(يحرم بِإِحْرَام) أُمُور وَهِي على ثَلَاثَة أَقسَام مِنْهَا مَا يحرم على رجل وَأُنْثَى وَهُوَ كثير مِنْهُ (وَطْء) وَكَذَا مقدماته (و) هِيَ (قبْلَة) ومباشرة وَنظر ولمس ومعانقة بِشَهْوَة وَلَو مَعَ عدم إِنْزَال أَو مَعَ حَائِل (و) مِنْهُ (استمناء) بيد (و) مِنْهُ (نِكَاح) أَي عقده بِولَايَة أَو وكَالَة وقبوله وَخرج بذلك الرّجْعَة فَلَا تحرم (و) مِنْهُ (تطيب) أَي اسْتِعْمَال طيب بِمَا يقْصد بِهِ رَائِحَته غَالِبا وَلَو مَعَ غَيره إِذا لم يستهلك فِيهِ كالمسك وَالْعود والكافور والزعفران سَوَاء كَانَ ذَلِك فِي ملبوسه أَو فِي بدنه وَسَوَاء كَانَ ذَلِك بِأَكْل أَو استعاط أَو احتقان وَخرج بِمَا يقْصد بِهِ رَائِحَته مَا يقْصد بِهِ الْأكل أَو التَّدَاوِي وَإِن كَانَ لَهُ ريح طيبَة كالتفاح وَسَائِر الأبازير الطّيبَة كالقرنفل والهيل الْهِنْدِيّ فَلَا يحرم
(و) مِنْهُ (دهن شعر) فِي رَأس وَوجه بِزَيْت أَو نَحوه وَلَو غير مُطيب وَلَا فرق فِي الشّعْر بَين الْكثير والقليل وَلَو وَاحِدَة ومحلوقا
(و) مِنْهُ (إِزَالَته) أَي الشّعْر من أَي جُزْء من بدنه بحلق أَو قصّ أَو نتف أَو إحراق أَو نَحْو ذَلِك
(و) مِنْهُ (قلم) للأظفار من الْيَد أَو الرجل وَمِنْه التَّعَرُّض للصَّيْد الْبري الوحشي الْمَأْكُول أَو الَّذِي كَانَ متولدا بَين الْبري الوحشي الْمَأْكُول وَبَين غَيره كالمتولد بَين حمَار وَحشِي وحمار أَهلِي أَو بَين شَاة وظبي وَذَلِكَ يَشْمَل تنفيره وإزعاجه من مَكَانَهُ والإعانة عَلَيْهِ كدفع آلَة صيد لصائده وَدلَالَة متعرضه عَلَيْهِ وكما يحرم التَّعَرُّض لَهُ يحرم التَّعَرُّض لجزئه كَيده وشعره وَغَيرهمَا
(و) مِنْهَا مَا (يحرم) على الذّكر فَقَط وَهُوَ (ستر رجل بعض رَأس) وَلَو الْبيَاض الَّذِي وَرَاء الْأذن سَوَاء ستر الْبَعْض الآخر أَو لَا (بِمَا يعد ساترا) عرفا
[ ٢١٣ ]
كالعمامة والطيلسان وَكَذَا الطين والحناء الثخينان بِخِلَاف الرقيقين وَبِخِلَاف مَا لَا يعد ساترا عرفا كاستظلال بمحمل وَإِن مَسّه وكانغماسه فِي مَاء كدر وكوضع يَده على رَأسه وَإِن قصد بِهِ السّتْر وَأما وضع قفة أَو نَحْوهَا على رَأسه فَيجوز إِن لم تعمه أَو غالبه وَلم يقْصد بهَا السّتْر (ولبسه محيطا) ستر بدنه أَو عضوا مِنْهُ سَوَاء كَانَ مخيطا أَو منسوجا أَو ملزقا وَسَوَاء كَانَ من قطن أَو جلد أَو غير ذَلِك وَذَلِكَ كقميص وقباء وَإِن لم يخرج يَدَيْهِ من كميه وخريطة لخضاب لحيته وقفاز ليديه
وَمن الْمُحِيط سرموجة لإحاطتها بِالرجلِ والبابوج لإحاطته بالأصابع وَيجوز لبس النَّعْل والقبقاب بِشَرْط أَن لَا يسترا جَمِيع الْأَصَابِع وَإِلَّا حرما (بِلَا عذر) وَمن لم يجد نَحْو النَّعْلَيْنِ مِمَّا يجوز لبسه جَازَ لَهُ لبس الْخُفَّيْنِ بِشَرْط أَن يقطعهما أَسْفَل من الْكَعْبَيْنِ وَإِن بَقِي مِنْهُمَا مَا يُحِيط بالعقب والأصابع وَظهر الْقَدَمَيْنِ وَأَن يحْتَاج إِلَيْهِمَا
(و) مِنْهَا مَا يحرم على غير الذّكر فَقَط وَهُوَ (ستر امْرَأَة بعض وَجه) إِلَّا لحَاجَة فَيجوز مَعَ الْفِدْيَة وَيجب على الْحرَّة أَن تستوعب رَأسهَا بالستر للصَّلَاة وَلَو لزم على ذَلِك ستر بعض الْوَجْه مُرَاعَاة للصَّلَاة فَإِذا أَرَادَت الْمَرْأَة ستر وَجههَا عَن النَّاس أرخت عَلَيْهِ مَا يستره من نَحْو ثوب متجاف عَنهُ بِنَحْوِ خَشَبَة بِحَيْثُ لَا يَقع السَّاتِر على بشرة الْوَجْه وَلها لبس الْمُحِيط فِي بَاقِي بدنهَا إِلَّا القفاز وَهُوَ شَيْء يعْمل لليد
