* فمن ذلك عندما عرض لأحكام المياه، وذكر حكم الماء إذا خالطه التراب، وكان بحيث لا يمنع إطلاق اسم الماء عليه، وقول الجمهور: " إنه لا يسلب الماء طهوريته "، ردّ تعليلَهم ذلك الحكمَ: " بأن التراب طهور في نفسه، فهو موافق للماء في صفته، فلا يضر تغير الماء به " وأنكر عليهم هذا التعليل أشدّ الإنكار، قائلًا: " هذا من ركيك الكلام، وإن ذكره طوائف؛ فإن التراب غير مطهّر، وإنما عُلِّقت به إباحةٌ بسبب ضرورة، والكلام في أصله مفرّع على طريقة غير مرضية، وإذا طال التفريع على الضعيف، تضاعف ضعفه ". اهـ
[ ٢٥٠ ]
¬فهو يرفض عدّ التراب مطهِّرًا، منكرًا أن يكون في استعماله في التيمم معنى التطهير والتنظيف، وإنما " عُلِّق بالتراب إباحةٌ بسبب ضرورة " فهو يرى أن التيمم مبيحٌ، وليس رافعًا للحدث، وقد قال ذلك صراحة عند الكلام على النية في التيمم، قال: " مقصود هذا الفصل القول في كيفية النية في التيمم. وأصل الفصل أن التيمم لا يرفع الحدث، ولكنه يبيح الصلاة، والدليل عليه أن من أحدث أو أجنب وتيمم، ثم وجد الماء، فيلزمه التطهّر بالماء، على حسب ما تقدم من حدثه
والسبب في التيمم أن من وجد الماء، فهو مأمور باستعماله لرفع الحدث، فإن لم يجده، وظّف الشارع عليه التيمم ليدوم مرونه على إقامة الطهر؛ إذ قد يدوم انقطاعه عن الماء الذي يجب استعماله أيامًا، فلو تمادى انكفافه عن الطهارة -وهي ثقيلة- لاستمرت النفس على تركها، فالتيمم إذًا لاطراد الاعتياد في هذه الوظيفة ". اهـ
* ويتصل بهذا أنه خالفَ الأصحاب جميعًا في قولهم بضرورة بسط التراب على جميع أعضاء التيمم رادًّا لإعطاء التراب حكم الماء، حيث رأى اختلاف وظيفة كل منهما وهو يؤكد انفراده بهذا، وأن أحدًا من الأصحاب لم يسمح به. وهاك نص ما قاله في ذلك:
" والذي ذكره الأصحاب أن يجب إيصال التراب إلى جميع محل التيمم يقينًا، ولو تردّد المتيمم في ذلك، وأشكل عليه، وجب إيصال التراب إلى محل الإشكال، حتى يتيقن انبساط التراب على جميع المحل، وهذا على القطع منافٍ للاقتصار على الضربة الثانية؛ فإن الاقتصار عليها يوجب عدم الانبساط، ضرورةً وقطعًا، وليس قصور التراب مع غاية التأني يتفق على ندور، بل هو أمر لا بد عنه.
فالذي يجب اعتقاده أن الواجب استيعاب جميع المحل بالمسح باليد المغبرة، من غير ربط الفكر بانبساط الغبار. وهذا شيء أظهرته، ولم أر بدًّا عنه، وما عندي أن أحدًا من الأصحاب يسمح بأنه لا يجب بسط التراب على الساعدين ". اهـ
* وشديد الاتصال بهذا ردّه لغلو بعض الأصحاب في كيفية التيمم، ولتصخ السمعَ لنص عبارته في ذلك، قال: " كان شيخي يحكي عن القفال: أنه إذا عبق الغبار
[ ٢٥١ ]
¬بخلل الأصابع في الضربة الأولى، ثم لم يُنفَض حتى ركب ذلك الغبارَ غبارٌ في الضربة الثانية، فلا يصح التيمم؛ فإن الغبار الأول يمنع الغبار الثاني، ولا يمكن الاكتفاء بذلك الغبار؛ فإنه في حكم غبارٍ حصل على المحل، رُدِّد عليه من غير فرض نقلٍ إليه في أوان فرض النقل".
