(الْهِبَة) الْمُطلقَة ثَلَاثَة أَنْوَاع هبة وَصدقَة وهدية فَإِن أعْطى مُحْتَاجا شَيْئا بِلَا عوض وَلَو لم يقْصد ثَوَاب الْآخِرَة أَو غَنِيا لأجل ثَوَاب آخِرَة فصدقة وَهِي أفضل الثَّلَاثَة ثمَّ الْهَدِيَّة لوُرُود الْآثَار فِي الحض عَلَيْهَا لَا سِيمَا بِالنِّسْبَةِ للْمُسَافِر وَهِي مَا نَقله المملك بِلَا عوض إِلَى مَكَان الْمَوْهُوب لَهُ للإكرام والتودد فَكل من الصَّدَقَة والهدية هبة وَلَا عكس لانفراد الْهِبَة فِي ذَات الْأَركان وَهِي (تمْلِيك) تطوع فِي حَيَاة فَخرج بالتمليك الْعَارِية والضيافة وَالْوَقْف وبالتطوع غَيره كَالْبيع وَالزَّكَاة وَالنّذر وَالْكَفَّارَة وَالْوَاجِب من الْأُضْحِية وَالْهَدْي والعقيقة بِخِلَاف الْمَنْدُوب مِنْهَا وَقد أعْطى لَغَنِيّ فَهُوَ من الْهَدِيَّة لوُجُود التَّمْلِيك فِيهِ وَإِن امْتنع التَّصَرُّف فِيهِ بِنَحْوِ بيع وَخرج بقولنَا فِي حَيَاة الْوَصِيَّة لِأَن التَّمْلِيك فِيهَا إِنَّمَا يتم بِالْقبُولِ وَهُوَ بعد الْمَوْت وَإِذا اجْتمع النَّقْل وَالْقَصْد أَو النَّقْل والاحتياج كَانَ الْمَوْهُوب صَدَقَة وهدية (بِلَا عوض) فَخرج بذلك الْهِبَة بِشَرْط عوض مَعْلُوم كَقَوْلِه وَهبتك هَذَا على أَن تثيبني عَلَيْهِ كَذَا فيقبله فَإِنَّهَا بيع حَقِيقَة فَيجْرِي فِيهَا أَحْكَام البيع من الخيارين وَالشُّفْعَة وَحُصُول الْملك بِالْعقدِ لَا بِالْقَبْضِ وَمنع قبُول بعض الْمَوْهُوب بِبَعْض الْعِوَض أَو كُله لاشْتِرَاط الْمُطَابقَة فِي البيع بِخِلَاف الْهِبَة الَّتِي بِلَا عوض فَإِنَّهُ لَا يضر فِيهَا قبُول بعض الْمَوْهُوب وَخرج بذلك الْهِبَة أَيْضا بِشَرْط عوض مَجْهُول فَلَا تكون بيعا لجَهَالَة الْعِوَض وَلَا تكون هبة لذكر الْعِوَض وَقيل تكون هبة
وأركان الْهِبَة أَرْبَعَة العاقدان وَيشْتَرط فيهمَا مَا مر فِي البَائِع وَالْمُشْتَرِي
نعم يعْتَبر فِي المملك أَهْلِيَّة التَّبَرُّع وَفِي المتملك أَهْلِيَّة الْملك وَلَو سَفِيها
وَالثَّالِث الْمَوْهُوب وَشرط فِيهِ صِحَة جعله عوضا إِلَّا نَحْو حَبَّة بر فَتَصِح هبتها وَإِن لم يَصح بيعهَا فَنقل الْيَد عَن الِاخْتِصَاص لَا يُسمى هبة وَإِلَّا هبة مَوْصُوف فِي الذِّمَّة كَأَن يَقُول وَهبتك كَذَا فِي ذِمَّتِي فَلَا يَصح لِأَن الْهِبَة إِنَّمَا ترد على الْأَعْيَان لَا على مَا فِي الذِّمَّة بِخِلَاف البيع فَإِنَّهُ يرد عَلَيْهِمَا