وَتجب فِي جَمِيع هَذِه الْمُحرمَات الْفِدْيَة إِلَّا عقد النِّكَاح فَلَا فديَة فِيهِ لِأَنَّهُ لَا ينْعَقد فوجوده كَالْعدمِ وَلَا دم فِي النّظر بِشَهْوَة والقبلة بِحَائِل وَإِن أنزل بِخِلَاف مَا سوى ذَلِك من الْمُقدمَات فَإِن فِيهِ الدَّم إِن بَاشر عمدا بِشَهْوَة وَبِخِلَاف الاستمناء فَلَا تجب الْفِدْيَة إِلَّا إِذا أنزل وَكلهَا صغائر إِلَّا قتل الصَّيْد وَالْجِمَاع الْمُفْسد فَإِنَّهُمَا من الْكَبَائِر وَلَا يفْسد الْحَج بِشَيْء من هَذِه الْمُحرمَات إِلَّا بِالْجِمَاعِ وَإِن لم ينزل بِشَرْط أَن يكون المجامع مُمَيّزا وَلَو صَبيا أَو رَقِيقا وَأَن يكون عَامِدًا عَالما مُخْتَارًا وَأَن يكون قبل التَّحَلُّل الأول فِي الْحَج فَإِن لَهُ تحللين يحصل التَّحَلُّل الأول مِنْهُمَا بِفعل اثْنَيْنِ من ثَلَاثَة وَهِي رمي جَمْرَة الْعقبَة وَإِزَالَة الشّعْر وَطواف الْإِفَاضَة الْمَتْبُوع بالسعي إِن لم يكن سعى بعد طواف الْقدوم وَيحل بِهِ سَائِر مُحرمَات الْإِحْرَام إِلَّا مَا يتَعَلَّق بِالنسَاء من عقد النِّكَاح وَالْجِمَاع ومقدماته وَإِذا فعل الثَّالِث من الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة حصل لَهُ التَّحَلُّل الثَّانِي وَحل لَهُ بَاقِي مُحرمَات الْإِحْرَام وَيحرم على الْحَلَال كالمحرم التَّعَرُّض للصَّيْد الْبري الوحشي الْمَأْكُول أَو الْمُتَوَلد بَينه وَبَين غَيره فِي الْحرم والتعرض لشجر الْحرم مُطلقًا إِذا كَانَ رطبا غير مؤذ وَإِلَّا جَازَ قطعه ولزرع الْحرم غير مَا يستنبته الآدميون وَتجب فِيهِ الْقيمَة
نعم يجوز أَخذه لعلف الْبَهَائِم وللتداوي
والدماء الْوَاجِبَة على الْحَاج والمعتمر أحد وَعِشْرُونَ دَمًا مقسومة أَرْبَعَة أَقسَام الأول دم تَخْيِير وَتَقْدِير وَمعنى التَّخْيِير هُوَ أَن يجوز الِانْتِقَال إِلَى الثَّانِي مَعَ الْقُدْرَة على الأول وَيكون مُخَيّرا بَينهمَا وَمعنى التَّقْدِير أَنه ينْتَقل إِلَى شَيْء قدره الشَّارِع بِمَا لَا يزِيد وَلَا ينقص (وفدية ارْتِكَاب) وَاحِد من الْأَسْبَاب الثَّمَانِية من (مَا يحرم) هَذَا الْمَذْكُور فالسبب الأول إِزَالَة الشّعْر بِأَيّ طَرِيق كَانَ من مُمَيّز لم يتَحَلَّل أَزَال من نَفسه أَو أزيل مِنْهُ بِاخْتِيَارِهِ ثَلَاث شَعرَات فَصَاعِدا من الرَّأْس أَو غَيره أَو بعض كل مِنْهُمَا فِي زمَان وَاحِد عرفا فِي
[ ٢١٤ ]
مَكَان وَاحِد فَلَو أَزَال ثَلَاث شَعرَات فِي ثَلَاثَة أزمان فالفدية لَا تكمل بل تجب عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَمْدَاد وَكَذَا فِي تعدد الْمَكَان
وَالسَّبَب الثَّانِي قلم الْأَظْفَار وَلَو انْكَسَرَ بعض الظفر وتأذى بِهِ جَازَ قطع المنكسر أَو قلمه وَلَا فديَة كشعر نبت دَاخل الجفن
وَالسَّبَب الثَّالِث اللّبْس من محرم مُمَيّز عَامِد عَالم بِالتَّحْرِيمِ وللمحرم أَن يدْخل يَده فِي قَمِيص مُنْفَصِل وَرجله فِي سَاق الْخُف لإفراده وتكرر الْفِدْيَة بِتَكَرُّر اللّبْس والستر مَعَ اخْتِلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان وَلَو لبس فَوق ملبوسه فَإِن ستر الثَّانِي زِيَادَة على مَا ستر الأول تَكَرَّرت الْفِدْيَة وَإِلَّا فَلَا
وَالسَّبَب الرَّابِع دهن شَيْء من شعر رَأسه أَو لحيته وَلَو محلوقين بدهن مَا
وَالسَّبَب الْخَامِس اسْتِعْمَال الطّيب على الْوَجْه المألوف فِيهِ كالتبخر بِالْعودِ بِخِلَاف أكله وَحمله وَوَضعه فِي النَّار من غير أَن يعد متطيبا بِهِ على الْعَادة وَلَا شَيْء بشم نَحْو مَاء الْورْد من غير مس إِذْ الْعَادة فِيهِ التصمخ وَلَا شَيْء فِي زهر الْبَادِيَة ونبتها لِأَنَّهُ لَا يعد طيبا عرفا وَمن الطّيب الرياحين كالورد واستعمالها يكون بملاقاتها للأنف فَلَا شَيْء بشمها من غير إلصاقها بالأنف
