أَرْكَان الْإِيدَاع أَرْبَعَة وَدِيعَة وَصِيغَة
ومودع ووديع (وَشرط فِي الْمُودع والوديع مَا فِي مُوكل ووكيل) فَلَا يودع محرم صيدا وَلَا كَافِر مُسلما وَلَا نَحْو مصحف
[ ٢٩٦ ]
وَلَو أودع نَحْو صبي شخصا كَامِلا ضمن مَا أَخذه مِنْهُ عِنْد تلفه أَو إِتْلَافه قصر أم لَا ضَمَان الغصوب
نعم إِن أَخذه مِنْهُ لرغبة ثَوَاب الْآخِرَة خوفًا على تلفه فِي يَده أَو أتْلفه مودعه لم يضمنهُ وَفِي عكس ذَلِك بِأَن أودع كَامِل نَحْو صبي إِنَّمَا يضمن بِإِتْلَاف مِنْهُ
أما لَو أودعهُ نَاقص مثله فَإِنَّهُ يضمن بِمُجَرَّد الِاسْتِيلَاء التَّام وَشرط فِي الْعين المودعة كَونهَا مُحْتَرمَة وَلَو نجسا ككلب ينفع أَو حَبَّة بر وَإِن لم تضمن بِالْإِتْلَافِ (و) شَرط (فِي الصِّيغَة لفظ من أحد الْجَانِبَيْنِ وَفعل من الآخر) أَو لفظ مِنْهُمَا مَعًا وَهُوَ إِمَّا صَرِيح (كأودعتك هَذَا أَو استحفظتكه أَو) كِنَايَة مَعَ النِّيَّة (كخذه والوديعة أَصْلهَا أَمَانَة) وَقد تضمن الْوَدِيعَة بعوارض عشرَة نظمها الدَّمِيرِيّ بقوله عوارض التَّضْمِين عشر ودعها وسفر ونقلها وجحدها وَترك إيصاء وَدفع مهلك وَمنع ردهَا وتضييع حكى وَالِانْتِفَاع وَكَذَا المخالفه فِي حفظهَا إِن لم يزدْ من خَالفه فصل فِي اللّقطَة وَهِي (على أَرْبَعَة أَقسَام) أَحدهَا (مَا يبْقى على الدَّوَام فيعرفه وجوبا سنة) سَوَاء أَرَادَ التَّمَلُّك أَو قصد بِأَخْذِهِ الْحِفْظ ويتأكد التَّعْرِيف (على أَبْوَاب الْمَسَاجِد) عِنْد خُرُوجهمْ من الْجَمَاعَات (وَفِي الْموضع الَّذِي وجدهَا فِيهِ والأسواق) ومجامع النَّاس فِي بلد الِالْتِقَاط وَمَا قرب مِنْهُ (فَإِن لم يجد صَاحبه) بعد أَن عرفه بِقصد التَّمَلُّك (جَازَ لَهُ أَن يَتَمَلَّكهُ بِاللَّفْظِ) لاختيار قصد التَّمَلُّك (كَأَن يَقُول تملكت هَذَا) وَيصير ضَامِنا لَهُ فَإِن جَاءَ صَاحبه وَهُوَ بَاقٍ وَلم يتَعَلَّق بِهِ حق لَازم تعين رده إِلَيْهِ
(و) ثَانِيهَا (مَا لَا يبْقى على الدَّوَام) كالطعام الرطب (فالملتقط مُخَيّر فِيهِ بَين أكله بعد تملكه فِي الْحَال وَغرم قِيمَته لمَالِكه أَو بَيْعه وَحفظ ثمنه ثمَّ يعرفهُ ليتملك ثمنه) سَوَاء وجده فِي مفازة أَو عمرَان وعَلى جَوَاز الْأكل يجب التَّعْرِيف فِي الْعمرَان دون الْمَفَازَة لعدم فَائِدَته فِيهَا
[ ٢٩٧ ]
(و) ثَالِثهَا (مَا يبْقى بعلاج) كالرطب الَّذِي يجفف (فيفعل الْمُلْتَقط مَا فِيهِ الْمصلحَة من بَيْعه كُله وَحفظ ثمنه بِإِذن الْحَاكِم إِن وجده وَإِلَّا اسْتَقل بِهِ أَو تجفيفه وَحفظه إِن تبرع بِهِ الْوَاجِد أَو غَيره) لِأَنَّهُ مَال الْغَيْر فروعي فِيهِ الْمصلحَة فَإِن لم يُوجد من يتَبَرَّع بتجفيفه بيع بعضه لتجفيف الْبَاقِي
