَ: زيادتُهُ حكمَ الغُسَالَةِ في قولِهِ:
وَلَو جَرَى قَلِيلُ مَآ عَلَى مَحَلْ … نَجَاسَةٍ أَزَالَهَا ثُمَّ انْفَصَلْ
وَلَمْ يَزِدْ وَزْنًَا وَلَا تَغيَّرَا … فَطَاهِرٌ وَلَمْ يَكُنْ مُطَهِّرَا
وتفصيلُ بعضِ المسائلِ الفقهيَّةِ المجملةِ، مثالُ ذلكَ: تفصيلُ الأموالِ التي لَا تُقطعُ يَدُ السَّارقِ بهَا في قولِهِ:
فَلَا يَجُوزُ قَطْعُهُ إِذَا سَرَقْ … مَا بَعْضُهُ مِلْكٌ لَهُ أَو مُسْتَحَقْ
[ ٣٤ ]
وَلَا بِمَالِ أَصْلِهِ أَو فَرْعِهِ … وَغَيرُ ذَاكَ مُوجِبٌ لِقَطْعِه
وتفصيلُ جوازِ صيامِ يومِ الشَّكِّ عَنِ النَّذرِ أو القضاءِ أو الكفَّارةِ، في قولِهِ:
أَو صَامَهُ عَنْ نَذْرِهِ أَو عَنْ قَضَا … أَو كَانَ عَنْ كَفَّارَةٍ فَيُرْتَضَى
* تقييدُ المطلقِ فيهِ: قالَ النَّاظمُ:
أَو لَازِمًَا كَمُطْلَقٍ قَيَّدْتُهُ
مثالُ ذلكَ: تقييدُ حكمِ ضبَّةِ الفضَّةِ الصَّغيرةِ والكبيرةِ لمَا أطلقَهُ الأصلُ مِنْ حُرمةِ استعمالِ الأواني مِنَ النَّقدينِ، في قولِهِ:
لَا ضَبَّةٍ مِنْ فِضَّةٍ صَغِيرَةْ … فِي العُرْفِ أَو لِحَاجَةٍ كَبِيرَةْ
وتقييدُ إطلاقِ الفعلِ الكثيرِ المبطلِ للصَّلاةِ بالموالاةِ في قولِهِ:
وَالفِعْلُ إِنْ يَكْثُرْ وَلَاءً
* تصحيحُ المضعَّفِ: قالَ النَّاظمُ:
وَحَيثُ جَاءَ الحُكْمُ فِي كِتَابِهِ … مُضَعَّفًَا أَتَيتُ بِالمُفْتَى بِه
مُبَيِّنًَا مَا اخْتَارَهُ بِنَقْلِه
فبعضُ التَّصحيحاتِ بيَّنَ فيهَا النَّاظمُ مذهبَ الإمامِ الشَّافعيِّ القديمِ والجديدِ والرَّاجحِ فيهِمَا، واختيارَ أبي شجاعٍ بينَهُمَا، مثالُ ذلكَ: بيانُهُ اعتمادَ
[ ٣٥ ]
امتدادِ وقتِ المغربِ إلى العشاءِ حتَّى يغيبَ الشَّفقُ الأحمرُ، وهوَ ما رجَّحَهُ النَّوويُّ في المجموعِ، قالَ النَّاظِمُ:
وَفِي القَدِيمِ يَلْزَمُ امْتِدَادُهُ … إِلَى العِشَا وَالرَّاجِحُ اعْتِمَادُهُ
وفي بعضِهَا ذكرَ الصَّحيحَ فيهِ مِنْ غيرِ بيانِ القديمِ والجديدِ، ومنْ غيرِ بيانِ اختيارِ أبي شجاعٍ، مثالُ ذلكَ: حَذْفُ النَّاظمِ (المبيتَ بمنى) و(المبيتَ بمزدلفةَ) و(طوافَ الوداعِ) مِنَ السُّننِ، وجعْلُهَا في الواجباتِ، لأنَّ جعلَهَا مِنَ السُّننِ مبنيٌّ على أصلٍ ضعيفٍ، قالَ النَّاظمُ:
وَالوَاجِبُ الإِحْرَامُ مِنْ مِيقَاتِهِ … وَالرَّمْيُ لِلْجِمَارِ فِي أَوقَاتِه
وَأَنْ يَبِيتَ الشَّخْصُ بِالمُزْدَلِفَةْ … وَفِي مِنَى اللَّيَالِيَ المُشَرَّفَةْ
وَتَرْكُ مَا يُسْمَى مَخِيطًَا سَاتِرَا … وَأَنْ يَطُوفَ لِلْوَدَاعِ آَخِرَا
وقولُهُ في شروطِ زكاةِ الخليطينِ:
وَالفَحْلُ وَالمَرْعَى كَذَاكَ الرَّاعِي … وَمُطْلَقًَا فِي شِرْكَةِ الشِّيَاع
قالَ الفشنيُّ: (عدلَ النَّاظمُ عنْ قولِ أصلِهِ: "والحالبُ واحدٌ" لضعفِهِ. وأبدلَهُ بقولِهِ: "كذاكَ الرَّاعي") (^١).