وَالسَّبَب السَّادِس مُقَدمَات الْجِمَاع وَلَو بَين التحللين لَكِن لَو جَامع بعد ذَلِك اندرجت فديَة الْمُبَاشرَة فِي دم الْجِمَاع الْوَاقِع بعْدهَا سَوَاء كَانَ بَدَنَة أَو شَاة أَو بدل الْبَدنَة وَسَوَاء أَطَالَ الزَّمن بَين الْمُقدمَات وَالْجِمَاع أم قصر
وَالسَّبَب السَّابِع الْوَطْء بعد الْجِمَاع الْمُفْسد مُتَّصِلا كَانَ أَو مُنْفَصِلا وتتعدد الْفِدْيَة بِتَكَرُّر الْجِمَاع وَلَو كثرت المرات وَإِن كَانَ على التوالي الْمُعْتَاد مَعَ اتِّحَاد الْمَكَان وَإِن لم يسْبق التَّكْفِير على الصَّحِيح
وَالسَّبَب الثَّامِن الْوَطْء بَين التحللين وَإِذا تكَرر الْجِمَاع بَين التحللين قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين الظَّاهِر أَن حكمه حكم تكرره بعد الْإِفْسَاد فَهَذِهِ الْأَسْبَاب الثَّمَانِية فديتها إِمَّا (ذبح شَاة) مجزئة فِي الْأُضْحِية (أَو تصدق بِثَلَاثَة آصَع لسِتَّة) من الْمَسَاكِين لكل مِسْكين نصف صَاع (أَو صَوْم ثَلَاثَة) من الْأَيَّام
(و) الثَّانِي دم تَرْتِيب وَتَقْدِير
وَمعنى التَّقْدِير أَنه لَا ينْتَقل إِلَى الثَّانِي إِلَّا بعد الْعَجز عَن الأول
وَلِهَذَا أَسبَاب فالخمسة مِنْهَا (دم ترك مَأْمُور) من الْأُمُور الْخَمْسَة الأول مُجَاوزَة الْمِيقَات وَيجب الدَّم على من جَاوز مِيقَاته مرِيدا للنسك ثمَّ أحرم بِعُمْرَة مُطلقًا أَو بِحَجّ فِي سنته وَلم يعد قبل التَّلَبُّس بنسك إِلَى مِيقَاته أَو إِلَى مِيقَات مثل مسافته أَو أبعد مِنْهُ لَا أقرب وعَلى حرمي أحرم بِالْعُمْرَةِ من الْحرم وَلم يخرج إِلَى أدنى الْحل قبل التَّلَبُّس بنسك وَلَا فرق فِي وجوب الدَّم بذلك بَين الْعَالم الْعَامِد وضده وَإِن افْتَرَقُوا فِي الْإِثْم وَعَدَمه
وَالثَّانِي ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة لَيْلَة النَّحْر بعد الْوُقُوف أما الْمَعْذُور فَلهُ ترك الْمبيت بهَا وَلَا دم
[ ٢١٥ ]
عَلَيْهِ كمن اشْتغل بِالْوُقُوفِ عَن الْمبيت
وَالثَّالِث ترك الْمبيت بمنى مُعظم لَيْلَة من ليَالِي التَّشْرِيق
أما أَصْحَاب الْأَعْذَار فَلهم ترك الْمبيت وَلَا دم عَلَيْهِم كالرعاء إِن خَرجُوا نَهَارا وَأهل السِّقَايَة مُطلقًا وَكَمن ضَاعَ لَهُ مَال أَو أبق لَهُ عبد أَو خَافَ على نَفسه أَو مَاله أَو كَانَ بِهِ مرض يشق مَعَه الْمبيت أَو كَانَ لَهُ مَرِيض يحْتَاج إِلَى تعهده
وَفِي ترك اللَّيْلَة الْوَاحِدَة مد والليلتين مدان إِن كَانَ قَادِرًا فَإِن عجز عَن مد وَاحِد صَامَ أَرْبَعَة أَيَّام
وَالرَّابِع ترك الرَّمْي لثلاث حَصَيَات فَأكْثر من حَصى الْجمار ويتحقق ترك مَا ذكر بغروب ثَالِث أَيَّام التَّشْرِيق إِن لم ينفر النَّفر الأول وثانيه إِن نفره وَسَوَاء الْمَعْذُور بِمَرَض أَو حبس مثلا وَغَيره
أما الْحَصَاة الْوَاحِدَة فَفِيهَا مد وَفِي الحصاتين مدان بِأَن يتْرك ذَلِك من جَمْرَة الْعقبَة آخر أَيَّام التَّشْرِيق هَذَا إِن كَانَ قَادِرًا فَإِن عجز عَن الْمَدّ صَامَ عَن الْحَصَاة الْوَاحِدَة أَرْبَعَة أَيَّام وَذَلِكَ لِأَن ثلث عشرَة أَيَّام ثَلَاثَة أَيَّام وَثلث يَوْم فيكمل المنكسر فَتَصِير أَرْبَعَة لَكِن يَصُوم ثَلَاثَة أعشارها مُعجلَة وَهُوَ يَوْمَانِ بتكميل المنكسر وَسَبْعَة أعشارها فِي بَلَده وَهُوَ ثَلَاثَة أَيَّام بتكميل المنكسر وَفِي الحصاتين سَبْعَة أَيَّام بتكميل المنكسر يَصُوم ثَلَاثَة أعشارها مُعجلَة وَهُوَ ثَلَاثَة أَيَّام بتكميل المنكسر وَسَبْعَة أعشارها فِي بَلَده وَهُوَ خَمْسَة أَيَّام بتكميل المنكسر