(و) رَابِعهَا (مَا يحْتَاج إِلَى نَفَقَة عَلَيْهِ) كالحيوان (وَهُوَ) على قسمَيْنِ أَحدهمَا (حَيَوَان لَا يمْتَنع بِنَفسِهِ من صغَار السبَاع) إِمَّا لضَعْفه كالغنم أَو لصغره كصغار الْبَقر (فالواجد مُخَيّر إِن كَانَ فِي الْبَادِيَة بَين أكله فِي الْحَال متملكا لَهُ وَغرم ثمنه لمَالِكه عِنْد ظُهُوره) وَلَا يجب التَّعْرِيف بعد الْأكل عِنْد الإِمَام (أَو تَركه من غير بيع والتطوع بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ أَو بَيْعه فِي الْحَال) اسْتِقْلَالا إِن لم يجد حَاكما أَو بِإِذن الْحَاكِم إِن وجده (وَحفظ ثمنه على صَاحبه) ويعرفه سنة ثمَّ يتَمَلَّك الثّمن لِأَنَّهُ إِذا لم يفعل ذَلِك ذهبت قِيمَته فِي نَفَقَته فَيضر بمالكه وَخرج بالبادية غَيرهَا من بلد وقرية وَمَا قرب مِنْهُمَا فَلَا يَأْكُلهُ لتيسر البيع فِيهِ وتخييره بَين مَا ذكر لَيْسَ تشهيا بل عَلَيْهِ فعل الأحظ قِيَاسا على مَا لَا يُمكن تجفيفه
ثَانِيهمَا حَيَوَان يمْتَنع بِنَفسِهِ مِمَّا ذكر إِمَّا بقوته كالبقر وَالْخَيْل وَإِمَّا بسرعته فِي الْعَدو كالأرنب وَإِمَّا بطيرانه كالحمام فَإِن كَانَ فِي الْبَادِيَة لم يجز لَهُ فِي زمن الْأَمْن الْتِقَاطه للتَّمَلُّك وَذَلِكَ لِإِمْكَان عيشه فِي الْبر بِلَا رَاع وَإِن وجده فِي الْحَضَر فَهُوَ مُخَيّر بَين الشَّيْئَيْنِ الْمُتَقَدِّمين لِأَنَّهُ لَا يجوز أكله إِذا كَانَ فِي الْحَاضِرَة وَإِذا تملك الْمُلْتَقط اللّقطَة وَلم يظْهر لَهَا صَاحب فَلَا شَيْء عَلَيْهِ بل هُوَ كسب من أكسابه فَلَا مُطَالبَة عَلَيْهِ فِي الْآخِرَة وَكَذَا فِي النِّهَايَة شرح أبي شُجَاع
- ﷺ َ - بَاب النِّكَاح - ﷺ َ - هُوَ عقد يتَضَمَّن إِبَاحَة وَطْء بِلَفْظ الْإِنْكَاح وَالتَّزْوِيج أَي مَا اشتق مِنْهُمَا لَا بِغَيْرِهِ فَلَيْسَ لنا عقد يخْتَص بحروف مَخْصُوصَة إِلَّا الْكِتَابَة وَالسّلم وَالنِّكَاح وَهُوَ حَقِيقَة فِي العقد مجَاز فِي الْوَطْء لصِحَّة نفي النِّكَاح عَن الْوَطْء
(سنّ) أَي النِّكَاح بِمَعْنى التَّزَوُّج (لتائق) لَهُ بتوقانه للْوَطْء وَلَو خَصيا
[ ٢٩٨ ]
أَو مشتغلا بِالْعبَادَة (قَادر) على أهبة النِّكَاح من مهر مثل وَكِسْوَة فصل التَّمْكِين وَنَفَقَة يَوْمه وَلَيْلَته وَحَيْثُ ندب كره تَركه وَيجب بِالنذرِ لَا بخوف الزِّنَا فَإِن لم يقدر على ذَلِك فَالْأولى لَهُ تَركه وَيكسر شَهْوَته بِالصَّوْمِ ندبا فَإِن لم تنكسر بِالصَّوْمِ حرم كسرهَا بِنَحْوِ كافور بل يتَزَوَّج فَإِن أَضْعَف الشَّهْوَة وَلم يذهبها كره (و) سنّ (نظر كل) من الرجل وَالْمَرْأَة (الآخر غير عَورَة) بِلَا مس شَيْء مِنْهُمَا وَهِي من الْحرَّة غير الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ من رُؤُوس الْأَصَابِع إِلَى الْكُوع ظهرا وبطنا لدلَالَة الْوَجْه على الْجمال وَالْكَفَّيْنِ على خصب الْبدن وَمِمَّنْ فِيهَا رق مَا عدا مَا بَين سرتها وركبتها وَامْرَأَة إِذا رغبت فِي نِكَاح رجل تنظر مِنْهُ إِلَى غير عَوْرَته فَإِنَّهُ يعجبها مِنْهُ مَا يُعجبهُ مِنْهَا وَوقت النّظر بعد الْعَزْم على نِكَاحهَا وَقبل الْخطْبَة لقَوْله ﷺ للْمُغِيرَة وَقد عزم على خطْبَة امْرَأَة انْظُر إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى من أَن يُؤْدم بَيْنكُمَا
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم أَي تدوم الْمَوَدَّة وَلقَوْله ﷺ إِذا ألْقى الله فِي قلب امرىء خطْبَة امْرَأَة فَلَا بَأْس أَن ينظر إِلَيْهَا
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره فَإِن لم يَتَيَسَّر ذَلِك النّظر بعث امْرَأَة تتأملها وتصفها لَهُ لِأَنَّهُ ﵊ بعث أم سليم إِلَى امْرَأَة وَقَالَ انظري إِلَى عرقوبها وشمي معاطفها
(و) سنّ (خطْبَة) بِضَم الْخَاء (لَهُ) أَي للنِّكَاح عِنْد إِرَادَة التَّلَفُّظ بِالْعقدِ سَوَاء الْوَلِيّ أَو نَائِبه وَالزَّوْج أَو نَائِبه وأجنبي كَأَن يَقُول الْحَمد لله نحمده ونستعينه وَنَسْتَغْفِرهُ ونعوذ بِاللَّه من شرور أَنْفُسنَا وسيئات أَعمالنَا من يهده الله فَلَا مضل لَهُ وَمن يضلل الله فَلَا هادي لَهُ
وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله أرْسلهُ بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا بَين يَدي السَّاعَة من يطع الله وَرَسُوله فقد رشد وَمن يعصهما فَإِنَّهُ لَا يضر الله شَيْئا ﷺ وعَلى آله وَأَصْحَابه ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ﴾ ٣ آل عمرَان الْآيَة ١٠٢ ﴿يَا أَيهَا النَّاس اتَّقوا ربكُم الَّذِي خَلقكُم من نفس وَاحِدَة﴾ إِلَى قَوْله ﴿رقيبا﴾ ٤ النِّسَاء الْآيَة ١ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله وَقُولُوا قولا سديدا﴾ إِلَى قَوْله ﴿عَظِيما﴾ ٣٣ الْأَحْزَاب الْآيَة ٧٠
أما بعد فَإِن الْأُمُور كلهَا بيد الله يقْضِي فِيهَا مَا يَشَاء وَيحكم مَا يُرِيد لَا مُؤخر لما قدم وَلَا مقدم لما أخر وَلَا يجْتَمع اثْنَان وَلَا يفترقان إِلَّا بِقَضَاء وَقدر وَكتاب قد سبق وَإِن مِمَّا قضى الله تَعَالَى وَقدر أَنه قد خطب فلَان بن فلَان فُلَانَة بنت فلَان على صدَاق كَذَا
أَقُول قولي هَذَا وَأَسْتَغْفِر الله لي وَلكم أَجْمَعِينَ