هذا نقل والده عن القفال، ومع علوّ منزلة القفال، وأنه شيخ طريقة الخراسانيين (المراوزة)، وإجلال الإمام له، لم تمنعه جلالته من ردّ الإمام لقوله هذا؛ إذ تعقبه قائلًا: " وهذا عندي غلوٌّ ومجاوزة حدّ، وليس بالمرضي اتباع شَعْب الفكر، ودقائق النظر في الرخص ".
ثم يستدلّ لرأيه بدليلين: أولهما- أن ما قاله القفال مخالف لروح الشرع، فيقول:
" وقد تحقق من فعل الشارع ما يشعر بالتسامح فيه ".
وثانيهما- أنه مخالف للمعقول المشاهد، فيقول في ذلك: " لم يوجب أحد من أئمتنا على الذي يهم بالتيمم أن ينفض الغبار عن وجهه ويديه أولًا، ثم يبتدىء بنقل التراب إليها، مع العلم أن المسافر في تقلباته لا يخلو عن غبارٍ يرهقه (١) " وهذا كلام واضح مبين دالٌ على مقصودنا من غير تعليق.
* ومن هذا الباب أيضًا خلافه للأصحاب في الاقتصار على ما يطلق عليه الاسم من أركان الخطبة في الجمعة، وبخاصة ركن (الوصية بالتقوى)، فيقول: " إذا قال الخطيب: " أطيعوا الله واجتنبوا معاصيه "، فهذا القدر لو فرض الاقتصار عليه، فالذي يؤخذ من قول الأئمة أنه كافٍ؛ فإنه ينطلق عليه اسم الوصية بالتقوى والخير ".
ثم يتبع ذلك قائلًا: " ولكني ما أرى هذا القدرَ من أبواب المواعظ التي تنبه الغافلين، وتستعطف القلوب الأبية العصية إلى مسالك البر والتقوى ؛ فلا بدّ من فصلٍ مجموع فيه هزٌّ واستحثاثٌ ".
فهو هنا ينظر إلى أقوال الأئمة وطرقهم، وإلى النصوص والأدلة، فيرى هذا القدر من الوعظ محققًا للأركان، مسقطًا للفرض، ولكنه لا يرضى ذلك، ويخالف
_________________
(١) يرهقه: أي يعلوه، ويغشاه: (معجم).
[ ٢٥٢ ]
¬الأئمة؛ فإنه وإن كان كافيًا من حيث ينطلق عليه الاسم، ويحقق الشرط، إلا أنه لا يحقق المعنى المطلوب، ومقصدَ الشرع من الخطبة.
ومع مخالفته للأصحاب يأخذ في الاستدلال لرأيه بما يجعله هو المذهب، فيقول: " وقد بالغ الشافعي في الاتباع حتى أوجب الجلوس بين الخطبتين ؛ فليس يليق بمذهبه أن يعدّ قول الخطيب: "الحمد لله والصلاة على محمد أطيعوا الله" خطبة تامة فهو يحاول أن يجعل قوله هو المذهب مستدلًاّ بأن مذهب الشافعي وجوب الجلوس بين الخطبتين، ولا دليل على ذلك إلا الاتباع، والاتباع أيضًا يقتضي أن مثل هذا لا يصح أن يعد خطبة تامة، فلم يُؤثر قط الاكتفاء بمثل هذا في الخطبة.
ثم يسوق دليلًا آخر، فيقول: " ثم إن الشافعي ذكر لفظ (الوعظ) في (الإملاء)، وفيه إشعار بما ذكرته ". اهـ
ومعنى هذا أن لفظ (الوعظ) يُشعر بأنه يجب أن تشتمل الخطبة على ما يكفي للزجر، والترغيب والترهيب، ويحرك القلوب، ويهز النفوس.
ثم لا ينسى أن يذكر أن خلافه خاص بركن (الوصية بالتقوى) دون غيره من الأركان، فيقول: " أما الاقتصار على كلمة في الحمد، والصلاة، مع أداء معناهما، فلا شك في كفايته؛ فإنما قولي هذا في الوعظ ". اهـ
ويستأنس لقوله هذا بقول أبي القاسم الفوراني: " إن مقصود الخطبة الوعظُ " فيقول: " وهذا الآن يشير إلى ما ذكره (بعض المصنفين) (١) من أن مقصود الخطبة الوعظُ، والحمد والصلاة ذريعتان ".
ثم ينظر إلى ركن آخر من أركان الخطبة، وهو قراءة القرآن، وينقل كلام الأئمة في أنه لا بد من قراءة آية تامة؛ حتى ينطبق عليه اسم القرآن. ولكنه لا يكتفي بهذا.
