وَهِي لُغَة الْمرة من الرُّجُوع وَشرعا رد الزَّوْج أَو من قَامَ مقَامه من وَكيل وَولي امْرَأَته إِلَى مُوجب النِّكَاح وَهُوَ الْحل فِي الْعدة من طَلَاق غير بَائِن بِشُرُوط
وأركانها ثَلَاثَة مَحل ومرتجع وَصِيغَة
أما الطَّلَاق فَهُوَ سَبَب لَا ركن وَأَشَارَ المُصَنّف إِلَى ذَلِك بقوله (صَحَّ رُجُوع مُفَارقَة بِطَلَاق دون أَكْثَره مجَّانا بعد وَطْء قبل انْقِضَاء عدَّة) فَخرج بِالطَّلَاق الْفَسْخ وَالظِّهَار وَوَطْء الشُّبْهَة
وَالْحَاصِل أَنه شَرط فِي المرتجع اخْتِيَار وأهلية نِكَاح بِنَفسِهِ فَتَصِح رَجْعَة سَكرَان وَعبد وسفيه ومفلس ومحرم وَإِن لم يَأْذَن ولي وَسيد لَا مُرْتَد وَصبي وَمَجْنُون ومكره وَشرط فِي الْمحل سِتَّة أُمُور
الأول كَون الْمُطلقَة لم يسْتَوْف عدد طَلاقهَا وَلَو كَانَ الطَّلَاق بتطليق القَاضِي على الْمولي
وَالثَّانِي كَونهَا مَوْطُوءَة وَلَو فِي الدبر وَلَو لم تزل بَكَارَتهَا كَأَن كَانَت غوراء وكالوطء استدخال الْمَنِيّ الْمُحْتَرَم وَلَو فِي الدبر
وَالثَّالِث كَونهَا مُطلقَة بِلَا عوض مِنْهَا أَو من غَيرهَا
وَالرَّابِع كَونهَا فِي أثْنَاء الْعدة أَو قبل الشُّرُوع فِيهَا بِأَن طلقت حَائِضًا فَلهُ الرّجْعَة فِي ذَلِك وَإِن لم تشرع فِي الْعدة إِلَّا بمجيء الطُّهْر أَو طلقت فِي مُدَّة حمل وَطْء الشُّبْهَة وَالْمرَاد بِكَوْنِهَا فِي الْعدة مَا يَشْمَل احْتِمَالا كَمَا لَو شكّ هَل رَاجع فِي الْعدة أم بعْدهَا لِأَن الأَصْل بَقَاء الْعدة وَصِحَّة الرّجْعَة وَلَو قارنت الرّجْعَة انْقِضَاء الْعدة لم تصح
وَالْخَامِس كَونهَا قَابِلَة للْحلّ للمراجع فَلَو أسلمت الْكَافِرَة وَاسْتمرّ زَوجهَا وراجعها فِي كفره لم تصح الرّجْعَة وَإِن أسلم بعد مراجعتها أَو ارْتَدَّت الْمسلمَة لم تصح مراجعتها فِي حَال ردتها لِأَن مَقْصُود الرّجْعَة الْحل وَالرِّدَّة تنافيه وَكَذَا لَو ارْتَدَّ الزَّوْج أَو ارتدا مَعًا بِخِلَاف مَا لَو أسلم هُوَ فَقَط وَكَانَت تحل لَهُ أَو أسلما مَعًا مُطلقًا فَإِن النِّكَاح يَدُوم فِيهَا سَوَاء كَانَ قبل الدُّخُول أَو بعده وَضَابِط عدم صِحَة الرّجْعَة انْتِقَال أحد الزَّوْجَيْنِ إِلَى دين يمْنَع دوَام النِّكَاح
وَالسَّادِس كَونهَا مُعينَة فَلَو طلق إِحْدَى زوجتيه وَأبْهم ثمَّ رَاجع بِأَن قَالَ راجعت الْمُطلقَة أَو طلقهما جَمِيعًا ثمَّ رَاجع إِحْدَاهمَا مُبْهمَة لم تصح الرّجْعَة وَلَو شكّ فِي الطَّلَاق كَأَن علقه على شَيْء وَشك فِي حُصُوله فراجع احْتِيَاطًا ثمَّ اتَّضَح الْحَال صحت الرّجْعَة لِأَن الْعبْرَة فِي الْعُقُود بِمَا فِي نفس الْأَمر
[ ٣٢٦ ]
بِخِلَاف الْعِبَادَة فَالْعِبْرَة فِيهَا بِمَا فِي نفس الْأَمر وَظن الْمُكَلف