وَيسْتَحب قَول الْوَلِيّ فَقَط قبل العقد زَوجتك على مَا أَمر الله تَعَالَى بِهِ من إمْسَاك بِمَعْرُوف أَو تَسْرِيح بِإِحْسَان ثمَّ يذكر الْإِيجَاب ثَانِيًا وَيسن الدُّعَاء للزَّوْج مِمَّن حضر سَوَاء الْوَلِيّ وَغَيره عقب العقد بقوله بَارك الله لَك وَبَارك عَلَيْك وَجمع بَيْنكُمَا فِي خير وَيَنْبَغِي أَن من لم يحضر العقد ينْدب لَهُ ذَلِك إِذا لَقِي الزَّوْج وَإِن طَال الزَّمن مَا لم تنتف نِسْبَة القَوْل إِلَى التهنئة عرفا وَيسْتَحب أَن يُقَال لكل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ بَارك الله لكل وَاحِد مِنْكُمَا
[ ٢٩٩ ]
فِي صَاحبه وَجمع بَيْنكُمَا فِي خير وَيسْتَحب للزَّوْج الْأَخْذ بناصية زَوجته أول لقياها وَيَقُول بَارك الله لكل منا فِي صَاحبه ثمَّ إِذا أَرَادَ الْجِمَاع تغطيا بِثَوْب وَقدم قبله التَّنْظِيف والتطيب والتقبيل وَنَحْوه مِمَّا ينشط لَهُ وَيسْتَحب قَول كل مِنْهُمَا وَإِن أيس من الْوَلَد بِسم الله اللَّهُمَّ جنبنا الشَّيْطَان وجنب الشَّيْطَان مَا رزقتنا وليتحر استحضار ذَلِك القَوْل بِصدق فِي قلبه عِنْد الْإِنْزَال فَإِن لَهُ أثرا بَينا فِي صَلَاح الْوَلَد وَغَيره وَيكرهُ أَن يتَكَلَّم أَحدهمَا فِي أَثْنَائِهِ بِمَا لَا يتَعَلَّق بِهِ لَا بِمَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ مَقْصُوده من الْجِمَاع كَأَن يطْلب مِنْهَا أَن تكون على صفة يتَمَكَّن مَعهَا من تَمام مُرَاده فِي الْوَطْء
(ودينة) بِحَيْثُ تُوجد فِيهَا صفة الْعَدَالَة لَا الْعِفَّة عَن الزِّنَا فَقَط (ونسيبة) أَي مَعْرُوفَة الأَصْل طيبَة لنسبتها إِلَى الْعلمَاء والصلحاء (وجميلة) بِأَن يُوجد فِيهَا وصف قَائِم بِالذَّاتِ مستحسن عِنْد ذَوي الطباع السليمة
(و) قرَابَة (بعيدَة) وَهِي أَن لَا تكون فِي أول دَرَجَات الخؤولة والعمومة (وَبكر) بَالِغَة وافرة الْعقل حَسَنَة الْخلق خَفِيفَة الْمهْر
(وولود) وَيعرف فِي الْبكر بأقاربها (أولى) من غَيرهَا وكل مِمَّا ذكر مُسْتَقل بالندب فَينْدب أَن لَا يُزَوّج بنته الْبكر إِلَّا من بكر لم يتَزَوَّج قطّ
نعم الثّيّب أولى للعاجز عَن الافتضاض وَلمن عِنْده عِيَال يحْتَاج إِلَى كَامِلَة تقوم عَلَيْهِنَّ وَيكرهُ نِكَاح بنت الزِّنَا وَالْفَاسِق ولقيطة وَمن لَا يعرف أَبوهَا وَيكرهُ نِكَاح ذَات الْجمال المفرط لِأَنَّهَا مَا سلمت من فتْنَة أَو تطلع فَاجر إِلَيْهَا أَو تَقوله عَلَيْهَا وَيكرهُ نِكَاح الْقَرَابَة الْقَرِيبَة وَهِي من فِي أول دَرَجَات النِّسَاء اللَّاتِي تحل لِأَن نحافة الْوَلَد الناشئة غَالِبا عَن الاستحياء من الْقَرَابَة الْقَرِيبَة معنى ظَاهر يصلح أصلا للكراهة وَلَو تَعَارَضَت تِلْكَ الصِّفَات فَالْأولى تَقْدِيم ذَات الدّين مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَت جميلَة أم لَا ثمَّ الْعقل وَحسن الْخلق ثمَّ النّسَب ثمَّ الْبكارَة ثمَّ الْولادَة ثمَّ الْجمال ثمَّ مَا الْمصلحَة فِيهِ أظهر بِحَسب اجْتِهَاده