_________________
(١) تحفة الحبيب ص ١٧٣.
[ ٣٦ ]
ثالثًا: حذفُ الزَّائدِ: وهوَ ما لَا دليلَ عليهِ ولَا تأويلَ لهُ، أو ما كانَ الدَّليلُ خلافَهُ، أي: مِنْ غيرِ بيانِ ضدِّهِ، إذْ لَا طائلَ مِنْ إيرادِ ذلكَ، قالَ النَّاظمُ:
وَرُبَّمَا حَذَفْتُهُ مِنْ أَصْلِه
إِنْ لَمْ أَجِدْ لِحَمْلِهِ دَلِيلَا … وَلَا إِلىَ تَأوِيلِهِ سَبِيلَا
مثالُ ذلكَ في (بابِ حدِّ السَّرقةِ): إهمالُ النَّاظمِ ما ذكرَهُ الأصلُ مِنْ أنَّ السَّارقَ يُقتلُ صبرًَا إذَا استوفَى كلَّ القطعِ والتَّعزيرِ، لأنَّهُ خلافُ المفتى بهِ في المذهبِ، للأحاديثِ الواردةِ في النَّهيِ عَنِ القتلِ صبرًَا.
وفي (بابِ الشَّهاداتِ): أهملَ النَّاظمُ ما ذكرَهُ الأصلُ مِنْ اشتراطِ سلامةِ السَّريرةِ، في الشَّاهدِ العدلِ.
وفي (فصلِ الأغسالِ المسنونةِ) أهملَ النَّاظمُ ما ذكرَهُ الأصلُ مِنْ سنيَّةِ الغُسلِ للسَّعيِ، ولدخولِ مدينةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -.
وفي (بابِ الاقتداءِ وشروطِ صلاةِ الجماعةِ) أهملَ النَّاظمُ ما ذكرَهُ الأصلُ مِنْ جوازِ اقتداءِ الحرِّ بالعبدِ، والبالغِ بالمراهقِ.
والأمثلةُ على ذلكَ كثيرةٌ مبيَّنَةٌ في حاشيةِ التَّحقيقِ فلتُنظرْ.
رابعًا: التزامُ نسقِ الأصلِ: في العدِّ والحدِّ والترتيبِ، قالَ النَّاظمُ:
وَقَدْ مَشَيتُ مَشْيَهُ فِي الغَالِبِ … فِي عَدِّهِ وَحَدِّهِ المُنَاسِب
[ ٣٧ ]
مُرَتِّبًَا تَرْتِيبَهُ مُبَيِّنَا
فالتزمَ النَّاظمُ تقسيمَ الأبوابِ والفصولِ، وتفريعَ المسائلِ، وترتيبَ الأبوابِ، كلُّ ذلكَ في الأعمِّ الأغلبِ.
حيثُ خالفَ ترتيبَ الأصلِ في بعضِ الأبوابِ، مثالُ ذلكَ: تقديمُهُ (المسحَ على الخفَّينِ) على (الغسلِ)، و(زكاةَ الزُّروعِ والثِّمارِ) على (زكاةِ النَّقدينِ) و(بابَ الاستبراءِ) على (فصلِ ما يجبُ للمعتدَّةِ)، خلافًَا لما جرى عليهِ الأصلُ.
كمَا خالفَ في تعدادِ بعضِ المسائلِ، مثالُ ذلكَ: في (موانعِ الإرثِ) حيثُ ذكرَ الأصلُ أنَّ الممنوعينَ مِنَ الإرثِ سبعةٌ، وزادَ النَّاظمُ: (المبعَّضَ والزِّنديقَ).
***