_________________
(١) دائمًا يكني عن (الفوراني) بقوله: (بعض المصنفين)، وأبدًا لم يصرح باسمه على طول هذا الكتاب، وهو كثير الحطّ على الفوراني -على حد تعبير السبكي- ولكنه مع ذلك لا يتردّد أن يذكر له صواب رأيه، إذا وجده، وإن أصرّ على عدم التصريح باسمه، كما هو في هذا الموضع.
[ ٢٥٣ ]
¬بل ينظر إلى المعنى، وروح الشرع ومقصده؛ فلا يرضى بهذا، ويخالف فيه، فيقول: " وهذا فيه كلام عندي، فلو قرأ شطرًا من آية طويلة، فلست أبعد كفاية ذلك، ولا أشك أنه لو قال: (ثم نظر) لم يكف ذلك، وإن عُدّ آية، ولعل الأقرب أن يقرأ ما لا يجري على نظمه ذكر من الأذكار ". اهـ
وهذا كلام واضح مبين، يشهد بأنه ينظر إلى روح الشرع ومقصده، فلا يكتفي بآية تامة (ثم نظر) ويكتفي ببعض آية طويلة إذا أشعر بنظم القرآن، واشتمل على معنى كافٍ.
ومما يتصل بالخطبة أيضًا أنه يوجب الاستماع إلى الخطبة من عدد الجمعة، ولا يكتفي بحضورهم الصلاة من غير استماع إلى الخطبة، ويرى أن ذلك هو المذهب، فيقول: " ومن أنكر وجوب الاستماع إلى الخطبة، فليس معه من حقيقة هذه القاعدة (١) شيء، فيجب القطع على مذهب الشافعي أنه يجب الاستماع إلى الخطبة، وكيف يستجاز خلاف ذلك على طريق الشافعي في مسلك الاتباع؟ ". اهـ
وحقًا وصدقًا أي معنىً لخطبة لا يسمعها المصلون!!
ولا يكتفي وهو يعالج هذه القضية بما قدمناه من رده قول القائلين بأنّ سرد الأركان خطبة كاملة، وقوله: " لا بدّ من فصلٍ مجموعٍ فيه هزٌّ واستحثاث " لا يكتفي بذلك بل يعلن عن ثورته وغضبه على هؤلاء الذين يقفون عند الرسوم والأشكال، ولا يبصرون الحقائق، ولا يحاولون إدراك الغايات، ولا يلتفتون إلى روح الشرع، فيقول معبرًا عن ثورته، معللًا سبب قصورهم:
" وإنما بلائي كله من شيئين: أحدهما - أن بني الزمان ليس يأخذهم في طلب الغايات، لا بل في طلب حقيقة البدايات ما يأخذني؛ فلا يهتدون لما أبغيه من مداركها " ويتوقع عدم قبولهم ما يصل إليه من الحقائق، فيقول:
" بل أخاف أن يتبّرموا بها ".
ثم يعلِّل عنايته بهذه الأمور، قائلًا: "ثم الأولين لم يعتنوا بالاحتواء على ضبط
_________________
(١) يقصد الاتباع.
[ ٢٥٤ ]
¬الأشياء، والتنبيه على طريق التقريب فيها وبخاصة في الأمور المرسلة التي لا يثبت توقيف خاص شرعيّ فيها، كما نحن مدفوعون إليه من لزوم الاتباع، وترك الاقتصار على أدنى مراتب الأذكار، فلم تثبت في الخطبة ألفاظٌ مخصوصة مثل التشهد والقنوت وغيرهما؛ فجرّ ذلك ما أنهيت الكلام إليه من الترددات".
والخلاصة: أن الأحكام تقتضي الإتيان بأركان الخطبة، وهيئاتها، وآدابها، ولكن حقيقة الخطبة هل توجد بسرد الأركان؟ إنه يبحث عن الحقائق والغايات ويشهد له الاتباعُ، فالمأثور من فعل المصطفى ﷺ، وسلف الأمة عدمُ الاكتفاء بسرد الأركان والهيئات.