وَيسن أَن يتَزَوَّج فِي شَوَّال وَفِي صفر لِأَن رَسُول الله ﷺ تزوج عَائِشَة ﵂ فِي شَوَّال وَزوج ابْنَته فَاطِمَة عليا فِي شهر صفر على رَأس اثْنَي عشر شهرا من الْهِجْرَة وَأَن يعْقد فِي الْمَسْجِد وَأَن يكون العقد مَعَ جمع وَأول النَّهَار وَيَوْم الْجُمُعَة
(أَرْكَانه) أَي النِّكَاح خَمْسَة (زَوْجَة وَزوج وَولي وشاهدان) عدهما ركنا وَاحِدًا لعدم اخْتِصَاص أَحدهمَا بِشَرْط دون الآخر بِخِلَاف الزَّوْجَيْنِ فَإِنَّهُ يعْتَبر فِي كل مِنْهُمَا مَا لَا يعْتَبر فِي الآخر (وَصِيغَة وَشرط فِيهَا) أَي الصِّيغَة (إِيجَاب كزوجتك أَو أنكحتك) موليتي فُلَانَة مثلا
قَالَ عمر الْبَصْرِيّ حَيْثُ تقرر أَن أنكحك لُغَة فَالظَّاهِر أَنه يَصح العقد بهَا حَتَّى من غير أَهلهَا وَإِن كَانَ عَارِفًا بِالْأَصْلِ قَادِرًا عَلَيْهِ انْتهى
فَلَا بُد من عَائِد على الْمَنْكُوحَة من نَحْو اسْم أَو ضمير أَو إِشَارَة وَلَا يَصح النِّكَاح إِلَّا بِلَفْظ مُشْتَقّ من التَّزْوِيج أَو الْإِنْكَاح فَيصح نَحْو أَنا مزوجك إِلَى آخِره لخَبر مُسلم اتَّقوا الله فِي النِّسَاء فَإِنَّكُم أَخَذْتُمُوهُنَّ بأمانة الله واستحللتم فروجهن بِكَلِمَة الله وكلمته تَعَالَى مَا ورد فِي كِتَابه من نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿فانكحوا مَا طَابَ لكم من النِّسَاء﴾
[ ٣٠٠ ]
٤ - النِّسَاء الْآيَة ٣
وَقَوله تَعَالَى ﴿فَلَمَّا قضى زيد مِنْهَا وطرا زَوَّجْنَاكهَا﴾ ٣٣ الْأَحْزَاب الْآيَة ٣٧ فَلم يَصح النِّكَاح بِنَحْوِ لفظ إِبَاحَة وتمليك وَهبة (وَقبُول مُتَّصِل بِهِ) أَي الْإِيجَاب (كتزوجتها أَو نكحتها أَو قبلت أَو رضيت) أَو أَحْبَبْت أَو أردْت (نِكَاحهَا) بِمَعْنى إنكاحها فَهُوَ مصدر مُضَاف لمفعوله أَو قبلت تَزْوِيجهَا أَو قبلت النِّكَاح أَو التَّزْوِيج بِخِلَاف قبلتها وقبلته بضمير يرجع إِلَى الْمَنْكُوحَة وبضمير يرجع إِلَى النِّكَاح فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي وَقبلت فَقَط من غير ذكر نِكَاحهَا أَو تَزْوِيجهَا وَلَا يضر اخْتِلَاف الْإِيجَاب وَالْقَبُول فِي الصِّيغَة فَإِذا قَالَ زَوجتك فَقَالَ قبلت نِكَاحهَا أَو الْعَكْس صَحَّ العقد
(وَصَحَّ) أَي عقد النِّكَاح (بترجمة) للفظ تَزْوِيج إو إنكاح بِسَائِر اللُّغَات وَإِن أحسن قَائِلهَا الْعَرَبيَّة اعْتِبَارا بِالْمَعْنَى وَذَلِكَ بِشَرْط أَن يفهم مَعْنَاهَا العاقدان والشاهدان وَأَن يعدها أهل تِلْكَ اللُّغَة صَرِيحَة فِي لغتهم وَقيل لَا يَصح اعْتِبَارا بِاللَّفْظِ الْوَارِد وَقيل إِن عجز عَن الْعَرَبيَّة صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَصَحَّ النِّكَاح بتقدم قبُول على إِيجَاب لحُصُول الْمَقْصُود وَذَلِكَ كَأَن يَقُول الزَّوْج قبلت نِكَاح فُلَانَة فَيَقُول الْوَلِيّ أنكحتكها وَيَقُول الزَّوْج زَوجنِي فُلَانَة مَعَ قَول الآخر عقبه زَوجتك وَيَقُول الْوَلِيّ تزوج بِنْتي فُلَانَة مَعَ قَول الزَّوْج عقبه تَزَوَّجتهَا لوُجُود الطّلب الْجَازِم الدَّال على الرِّضَا وَيشْتَرط لصِحَّة النِّكَاح ذكر الزَّوْجَة من الْجَانِبَيْنِ باسمها صَرِيحًا أَو بهاء الضَّمِير وَاسم إِشَارَة لَهَا أَو قَصدهَا ويلغى الِاسْم إِذا عَارضه الْقَصْد أَو الْوَصْف نَحْو زَيْنَب الْكَبِيرَة وَكَانَ قَصده الصَّغِيرَة
(لَا) يَصح النِّكَاح (مَعَ تَعْلِيق) فَلَو بشر شخص بِولد ذكر فَقَالَ إِن كَانَ أُنْثَى فقد زوجتكها فَقبل وَبَانَتْ أُنْثَى لم يَصح النِّكَاح بِخِلَاف مَا لَو بشر بأنثى فَقَالَ إِن صدق الْمخبر فقد زوجتكها فَإِنَّهُ يَصح لِأَن إِن بِمَعْنى إِذْ فَلَيْسَ بتعليق إِذا تَيَقّن صدق الْمخبر وَإِلَّا فَلَا يَصح لِأَن لفظ إِن للتعليق وَمثل ذَلِك مَا لَو أخبر شخص بِمَوْت زَوجته وَظن صدق الْمخبر فَقَالَ إِن صدق الْمخبر فقد تزوجت بنتك وَلَو قَالَ إِن كَانَت فُلَانَة موليتي فقد زوجتكها صَحَّ العقد إِذا علم أَنَّهَا موليته لِأَن ذَلِك لَيْسَ بتعليق حِينَئِذٍ وَلَو قَالَ زَوجتك إِن شِئْت صَحَّ أَيْضا إِذا لم يرد التَّعْلِيق وَلَو كَانَت الْمَرْأَة غَابَتْ وتحدث بموتها وَلم يثبت فَقَالَ الْوَلِيّ زَوجتك بِنْتي إِن كَانَت حَيَّة لم يَصح العقد لِأَن إِن فِي هَذَا التَّرْكِيب لَيست بِمَعْنى إِذْ لِأَن الشَّك منع من حملهَا على معنى إِذْ وَأوجب اسْتِعْمَالهَا للتعليق (وتوقيت) سَوَاء كَانَ بِمدَّة مَعْلُومَة كَسنة أَو مَجْهُولَة كمدة عمره أَو عمرها أَو مُدَّة لَا تبقى الدُّنْيَا إِلَيْهَا لِأَن الْعبْرَة بصيغ الْعُقُود لَا بمعانيها
وَقد صرح الْأَصْحَاب فِي البيع بِأَنَّهُ إِذا قَالَ بِعْتُك هَذَا حياتك لم يَصح البيع فَالنِّكَاح أولى وَمحل عدم صِحَة التَّأْقِيت إِذا وَقع فِي صلب العقد أما إِذا توافقا عَلَيْهِ قبل وتركاه فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يضر لَكِن يَنْبَغِي كَرَاهَته كالمحلل وَذَلِكَ للنَّهْي عَن نِكَاح الْمُتْعَة وَهُوَ النِّكَاح إِلَى أجل مُسَمّى بذلك لِأَن الْغَرَض من النِّكَاح مُجَرّد التَّمَتُّع أَي التنعم والتلذذ دون التوالد والتوارث
وَكَانَ التَّوْقِيت جَائِزا فِي صدر الْإِسْلَام رخصَة للْمُضْطَر كَأَكْل كل الْميتَة لِكَثْرَة الرِّجَال وَقلة النِّسَاء اللَّاتِي أسلمن ثمَّ
[ ٣٠١ ]