وَالْخَامِس ترك طواف الْوَدَاع وَيجب الدَّم على من خرج من مَكَّة إِلَى وَطنه أَو إِلَى مَوضِع يُقيم فِيهِ مُطلقًا أَو إِلَى مَسَافَة الْقصر فَلَا يَتَقَرَّر عَلَيْهِ الدَّم إِلَّا بوصول مقْصده أَو بُلُوغ مَسَافَة الْقصر وَيشْتَرط فِي وجوب الدَّم بترك طواف الْوَدَاع أَن لَا يكون مَعْذُورًا كالحائض وَالنُّفَسَاء والخائف من ظَالِم أَو فَوت رفْقَة أَو من غَرِيم لَهُ وَهُوَ مُعسر وَلَا يدْخل طواف الْوَدَاع تَحت غَيره حَتَّى لَو أخر طواف الْإِفَاضَة وَفعله عِنْد إِرَادَة السّفر لم يكف
وَالسَّبَب السَّادِس التَّمَتُّع وَيجب بِهِ الدَّم بأَرْبعَة شُرُوط أَولهَا أَن يكون إِحْرَامه بِالْعُمْرَةِ فِي أشهر الْحَج
ثَانِيهَا أَن يحجّ فِي عَامه
ثَالِثهَا أَن لَا يكون من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام حِين إِحْرَامه بهَا وَالْمرَاد بحاضريه من هُوَ مستوطن بِالْحرم أَو على دون مرحلَتَيْنِ مِنْهُ فَلَا يَكْفِي مُجَرّد الْإِقَامَة بِدُونِ استيطان
رَابِعهَا أَن لَا يعود قبل الْإِحْرَام بِالْحَجِّ أَو بعده وَقبل التَّلَبُّس بنسك إِلَى الْمِيقَات الَّذِي أحرم بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ أَو إِلَى مثل مسافته أَو إِلَى مِيقَات أقرب مِنْهُ وَإِلَّا فَلَا دم عَلَيْهِ
وَالسَّبَب السَّابِع الْقرَان وَيجب بِهِ الدَّم بِشَرْطَيْنِ أَن لَا يكون من حاضري الْمَسْجِد الْحَرَام وَأَن لَا يعود إِلَى الْمِيقَات قبل الْوُقُوف بِعَرَفَة
وَالسَّبَب الثَّامِن فَوَات الْوُقُوف بِعَرَفَة بِأَن يطلع فجر يَوْم النَّحْر قبل حُضُوره فِي جُزْء من أرْضهَا وَإِذا كَانَ قَارنا تفوت الْعمرَة تبعا لِلْحَجِّ وَيجب عَلَيْهِ الْقَضَاء فَوْرًا من عَام قَابل سَوَاء فَاتَهُ بِعُذْر أَو بِغَيْرِهِ وَلَا يَصح الذّبْح إِلَّا بعد دُخُول وَقت الْإِحْرَام بِالْقضَاءِ وَيمْتَنع تَقْدِيمه عَلَيْهِ وَإِن كَانَ واجبه الصَّوْم صَار الثَّلَاثَة فِي حجَّة الْقَضَاء والقارن إِذا فَاتَهُ الْوُقُوف يلْزمه ثَلَاثَة دِمَاء دم للفوات
[ ٢١٦ ]
وَدم للْقَضَاء وَإِن أفرد فِيهِ بذبحان فِي عَام الْقَضَاء وَدم للقران يذبح فِي عَام الْفَوات
وَالسَّبَب التَّاسِع مُخَالفَة الْمَنْذُور كَأَن نذر الْمَشْي أَو الرّكُوب أَو الْإِفْرَاد أَو الْحلق فَخَالف ذَلِك فَالْوَاجِب فِي كل سَبَب من هَذِه الْأَسْبَاب التِّسْعَة مُرَتّب مُقَدّر وَهُوَ (ذبح) فَهُوَ مُخَاطب بِهِ ابْتِدَاء (ف) إِن عجز عَنهُ حسا أَو شرعا وَجب عَلَيْهِ (صَوْم) عشرَة أَيَّام (ثَلَاثَة) فِي الْحَج أَي بعد الْإِحْرَام بِهِ و(قبل) يَوْم (نحر وَسَبْعَة بوطنه) أَي فِي بَلَده
وَالْمرَاد بِهِ الْمحل الَّذِي قصد التوطن فِيهِ سَوَاء الْموضع الَّذِي خرج مِنْهُ وَغَيره حَتَّى لَو استوطن مَكَّة صَامَ بهَا وَيجب فِي هَذَا الصَّوْم تَعْيِينه من كَونه تمتعا أَو قرانا أَو غَيرهمَا وتبييت النِّيَّة فِيهِ لِأَنَّهُ وَاجِب
تَنْبِيه مَا تقرر من كَونه يَصُوم ثَلَاثَة فِي الْحَج ظَاهر فِي ترك الْإِحْرَام بِالْحَجِّ من الْمِيقَات وَفِي الْمُتَمَتّع والقارن وَفِي الْفَوات لِأَنَّهُ يصومها بعد الْإِحْرَام بِالْقضَاءِ وَفِيمَا لَو نذر الْإِفْرَاد أَو الْمَشْي أَو الرّكُوب فِي الْحَج فَخَالف ذَلِك أما إِذا ترك الْمبيت بِمُزْدَلِفَة أَو منى أَو الرَّمْي فَلَا يُمكنهُ صَوْم الثَّلَاثَة فِي الْحَج لِأَن وَقت الْحَج قد فَاتَ وَكَذَا إِذا ترك الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ من الْمِيقَات إِذْ لَا حج وَكَذَا إِذا نذر الْحلق فِي النّسك فخالفه وَكَذَا إِذا ترك طواف الْوَدَاع لِأَنَّهُ وَاجِب مُسْتَقل فَيجب صَومهَا بعد أَيَّام التَّشْرِيق فِي ترك الْمبيت وَالرَّمْي لِأَن ذَلِك وَقت إِمْكَان الصَّوْم بعد الْوُجُوب وَفِي ترك الْإِحْرَام بِالْعُمْرَةِ من الْمِيقَات يصومها فِي الْعمرَة إِن شَاءَ وَإِن شَاءَ عقب التَّحَلُّل مِنْهَا وَفِيمَا لَو نذر الْحلق فخالفه يصومها بعد الْمُخَالفَة وَفِي ترك طواف الْوَدَاع يصومها حَيْثُ وصل إِلَى مَحل يَتَقَرَّر عَلَيْهِ فِيهِ الدَّم فَإِن فعل كَذَلِك فأداء وَإِلَّا فقضاء