وَالرَّابِع الصِّيغَة وَلَا تصح الْهِبَة غير الضمنية إِلَّا (بِإِيجَاب كوهبتك) هَذَا وملكتكه
[ ٢٦٥ ]
ومنحتكه وأكرمتك بِهَذَا وعظمتك ونحلتك وَكَذَا أطعمتك وَلَو فِي غير طَعَام
(وَقبُول) مُتَّصِل بِالْإِيجَابِ مُوَافق لَهُ (كقبلت) ورضيت واتهبت لفظا فِي حق النَّاطِق وَإِشَارَة فِي حق الْأَخْرَس لِأَنَّهَا تمْلِيك فِي الْحَيَاة كَالْبيع وَلِهَذَا انْعَقَدت الْهِبَة بِالْكِنَايَةِ مَعَ النِّيَّة كَقَوْلِه لَك كَذَا وكسوتك هَذَا وبالمعاطاة على القَوْل بهَا وَيشْتَرط فِي الصِّيغَة مَا مر فِي البيع وَمِنْه اعْتِبَار الْفَوْرِيَّة وَلَا يضر الْفَصْل إِلَّا بأجنبي وَعلم من اعْتِبَار الصِّيغَة أَن الْأَب أَو الْأُم لَو جهزا بنتهما أَو ابنهما الصَّغِير بجهاز وَلم يصدر مِنْهُمَا صِيغَة تمْلِيك لَا يملكهُ وَيَكْفِي فِي الصِّيغَة قَول أَحدهمَا عِنْد نَقله لدار الزَّوْج مثلا هَذَا جهاز بِنْتي فَيكون ملكا لَهَا وَإِلَّا فَهُوَ عَارِية وَيصدق بِيَمِينِهِ فِي عدم تمليكها ذَلِك إِن ادَّعَتْهُ وَخرج بِالْهبةِ الصَّدَقَة والهدية فَلَا يعْتَبر لَهما صِيغَة بل يَكْفِي فيهمَا بِعْت وقبضت وَلذَا يصحان من الْأَعْمَى وَعَلِيهِ فيوكل فِي الْقَبْض والإقباض وَقد لَا تشْتَرط صِيغَة كخلع الْمُلُوك لاعتياد عدم اللَّفْظ فيهمَا وَلَا قبُول كَهِبَة النّوبَة للضرة وَيشْتَرط كَون الصِّيغَة (بِلَا تَعْلِيق) فَلَا تصح الْهِبَة بأنواعها مَعَ شَرط مُفسد كتوقيت الْوَاهِب بعمر نَفسه أَو أَجْنَبِي كَأَن قَالَ جعلت هَذَا لَك عمري أَو عمر فلَان لِلْخُرُوجِ من اللَّفْظ الْمُعْتَاد وَلما فِيهِ من تأقيت الْملك فَإِن الْوَاهِب أَو الفلان قد يَمُوت أَولا بِخِلَاف الْعَكْس فَيصح كَأَن يَقُول أعمرتك هَذَا حياتك أَو مَا عِشْت فَإِن الْإِنْسَان لَا يملك إِلَّا مُدَّة حَيَاته فَكَانَ كلا تأقيت لِأَنَّهُ تَصْرِيح بِمُقْتَضى الْحَال
وَمن جملَة صِيغ الْهِبَة مسَائِل الْعمريّ والرقبي وَلَو بِغَيْر لَفْظهمَا كَقَوْلِه أعمرتك هَذِه الدَّار أَو هَذَا الْحَيَوَان مثلا فَإِذا مت فَهِيَ لورثتك فَهَذِهِ الصِّيغَة صِيغَة هبة طول فِيهَا الْعبارَة فَيعْتَبر فِيهَا الْقبُول وَتلْزم بِالْقَبْضِ وَتَكون لوَرثَته وَكَقَوْلِه أعمرتك هَذِه أَو جَعلتهَا لَك عمرك أَو وَهبتك هَذِه عمرك فَإِذا مت عَادَتْ إِلَيّ أَو إِلَى ورثتي إِن كنت مت فَهَذِهِ الصِّيغَة صِيغَة هبة إِلْغَاء للشّرط الْفَاسِد وَقَوله