* ومسألة أخرى تشهد بالتفاته إلى روح الشرع ومقصوده، وهي الأذان الأول لصلاة الصبح، فينقل مخاوضة الأصحاب ومفاوضتهم في محاولة تحديد وقت محدد لذلك الأذان، ولا يرى التحديد رأيًا، فيقول: " إن هذا ليس تحديدًا -وإن رَوَوْا فيه حديثًا- فالمراد بتقديم الأذان التهيؤ للصلاة بعد الاستيقاظ من النوم؛ حتى يصادف أول الوقت؛ فالمسألة تقريب، وليست تحديدًا ".
وكما ردّ القولَ بالتحديد ردّ بقوّة القولَ بجواز الأذان طول الليل، ولم يمنعه من نقده العنيف لهذ القول أن صاحبه هو الشيخ أبو علي السِّنجي الذي يعترف بعلو منصبه، ويكثر النقل عنه، والثناء عليه.
* ويدخل في هذا الباب ردُّه وعدم قبوله للتعليلات والتفسيرات التي لا يقبلها العقل، وليس وراءها معنى يرعاه الشرع، مثال ذلك: حينما قال المزني: إن أقل النفاس أربعة أيام مستنبطًا ذلك من أن أكثره ستون يومًا، وأكثر الحيض خمسة عشر يومًا، وأقل الحيض يوم واحد، فلما كان أكثر النفاس أربعة أمثال أكثر الحيض، كان أقل النفاس أربعة أمثال أقل الحيض، أي أربعة أيام. كذا قال المزني، فغضب إمام الحرمين، ولم يقبل هذا، وردّه قائلًا: " وهذا الفن غير لائق بفقه المزني، وعلوّ منصبه؛ فإن المقادير لا تبنى على الخيالات الشبهية ".
ثم العلة التي رآها هو لهذا التقدير هي الوجود الذي ثبت بالاستقراء فقال:
[ ٢٥٥ ]
¬" ولست أرى لهذه الأصول مستندًا غير (١) ما تقدم في أعصار الأولين من الوجود " فهو يرى أن تقدير أقل النفاس بأربعة أيامٍ لا مستند له إلا الاستقراء الذي ثبت به عند الأولين هذا (الوجود)، أي وجدوا أن أقلّ ما تنفس المرأة أربعة أيام.
* وشبيه بهذا ردّه لقول من قال: " إن من عليه أحداث، مثل من مسَّ، وبال، ثم نام، فإذا نوى رفْع حدث النوم بالوضوء، لم يرتفع حدث البول والمس " فقد سخر الإمام من هذا الكلام، وقال معقبًا عليه: " وهذا حَيْدٌ عندي عن الفقه؛ فإن المرعي هو المنع، وهو المعني بالرفع، وما اتحد فلا يتحقق فيه تعدد ولا اختلاف، ولا يترتب بتقدم أولٍ وتأخر ثانٍ ".
* ومن هذا الباب أيضًا رده لقول القائلين: " إن الخمر لا يطهر إذا تخللت بطرح شيء فيها؛ بعلة أن ذلك الشيء الذي يطرح فيها يتنجس بملاقاتها، فإذا تخللت الخمر، نجستها هذه الأعيان التي طرحت فيها وتنجست بها عند طرحها ".
ناقش ذلك في كتاب الرهن عند الكلام عن رهن العصير الذي يتخمر ثم يعود خلًاّ ، وهاك نص عبارته:
" وعلل بعص أصحابنا منع تخليل الخمر بطرح شيء فيها، بأن العين الواقعة في الخمر تنجست بملاقاتها، فإذا انقلبت الخمر خلًا، نجسته تيك العين المتنجسة بملاقاة الخمر، وهذا قول غير صادر عن فكرٍ قويم؛ فإنه لا معنى لتنجيس العين إلا اتصال أجزاء الخمر بها، وجوهر تلك العين على الطهارة، فإذا انقلبت الخمر خلًاّ، فمن ضرورة ذلك أن تنقلب تلك الأجزاء التي لاقت العين الواردة على الخمر طاهرةً؛ فلا حاصل إذًا لذلك ".
ومع وضوح هذا الكلام، نجده يزيد الأمر إيضاحًا وبيانًا، فيستدل بما يبقى في العصير من العناقيد والثجير (٢)، فإذا تخمر العصير، فقد تنجست هذه الأعيان التي به، فإذا عاد خلًا من غير طرح شيء فيه، فهو طاهر عندهم، مع أن الأعيان التي به
_________________
(١) مفعول ثانٍ لـ (أرى).
(٢) الثجير: ثُفل كل شيء يعصر، كالعنب وغيره. (معجم).