وَاعْلَم أَن دم التَّمَتُّع يتَعَلَّق بسببين أَحدهمَا الْفَرَاغ من الْعمرَة
وَثَانِيهمَا الْإِحْرَام بِالْحَجِّ من عَامه فَيجوز الذّبْح بعد وجود السَّبَب الأول وَقبل وجود السَّبَب الثَّانِي لِأَن الْحق المالي إِن تعلق بسببين يجوز تَقْدِيمه على ثَانِيهمَا بِخِلَاف الصَّوْم لَا يجوز إِلَّا بعد وجود السببين جَمِيعًا لِأَنَّهُ لَيْسَ ماليا فَلَو فعل قبل وجود السَّبَب الثَّانِي لَا يَصح وَكَذَا دم الْفَوات لَهُ سببان أَحدهمَا فَوَات الْحَج
وَثَانِيهمَا الْإِحْرَام بِالْقضَاءِ فَيجوز الذّبْح قبل وجود السَّبَب الثَّانِي بِشَرْط دُخُول وَقت الْإِحْرَام بِالْقضَاءِ
وَلَا يجوز الصَّوْم إِلَّا بعد الْإِحْرَام بِهِ وَبَاقِي الدِّمَاء التِّسْعَة لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَبَب وَاحِد وَهُوَ الْإِحْرَام بالنسك فِي ترك الْمِيقَات وَخلف النّذر فِي الْمَشْي وَالرُّكُوب وَالْحلق الْمَنْذُورَة فِي النّسك وَخلف الْإِفْرَاد الْمَنْذُور فِي الْحَج وَتَمام الْإِحْرَام بِالْحَجِّ وَالْعمْرَة فِي الْقرَان وطلوع فجر يَوْم النَّحْر فِي الْمبيت بِمُزْدَلِفَة وفراق مَكَّة فِي ترك طواف الْوَدَاع وفراغ أَيَّام منى فِي بَقِيَّة الدِّمَاء التِّسْعَة فَلَا يجوز ذبح وَلَا صَوْم إِلَّا بعد تحقق السَّبَب وَكَانَ الْوَقْت يقبل الصَّوْم وَإِلَّا أَخّرهُ حَتَّى يَجِيء الْوَقْت الْقَابِل لَهُ كَتَرْكِ الْمبيت بِمُزْدَلِفَة يتَحَقَّق بِطُلُوع فجر يَوْم النَّحْر فَيجب تَأْخِير الصَّوْم إِلَى فرَاغ أَيَّام التَّشْرِيق لِأَن الْوَقْت غير قَابل لَهُ بِخِلَاف الذّبْح فَيجوز فِيهَا وَلَا آخر لوقته
وَالثَّالِث دم تَرْتِيب وتعديل وَمَعْنَاهُ التَّقْوِيم والعدول إِلَى غَيره بِاعْتِبَار الْقيمَة وَهَذَا يجب فِي سببين السَّبَب الأول الْإِحْصَار
والمحصر هُوَ محرم مَنعه عَدو أَو حبس من سُلْطَان أَو نَحوه
[ ٢١٧ ]
ظلما أَو بدين لَا يتَمَكَّن من أَدَائِهِ وَلَيْسَ لَهُ بَيِّنَة تشهد بإعساره أَو زوج أَو سيد أَو أصل فِي تطوع عَن إتْمَام النّسك من حج أَو عمْرَة وَلم يغلب على ظَنّه انكشاف الْمَانِع فِي مُدَّة يُمكنهُ إِدْرَاك الْحَج فِيهَا إِن كَانَ حَاجا أَو فِي ثَلَاثَة أَيَّام إِن كَانَ مُعْتَمِرًا فَإِذا أَرَادَ التَّحَلُّل تحلل بِالذبْحِ ثمَّ الْحلق بنية التَّحَلُّل بهما إِن كَانَ حرا واجدا للدم وبالحلق فَقَط بنية التَّحَلُّل إِن لم يجد دَمًا وَلَا طَعَاما لإعساره أَو غَيره وَالْأولَى للمحصر الْمُعْتَمِر الصَّبْر عَن التَّحَلُّل وَكَذَا للْحَاج إِن اتَّسع الْوَقْت
وَمن الْأَعْذَار المجوزة للتحلل الْمَرَض إِن شَرط التَّحَلُّل بذلك عَن ابْتِدَاء الْإِحْرَام وَلَا يلْزمه الذّبْح إِلَّا إِذا شَرطه وَإِلَّا تحلل بِالْحلقِ فَقَط