أرقبتك هَذِه أَو جَعلتهَا لَك رقبي أَي إِن مت قبلي عَادَتْ إِلَيّ وَإِن مت قبلك اسْتَقَرَّتْ لَك فَتَصِح الْهِبَة على الْأَصَح وَيَلْغُو الشَّرْط الْفَاسِد فَيشْتَرط قبُولهَا وَالْقَبْض وَذَلِكَ لخَبر أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ لَا تعمروا وَلَا ترقبوا فَمن أرقب شَيْئا أَو أعْمرهُ فَهُوَ لوَرثَته أَي لَا ترقبوا وَلَا تعمروا طَمَعا فِي أَن يعود إِلَيْكُم فَإِن سَبيله الْمِيرَاث
(وَتلْزم) أَي الْهِبَة (بِقَبض) بِإِذن الْوَاهِب أَو وَكيله فِيهِ بعد تَمام الصِّيغَة فَلَو قَالَ وَهبتك هَذَا أَو أَذِنت لَك فِي قَبضه فَقَالَ قبلت لم يكف وَلَو اخْتلفَا فِي الْإِذْن فِي الْقَبْض صدق الْوَاهِب وَلَو اتفقَا عَلَيْهِ لَكِن قَالَ الْوَاهِب رجعت قبل أَن تقبض الْمَوْهُوب وَقَالَ الْمُتَّهب بل بعده صدق الْمُتَّهب وَلَا تملك الْهِبَة بِجَمِيعِ أَنْوَاعهَا إِلَّا بِالْقَبْضِ الْحَقِيقِيّ وَلَا يشْتَرط فِيهِ الْفَوْر وَإِن كَانَ الْمَوْهُوب بيد الْمُتَّهب وَلَو من أَب لوَلَده الصَّغِير وَلَا يَكْفِي الْإِتْلَاف وَلَا الْوَضع بَين يَدَيْهِ من غير إِذن لِأَن قَبضه غير مُسْتَحقّ كَالْوَدِيعَةِ فَاشْترط تحقق الْقَبْض
نعم إِن كَانَ الْإِتْلَاف بِالْأَكْلِ أَو الْعتْق وَأذن فِيهِ الْوَاهِب كَانَ قبضا وَيقدر انْتِقَاله قبيل الْوَضع فِي الْفَم والتلفظ بالصيغة لِلْعِتْقِ
وَذَلِكَ لما روى الْحَاكِم أَنه ﷺ أهْدى إِلَى النَّجَاشِيّ ثمَّ قَالَ لأم سَلمَة إِنِّي لأرى النَّجَاشِيّ قد مَاتَ وَلَا أرى الْهَدِيَّة الَّتِي أهديت إِلَيْهِ إِلَّا سترد
[ ٢٦٦ ]
فَإِذا ردَّتْ إِلَيّ فَهِيَ لَك فَكَانَ كَذَلِك
وَفِي رِوَايَة أَنه أهْدى إِلَى النَّجَاشِيّ مسكا فَمَاتَ النَّجَاشِيّ قبل أَن تصل إِلَيْهِ ثمَّ ردَّتْ إِلَى النَّبِي ﷺ فَقَسمهُ النَّبِي ﷺ بَين نِسَائِهِ وَلِأَن أَبَا بكر الصّديق ﵁ نحل عَائِشَة ﵂ جدَاد عشْرين وسْقا فَلَمَّا مرض قَالَ وددت أَنَّك حُزْتِيهِ أَو قبضتيه وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْم ملك الْوَارِث فَلَو توقف الْملك على الْقَبْض لما قَالَ أَنه ملك الْوَارِث وقالعمر لَا تتمّ النحلة حَتَّى يحوزها المنحول
وَرُوِيَ مثل ذَلِك عَن عُثْمَان وَابْن عمر وَابْن عَبَّاس وَأنس وَعَائِشَة ﵃ وَلَا يعرف لَهُم مُخَالف كَذَا فِي كِفَايَة الأخيار