[ ٢٥٦ ]
¬تنجست عندما صار خمرًا، فلماذا لم تنجسه؟ وهذا نصّ عبارته في ذلك: " لو التزمنا تمحيص العصير، لنقّيناه من العناقيد، والثجير، والتزمنا تصفيته جهدنا عن الأقذاء، وهذا أمر طويل، لا يستريب مُحصِّل في حيده عن سمت الشريعة ".
فتأمل قوله: " لا يستريب محصل في حيده عن صمت الشريعة " فسمت الشريعة: روح الشريعة لا يقبل هذا التشدّد، ومن يقول به لا بصر له بروح الشرع.
* ومن ذلك ما قاله عند الكلام على تطهير الأرض التي أصابتها نجاسة مائعة، كالبول مثلًا، فقد ردّ -غاضبًا- قول من قال: " يجب رعاية عدد الدّلاء؛ فإذا بال اثنان، لم تتطهر الأرض إلا بصب دلوين " ردّ ذلك قائلًا: " وهذا الفن من الكلام مما لا يقبله لُبّ عاقل، فأيّ معنىً لتعدّد الدّلو، والغرضُ المكاثرة؟ وأي فرقٍ بين أن يجمع ملء دلوين في دَلوٍ عظيم ويصبّ، وبين أن يكون في دلوين فيصبان؟ فأي أثر لصورة الدلو؟ وقد يكثر بول بائل، ويقلّ بول بائلين، فاعتبار مقدار النجاسة، وتنزيلُ مقدار الماء على مقدارها بنسبة المغالبة مقطوعٌ لا مراء فيه ".
هكذا دائمًا ينظر إلى الحقائق والغايات، وهي روح الشرع، فالمقصود الطهارة، والطهارة تكون بالمغالبة والمكاثرة، سواء حصلت بماءٍ يحويه دلو أو أكثر، ولا عبرة بتعدد الدلاء، ولا بتعدد البائلين.
* ويدخل في هذا أيضًا ما قاله عند الحديث عن نقض الوضوء بمسّ الفرج، وكيف الحكم لو كان الممسوس فرج الخنثى؟ وبأي العلامات يُلحق بالذكر؟ وبأيها يُلحق بالأنثى؟ قال: " وأما ما ذكره بعض الناس من النظر في أعداد الأضلاع، فذاك شيء لم أفهمه، ولست أرى فرقًا فيها بين النساء والرجال ". اهـ
يشير إلى ما يقوله البعض من أن أضلاع الرجال تنقص واحدة عن أضلاع النساء، زاعمين أن الله عزت قدرته أخذ ضلعًا من آدم، فخلق منها حواء، ناظرين في ذلك إلى الحديث الشريف:
" اتقوا الله في النساء؛ فإنهن خُلقن من ضلع أعوج ".
وها أنت ترى الإمام لم ير هذا الكلام يستحق الذكر، فأعرض عنه، واكتفى بأن
[ ٢٥٧ ]
¬ردّ باستنكار على قائليه، مزدريًا إياه قائلًا: " فهذا شيء لم أفهمه ".
* وشبيهٌ بهذا تمامًا ردُّه لتعليل المزني لصحة التيمم من الجنب الذي نسي الجنابة فتيمّم للحدث، حيث أضرب عن ذكر تعليل المزني، وذكر العلة التي ارتضاها، ونص عبارته: " وقد علّل المزني ذلك بعلّة غير مرضية، وليس يتعلق ذكر غلطه بغرضٍ فقهي؛ فلا نتعرض له " ثم ذكر العلة التي ارتضاها، فقال: " والعلة السديدة أن التيمم لا يرفع الحدث، سواء ذكر على الصواب، أو على الخطأ، وإنما مقصود النية استباحة الصلاة، ولا احتفال بذكر غيرها بوجهٍ من الوجوه ". اهـ
* ومن هذا الباب أيضًا ردّه لذلك السؤال القائل: " هل يجب الصوم على الحائض في وقت الحيض بدليل وجوب قضائه، أم لا يجب لعدم إمكانه؟ " ويأبى الإصغاءَ لهذا الخلاف قائلًا: " ومن يبغي حقيقة الفقه لا يقيم لمثل هذا الخلاف وزنًا ". اهـ
ونكتفي بهذه النماذج، فالأمثلة في كتابه هذا لا تعد ولا تحدّ.