وَمن الْأَعْذَار إضلال الطَّرِيق ونفاد النَّفَقَة ويذبح الْمحصر حَيْثُ أحْصر وَلَو فِي غير الْحرم أَو يُرْسل الشَّاة إِلَى الْحرم لتذبح فِيهِ وَلَا يجوز لَهُ أَن يرسلها إِلَى مَوضِع آخر من الْحل غير الَّذِي أحْصر فِيهِ وَإِذا أحْصر فِي الْحرم تعين عَلَيْهِ الذّبْح فِيهِ وَلَو فِي بقْعَة مِنْهُ غير الَّتِي أحْصر فِيهَا وَلَا يجوز لَهُ إرْسَال الشَّاة إِلَى الْحل لتذبح فِيهِ ثمَّ إِن كَانَ نُسكه تَطَوّعا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَإِن كَانَ فرضا مُسْتَقرًّا كحجة الْإِسْلَام فِيمَا بعد السّنة الأولى من سني الْإِمْكَان أَو كَانَ قَضَاء أَو نذرا بَقِي فِي ذمَّته على مَا كَانَ عَلَيْهِ من فَور أَو تراخ فَإِن كَانَ غير مُسْتَقر كحجة الْإِسْلَام فِي السّنة الأولى من سني الْإِمْكَان اعْتبرت الِاسْتِطَاعَة بعد زَوَال الْإِحْصَار
السَّبَب الثَّانِي الْجِمَاع الْمُفْسد للنسك من حج أَو عمْرَة (و) يجب الدَّم (على) ذكر مُمَيّز (مُفسد نسك بِوَطْء) بِأَن جَامع وَلَو بِحَائِل عَامِدًا عَالما بِالتَّحْرِيمِ مُخْتَارًا قبل التَّحَلُّل من الْعمرَة المستقلة وَقبل التَّحَلُّل الأول من الْمُفْرد والقارن وَلم يسْبق مِنْهُ جماع مُفسد فَيجب فِي الْإِحْصَار شَاة وَفِي الْجِمَاع الْمُفْسد (بَدَنَة) فَإِن عجز عَنْهَا فبقرة فَإِن عجز عَنْهَا فسبع شِيَاه فَإِن عجز عَن الدَّم الْوَاجِب فِي هَذَا الْقسم وَهُوَ الشَّاة فِي الْإِحْصَار والبدنة فِي الْجِمَاع الْمُفْسد قومه بِالنَّقْدِ الْغَالِب بِسعْر مَكَّة حَال الْوُجُوب وَاشْترى بِقِيمَتِه طَعَاما يجزىء فِي الْفطْرَة وَتصدق بِهِ على فُقَرَاء الْحرم ومساكينه أَو أخرج ذَلِك مِمَّا عِنْده فَإِن عجز عَن ذَلِك صَامَ حَيْثُ شَاءَ عَن كل مد يَوْمًا ويكمل المنكسر فَلَو قدر على بعض ذَلِك أخرجه وَصَامَ عَن الْبَاقِي فَإِن انْكَسَرَ مد صَامَ عَنهُ يَوْمًا وَيجب على من أفسد نُسكه بِالْجِمَاعِ الْمُضِيّ فِي نُسكه لِأَنَّهُ لَا يخرج مِنْهُ بِالْفَسَادِ
(و) يلْزمه (قَضَاء) أَي إِعَادَة (فَوْرًا) وَإِن كَانَ نُسكه الَّذِي أفْسدهُ نفلا
وَيبْطل الْحَج بِالرّدَّةِ وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى وَلَا يجوز الْمُضِيّ فِيهِ لِأَنَّهُ يخرج مِنْهُ بِالْبُطْلَانِ فَفرق بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل فِي الْحَج بِخِلَاف بَاقِي الْعِبَادَات فَلَا فرق فِيهِ بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل بل هما مُتَرَادِفَانِ
وَالثَّالِث دم تَخْيِير وتعديل وَله سببان أَحدهمَا الصَّيْد الْبري الوحشي الْمَأْكُول هُوَ أَو أحد أُصُوله وَلَو عرض لَهُ التأنس بِشَرْط أَن يكون فَاعل ذَلِك مُمَيّزا وَلَو نَاسِيا أَو جَاهِلا أَو مخطئا أَو مكْرها
السَّبَب الثَّانِي الْأَشْجَار فَيجب الدَّم على من قلع أَو قطع شَجَرَة حرمية رطبَة غير مؤذية نَبتَت بِنَفسِهَا وَكَذَا مَا أَنْبَتَهُ الآدميون على الصَّحِيح فَإِن كَانَت الشَّجَرَة أخذت من الْحل وغرست فِي الْحرم أَو عَكسه فلهَا حكم أَصْلهَا فيهمَا وَأما نَبَات الْحرم فَإِن كَانَ شَأْنه أَن يستنبته الآدميون
[ ٢١٨ ]
كالقمح والذرة جَازَ أَخذه وَإِن نبت بِنَفسِهِ وَإِن كَانَ شَأْنه أَن ينْبت بِنَفسِهِ لَا يجوز أَخذه وَإِن استنبت فَمن أَخذه ضمنه بِالْقيمَةِ إِن لم يخلف فَإِن أخلف بِلَا نقص فَلَا ضَمَان وَإِن أخلف نَاقِصا فَعَلَيهِ أرش النَّقْص
نعم الْحَشِيش وَهُوَ الْيَابِس من النَّبَات إِن جف وَمَات جَازَ قطعه وقلعه وَإِن لم يمت جَازَ قطعه لاقلعه بِشَرْط أَن يَأْخُذهُ لغير بيع
أما أَخذه للْبيع فَلَا يجوز وَيجوز إرْسَال الْبَهَائِم فِي حشيش الْحرم لرعيه