(ولأصل) من النّسَب وَإِن بعد أَو كَانَ أُنْثَى (رُجُوع فِيمَا وهب) عينا أَو تصدق أَو أهْدى (لفرع) كَذَلِك (إِن بَقِي) أَي الْمَوْهُوب (فِي سلطنته) بِأَن يكون الْمَوْهُوب خَالِيا عَن حق الْغَيْر وَإِلَّا امْتنع الرُّجُوع كَمَا إِذا رهن وأقبض وَغير ذَلِك وَإِن عَاد الْمَوْهُوب إِلَى الْفَرْع لِأَن الزائل الْعَائِد كَالَّذي لم يعد وَلَو وهب الْوَالِد شَيْئا لوَلَده فوهبه الْوَلَد لوَلَده لم يرجع الْجد لانتقال الْملك فِي الْوَلَد بِخِلَاف مَا لَو وهبه ابْتِدَاء لِابْنِ ابْنه فَإِن لَهُ الرُّجُوع وَالْمَنَافِع فَهِيَ فِي الْهِبَة كَغَيْرِهَا لِأَنَّهَا لَا تملك إِلَّا بِالْقَبْضِ أما لَو وهب الأَصْل فَرعه دينا عَلَيْهِ فَلَا رُجُوع لَهُ فِيهِ إِذْ لَا يُمكن عوده بعد سُقُوطه وَيحصل الرُّجُوع (بِنَحْوِ رجعت) فِيمَا وهبت أَو استرجعته أَو رَددته إِلَى ملكي أَو نقضت الْهِبَة أَو أبطلتها أَو فسختها وبكناية مَعَ النِّيَّة كأخذته وقبضته لَا بِبيعِهِ وَوَقته لكَمَال ملك الْفَرْع فَلم يقو الْفِعْل على إِزَالَته وَلَا يَصح الرُّجُوع إِلَّا مُنجزا فَلَا يَصح مُعَلّقا
(وَهبة دين لمدين) أَو تصدق بِهِ عَلَيْهِ (إِبْرَاء) فَلَا يحْتَاج إِلَى قبُول نظرا للمعنى
نعم ترك الدّين للْمَدِين بِلَفْظ التّرْك وَنَحْوه كِنَايَة إِبْرَاء وَذَلِكَ كَأَن يَقُول تركته لَك أَو لَا آخذه مِنْك فَلَا يكون عدم طلبه لَهُ كِنَايَة فِي الْإِبْرَاء لانْتِفَاء مَا يدل عَلَيْهِ وَتَصِح هبة نُجُوم الْكِتَابَة للْمكَاتب كَمَا يَصح الْإِبْرَاء مِنْهَا وَلَو وهب لفقير دينا عَلَيْهِ بنية الزَّكَاة لم يَقع عَنْهَا كَذَا فِي كِفَايَة الأخيار
(و) هبة دين مُسْتَقر (لغيره) أَي الْمَدِين بَاطِلَة فِي الْأَصَح لِأَنَّهُ غير مَقْدُور على تَسْلِيمه لِأَن مَا يقبض من الْمَدِين عين لَا دين وَيُؤَيّد ذَلِك صِحَة بيع الْمَوْصُوف دون هِبته وَالدّين مثله بل أولى وَيفرق بَين صِحَة بَيْعه وَعدم صِحَة هِبته بِأَن بيع مَا فِي الذِّمَّة الْتِزَام لتَحْصِيل الْمَبِيع فِي مُقَابلَة الثّمن الَّذِي اسْتَحَقَّه والالتزام فِيهَا صَحِيح بِخِلَاف هِبته فَإِنَّهَا لَا تَتَضَمَّن الِالْتِزَام إِذْ لَا مُقَابل فِيهَا فَكَانَت بالوعد أشبه فَلم يَصح وَقيل هِيَ هبة (صَحِيحَة) وعَلى هَذَا القَوْل لَا تلْزم إِلَّا بِالْقَبْضِ الْحَقِيقِيّ بِإِذن الْوَاهِب أما دين مُسْتَقر كنجوم الْكِتَابَة فَإِنَّهُ لَا تصح هِبته لغير من هُوَ عَلَيْهِ قطعا