حرم عَام خَيْبَر ثمَّ جَازَ عَام الْفَتْح وَقبل حجَّة الْوَدَاع ثمَّ حرم أبدا وَكَذَا لُحُوم الْحمر الْأَهْلِيَّة حرمت مرَّتَيْنِ وَكَذَا الْقبْلَة وَالْخمر وَالْوُضُوء مِمَّا مسته النَّار وَقد نظم الْجلَال السُّيُوطِيّ ذَلِك فَقَالَ وَأَرْبع تكَرر النّسخ لَهَا جَاءَت بهَا الْأَخْبَار والْآثَار فقبلة ومتعة وخمرة كَذَا الوضو مِمَّا تمس النَّار (و) شَرط (فِي الزَّوْجَة خلو من نِكَاح) فَلَو أَذِنت الْمَرْأَة لوليين فَأَنْكحهَا أَحدهمَا رجلا وَالْآخر رجلا آخر فَإِن وَقع نِكَاحهمَا مَعًا أَو جهل السَّبق والمعية أَو عرف سبق أَحدهمَا وَلم يتَعَيَّن وأيس من تعينه فالإنكاحان باطلان بِخِلَاف مَا إِذا أَذِنت لأَحَدهمَا فَيتَعَيَّن الصِّحَّة لَهُ فَإِذا زوج الآخر لم يَصح وَإِن عرف عين السَّابِق بِبَيِّنَة أَو تصادق مُعْتَبر وَلم ينس فَهُوَ الصَّحِيح فَإِن نسي وَجب التَّوَقُّف حَتَّى يتَبَيَّن فَلَا يجوز لوَاحِد مِنْهُمَا وَطْؤُهَا وَلَا يجوز لثالث نِكَاحهَا قبل أَن يطلقاها أَو يموتا أَو يُطلق أَحدهمَا وَيَمُوت الآخر وتنقضي عدتهَا مِمَّن دخل بهَا أَو مَاتَ عَنْهَا (و) من (عدَّة) من غَيره فَلَا يَصح نِكَاح الْمُعْتَدَّة من غَيره لتَعلق حق الْغَيْر بهَا بِخِلَاف الْمُعْتَدَّة من الناكح لِأَن المَاء لَهُ سَوَاء كَانَت الْعدة عَن وَفَاة مُطلقًا أَو عَن طَلَاق بعد الدُّخُول أَو عَن وَطْء شُبْهَة كَأَن ظَنّهَا أمته وَلَا يَصح نِكَاح المشكوكة فِي انْقِضَاء الْعدة وَنِكَاح المرتابة فِي وجود الْحمل قبل انْقِضَاء عدتهَا فَلَو نَكَحَهَا رجل بعد انْقِضَاء عدتهَا والريبة الَّتِي وجدت فِي الْعدة مَوْجُودَة حَالَة العقد ثمَّ بَان أَنه لَا حمل فَالنِّكَاح بَاطِل بِخِلَاف مَا لَو نكحت بعد الْعدة وَلَيْسَ هُنَاكَ رِيبَة ثمَّ طرأت فَالنِّكَاح صَحِيح وَكَذَا لَو انْقَضتْ وَلَا رِيبَة ثمَّ طرأت ثمَّ نكحت فَإِنَّهُ صَحِيح أَيْضا فَمَتَى وَقعت الرِّيبَة بعد الْعدة فَلَا يضر سَوَاء وَقعت قبل النِّكَاح أَو بعده لَكِن يسن الصَّبْر عَن النِّكَاح لتزول الرِّيبَة
(و) شَرط فِي الزَّوْجَة حل فَلَا يَصح نِكَاح الْمُحرمَة بنسك وَلَو بَين التحللين وَلَو نكح من ظَنّهَا مُحرمَة فَبَان أَن لَا إِحْرَام فَالنِّكَاح بَاطِل للتردد فِي الْحل و(تعْيين) فَلَا يَصح نِكَاح إِحْدَى امْرَأتَيْنِ للإبهام وَيَكْفِي التَّعْيِين بِوَصْف أَو رُؤْيَة أَو نَحْوهمَا كَقَوْلِه زَوجتك بِنْتي وَلَيْسَ لَهُ غَيرهَا أَو بِنْتي الَّتِي فِي الدَّار وَلَيْسَ فِيهَا غَيرهَا أَو هَذِه وَإِن سَمَّاهَا بِغَيْر اسْمهَا فِي الْكل وَكَقَوْلِه زَوجتك هَذَا الْغُلَام وَأَشَارَ لبنته تعويلا على الْإِشَارَة وَلِأَن البنتية صفة لَازِمَة مُمَيزَة فاعتبرت ولغا الِاسْم