خَاتمه يسْتَحبّ اسْتِحْبَابا مؤكدا زِيَارَة رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهَا من أعظم القربات وأنجح المساعي ويقصد الْمَسْجِد الشريف مَاشِيا بسكينة ووقار ممثلا فِي نَفسه أَنه يضع قَدَمَيْهِ على مَوَاضِع أَقْدَام رَسُول الله ﷺ فَإِذا وصل إِلَى بَاب الْمَسْجِد الشريف وَيَنْبَغِي أَن يكون بَاب جِبْرِيل قصد الرَّوْضَة الشَّرِيفَة وَهِي مَا بَين الْمِنْبَر والقبر الْمُقَدّس فَيصَلي تَحِيَّة الْمَسْجِد فِي موقف رَسُول الله ﷺ وَيجْعَل عَمُود الْمِنْبَر حذاء مَنْكِبه الْأَيْمن وَيسْتَقْبل السارية الَّتِي إِلَى جَانبهَا الصندوق وَتَكون الدائرة الَّتِي فِي الْقبْلَة بَين عَيْنَيْهِ فَتلك موقف رَسُول الله ﷺ فَإِذا فرغ من التَّحِيَّة شكر الله تَعَالَى على مَا أنعم بِهِ عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ إتْمَام النِّعْمَة بِقبُول زيارته ثمَّ يَأْتِي الْقَبْر الشريف الْمُقَدّس فيقف قبالة الْوَجْه الشريف بِأَن يستدبر الْقبْلَة وَيسْتَقْبل جِدَار الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَيقف على مِقْدَار ثَلَاثَة أَذْرع من الْجِدَار نَاظرا إِلَى الأَرْض غاض الطّرف فِي مقَام الهيبة والتعظيم والإجلال فارغ الْقلب من جَمِيع العلائق مستحضرا فِي قلبه جلالة موقفه ومنزلة من هُوَ بِحَضْرَتِهِ فَإِنَّهُ ﷺ يسمع وَيعلم وقوفك بَين يَدَيْهِ وَليقل بِحُضُور قلب وخفض صَوت وَسُكُون جوارح السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله السَّلَام عَلَيْك يَا نَبِي الله السَّلَام عَلَيْك يَا حبيب الله السَّلَام عَلَيْك يَا صفوة الله السَّلَام عَلَيْك يَا سيد الْمُرْسلين الطيبين الطاهرين السَّلَام عَلَيْك وعَلى أَزوَاجك الطاهرات أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ السَّلَام عَلَيْك وعَلى أَصْحَابك أَجْمَعِينَ السَّلَام عَلَيْك وعَلى الْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسلِينَ وَسَائِر عباد الله الصَّالِحين السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
قَالَ السُّبْكِيّ والمروي عَن السّلف الإيجاز فِي ذَلِك جدا
فَعَن الإِمَام مَالك ﵀ أَنه كَانَ يَقُول السَّلَام عَلَيْك أَيهَا النَّبِي وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته
ثمَّ إِن كَانَ أحد أوصاه بِالسَّلَامِ فَلْيقل السَّلَام عَلَيْك يَا رَسُول الله من فلَان بن فلَان أَو نَحْو هَذَا ثمَّ يتَحَوَّل إِلَى جِهَة يَمِينه قدر ذِرَاع للسلام على أبي بكر ﵁ لِأَن رَأسه عِنْد منْكب رَسُول الله ﷺ فَيَقُول السَّلَام عَلَيْك يَا أَبَا بكر السَّلَام عَلَيْك يَا خَليفَة رَسُول الله ﷺ وَصفيه وثانيه فِي الْغَار جَزَاك الله عَن أمة رَسُول الله ﷺ خيرا ثمَّ يتَحَوَّل إِلَى جِهَة يَمِينه قدر ذِرَاع للسلام على عمر ﵁ لِأَن رَأسه عِنْد منْكب أبي بكر ﵁ فَيَقُول السَّلَام عَلَيْك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ عمر الْفَارُوق الَّذِي أعز الله بِهِ الْإِسْلَام جَزَاك الله عَن أمة نبيه ﷺ خيرا ثمَّ يعود إِلَى موقفه الأول ويتوسل بِهِ ﷺ فِي قَضَاء
[ ٢١٩ ]
حَوَائِجه ويستشفع بِهِ إِلَى ربه ﷾ وَيَدْعُو لنَفسِهِ ولوالديه وَأَوْلَاده وَلمن أحب بِمَا أحب وَيخْتم دعاءه بآمين وبالصلاة على رَسُول الله ﷺ
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يَقُول فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنَّك قلت وقولك الْحق ﴿وَلَو أَنهم إِذْ ظلمُوا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لَهُم الرَّسُول لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما﴾ اللَّهُمَّ إننا قد سمعنَا قَوْلك وأطعنا أَمرك