وَشرط فِي الصِّيغَة لفظ يشْعر بالمراد وتنجيز وَعدم تَوْقِيت وَتحصل الرّجْعَة بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة فالصريح حَاصِل (براجعت زَوْجَتي) أَو رجعتك أَو ارتجعتك أَو أمسكتك أَو رددتك إِلَيّ فجملة أَلْفَاظ الصَّرِيح خَمْسَة وَفِي مَعْنَاهَا سَائِر مَا اشتق من مصادرها كَأَنْت مُرَاجعَة وَمَا كَانَ بالعجمية وَإِن أحسن الْعَرَبيَّة وَالْإِضَافَة إِلَيْهِ بِنَحْوِ إِلَى أَو إِلَى نِكَاحي فِي الرَّد وَاجِبَة فِي كَونه صَرِيحًا فَإِن لم تُوجد كَانَ كِنَايَة بِخِلَاف غَيره فَإِنَّهَا سنة فَيَقُول راجعت زَوْجَتي لعقد نِكَاحي وأمسكتها على عصمتي أما الْإِضَافَة إِلَيْهَا فَلَا بُد مِنْهَا فِي جَمِيعهَا إِمَّا للاسم الْمظهر أَو للضمير أَو لاسم الْإِشَارَة كراجعت هَذِه فَإِن اقْتصر على راجعت كَانَ لَغوا إِلَّا إِذا وَقع جَوَابا لقَوْل شخص لَهُ التماسا أراجعت زَوجتك وَالْكِنَايَة نَحْو أعدت حلك وَرفعت تحريمك وتزوجتك ونكحتك واخترت حلك أَو اخْتَرْت رجعتك أَو أَنْت زَوْجَتي فَلَا بُد فِي ذَلِك من نِيَّة الرّجْعَة وَإِلَّا فَلَا تصح وترجمة الصَّرِيح صَرِيح وترجمة الْكِنَايَة كِنَايَة وَلَا يشْتَرط لصِحَّة الرّجْعَة الْإِشْهَاد عَلَيْهَا لِأَنَّهَا فِي حكم اسْتِدَامَة النِّكَاح وَمن ثمَّ لم يحْتَج لوَلِيّ وَلَا لرضاء الْمَرْأَة بل ينْدب الْإِشْهَاد قَالَ الزَّرْكَشِيّ فَفِي الْكِنَايَة يشْهد على اللَّفْظ وَيبقى النزاع فِي النِّيَّة لَكِن قَالَ الشبراملسي الْمُصدق الزَّوْج لِأَن النِّيَّة لَا تعرف إِلَّا مِنْهُ فَيقبل قَوْله فِيهَا وَلَو بعد انْقِضَاء الْعدة وَلَا تشْتَرط الشَّهَادَة على الْمَرْأَة مَعَ أَنَّهَا عماد النِّكَاح وَيحرم الِاسْتِمْتَاع بالرجعية وَلَو بِمُجَرَّد النّظر لِأَن النِّكَاح يبيحه فيحرمه الطَّلَاق لِأَنَّهُ ضِدّه فَإِن وطىء فَلَا حد وَإِن اعْتقد حُرْمَة الْوَطْء لِلْقَوْلِ الضَّعِيف فِي إِبَاحَته وَحُصُول الرّجْعَة بِهِ وَيُعَزر على الْوَطْء ومقدماته حَتَّى النّظر مُعْتَقد تَحْرِيمه بِخِلَاف مُعْتَقد حلّه وفاعل جَاهِل بِتَحْرِيمِهِ لإقدامه على مَعْصِيّة عِنْده
(وَلَو تزوج) أَي شخص حر أَو رَقِيق (مُفَارقَته بِدُونِ ثَلَاث) للْحرّ وَبِدُون ثِنْتَيْنِ للرقيق (وَلَو بعد زوج آخر) قبل الْإِصَابَة أَو بعْدهَا (عَادَتْ) لَهُ (ببقيته) أَي بَقِيَّة مَاله من عدد الطَّلَاق وَلَا يهدم الزَّوْج الثَّانِي مَا وَقع من الطَّلَاق وَاحْتج أَصْحَاب الشَّافِعِي بِمَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ أَنه سُئِلَ عَمَّن طلق امْرَأَته طَلْقَتَيْنِ وَانْقَضَت عدتهَا فَتزوّجت غَيره وفارقها ثمَّ تزَوجهَا الأول فَقَالَ هِيَ عِنْده بِمَا بَقِي من الطَّلَاق وَرُوِيَ ذَلِك أَيْضا عَن عَليّ وَزيد ومعاذ وَعبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵃ وَبِذَلِك قَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي وَسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأَيْضًا أَن الطَّلقَة والطلقتين لَا يؤثران فِي التَّحْرِيم المحوج إِلَى زوج آخر فَالنِّكَاح الثَّانِي وَالدُّخُول فِيهِ لَا يهدمان الطَّلَاق كَوَطْء السَّيِّد الْأمة الْمُطلقَة وَهَذَا عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة فِي قَوْله إِن النِّكَاح يهدم مَا وَقع فتعود لَهُ بِمَالِه وَهُوَ الثَّلَاث فِي الْحرَّة والثنتان فِي الْأمة لِأَن الْعبْرَة عِنْده بِالزَّوْجَةِ لَا بِالزَّوْجِ