وقصدنا نبيك هَذَا ﷺ مستشفعين بِهِ إِلَيْك من ذنوبنا وَمَا أثقل ظُهُورنَا من أوزارنا تَائِبين إِلَيْك من زللنا معترفين بخطايانا وتقصيرنا اللَّهُمَّ فتب علينا وشفع نبيك هَذَا ﷺ فِينَا اللَّهُمَّ اغْفِر للمهاجرين وَالْأَنْصَار وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم
وَيَنْبَغِي للزائر مُدَّة إِقَامَته بِالْمَدِينَةِ أَن يستحضر جلالتها وفضلها وَأَنَّهَا الْبَلدة الَّتِي حرمهَا رَسُول الله ﷺ أَي أنشأ تَحْرِيمهَا أَي أظهر تَحْرِيمهَا وَأَنَّهَا الَّتِي اخْتَارَهَا الله تَعَالَى لهجرة نبيه ﷺ واستيطانه وَدَفنه وليستحضر تردده ﷺ فِيهَا ومشيه فِي بقاعها وَمن ثمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَن لَا يركب فِيهَا وَأَن يُصَلِّي الصَّلَوَات كلهَا فِي مَسْجِد رَسُول الله ﷺ وَأَن يقْصد الأسطوانات الَّتِي فِي زَمَنه ﷺ فَلِكُل وَاحِدَة مِنْهَا فضل إِذْ لَا تَخْلُو من صلَاته ﷺ أَو صَلَاة أحد من أَصْحَابه إِلَيْهَا وَالَّذِي ورد لَهُ فضل خَاص مِنْهَا ثَمَانِيَة الأولى الأسطوانة الَّتِي هِيَ علم الْمصلى الشريف فِي مَحل كرْسِي الشمعة كَانَ جذعه ﷺ الَّذِي يخْطب إِلَيْهِ أمامها ثمَّ أسطوانة عَائِشَة ﵂ وَتسَمى أسطوانة الْقرعَة صلى إِلَيْهَا رَسُول الله ﷺ الْمَكْتُوبَة بعد تَحْويل الْقبْلَة بضعَة عشر يَوْمًا وَهِي الثَّالِثَة من الْمِنْبَر وَمن الْقَبْر الشريف متوسطة الرَّوْضَة وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر وَغَيرهمَا ﵃ يصلونَ إِلَيْهَا والمهاجرون من قُرَيْش يَجْتَمعُونَ عِنْدهَا وَالدُّعَاء عِنْدهَا مستجاب ويليها من نَاحيَة الْقَبْر أسطوانة التَّوْبَة الَّتِي ترْبط أَبُو لبَابَة نَفسه بهَا وَكَانَ ﷺ إِذا اعْتكف يخرج لَهُ فرَاشه أَو سَرِيره إِلَيْهَا مِمَّا يَلِي الْقبْلَة فيستند إِلَيْهَا وَكَانَ ﷺ يُصَلِّي نوافله إِلَيْهَا
وَالرَّابِعَة أسطوانة السرير وَهِي اللاصقة بالشباك الْيَوْم شَرْقي أسطوانة التَّوْبَة كَانَ سَرِيره ﷺ يوضع عِنْدهَا مرّة وَعند أسطوانة التَّوْبَة مرّة أُخْرَى
الْخَامِسَة أسطوانة عَليّ ﵁ وَهِي الَّتِي تلِي الْقَبْر الشريف وَهِي خلف أسطوانة التَّوْبَة من جِهَة الشمَال وَكَانَ مَحل خُرُوجه ﷺ من بَيت عَائِشَة وَخَلفهَا الشمَال أسطوانة الْوُفُود كَانَ ﷺ يجلس عِنْدهَا لوفود الْعَرَب
السَّابِعَة أسطوانة مربعة يُقَال لَهَا مقَام جِبْرِيل وَهِي فِي حائز الْحُجْرَة الشَّرِيفَة وَبَينهَا وَبَين أسطوانة الْوُفُود الأسطوانة اللاصقة بشباك الْحُجْرَة كَانَت بَاب فَاطِمَة ﵂ وَقد حرمت النَّاس من التَّبَرُّك بهَا وبأسطوانة السرير لغلق أَبْوَاب الشباك الدائرة على الْحُجْرَة الشَّرِيفَة
الثَّامِنَة أسطوانة التَّهَجُّد كَانَ ﷺ يصليه إِلَيْهَا ومحلها الْآن دعامة بهَا محراب مرخم قرب بَاب جِبْرِيل ونوزع فِي أَن ذَلِك محلهَا
ثمَّ إِذا عزم على الرُّجُوع إِلَى أَهله يسن لَهُ أَن
[ ٢٢٠ ]
يودع الْمَسْجِد الشريف بِرَكْعَتَيْنِ نفلا مُطلقًا وَالْأولَى أَن يكون بمصلاه ﷺ ثمَّ بِمَا قرب مِنْهُ ثمَّ يَدْعُو بِمَا أحب دينا وَدُنْيا وَمن آكده الابتهال إِلَى الله تَعَالَى فِي قبُول زيارته ثمَّ يَأْتِي الْقَبْر المكرم وَيُعِيد جَمِيع مَا مر عِنْده فِي ابْتِدَاء الزِّيَارَة ثمَّ يَقُول اللَّهُمَّ لَا تجْعَل هَذَا آخر الْعَهْد بيني وَبَين مَسْجده وَحرمه وَيسر لي الْعود إِلَى زيارته والعكوف فِي حَضرته سَبِيلا سهلا وارزقني الْعَفو والعافية فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وردنا إِلَى أهلنا سَالِمين غَانِمِينَ ثمَّ ينْصَرف وَيَمْشي تِلْقَاء وَجهه على الْعَادة وَلَا يمشي الْقَهْقَرِي