مثل كل علماء عصره وأئمته درس كل فنون العصر وعلومه، ما كان يعرف منها بعلوم الوسائل، وما كان يعرف بعلوم الغايات، وهكذا كان علماؤنا، وأئمتنا، ما كانوا يعرفون هذا الذي نسميه (الآن) التخصص الضيق، ولذا نجد كتب التراجم والطبقات تترجم لأحدهم، فتقول -بعد أن تذكر دراسته، وشيوخه- "وعلمه الذي نبغ فيه كذا ".
نبغ إمامنا في علومٍ وفنون كثيرة، منها:
١ - علم الفقه.
٢ - أصول الفقه.
٣ - علم الخلاف وعلم الجدل.
٤ - السياسة الشرعية.
٥ - علم الكلام.
١ - علم الفقه:
لقد خالفتُ الترتيب المعهود المعروف عن الإمام، حيث اشتهر بالمقام الأول أنه (متكلم) ولكن طول معايشتي للإمام، وإصغائي إليه، وقراءتي عليه، وسماعي منه ومناجاتي إياه جعل صورته تتضح لي تمام الوضوح، فرأيته فقيهًا أصوليًا، قبل أن يكون متكلمًا، كما شاع وعرف عنه.
رأيته فقيهًا من أعلام الفقه الإسلامي بعامة، والشافعي منه بخاصة، رأيته صاحب المدرسة النظامية، حاملة راية الفقه بنيسابور، ورأيته وقد انتهت إليه رياسة الشافعية
[ ١٩٧ ]
¬بخراسان، ورأيت معاصريه من الأئمة والمؤرخين، يكبرونه، ويعرفون له منزلته في الفقه، فيقولون عنه: " لولاه، لأصبح مذهب الحديث حديثًا " يعنون بمذهب الحديث، مذهب الإمام الشافعي.
ورأيته ﵁ يكره (علم الكلام)، وكأني به قد اشتغل به من باب " إن لم تكن إلا الأسنة مركبا ".
ذلك أني رأيته منذ بواكير حياته، وهو في غمرة الاشتغال بالكلام يسخر من المتكلمين، وينهى عن الاستغراق في علم الكلام، فمن ذلك قوله في مقدمة كتابه " الغياثي ": ومن ضَرِي بالكلام صدي جنانه ويقول في البرهان: " وهذا الذي اختلج في عقول المتكلمين وطيْش أحلامهم " (فقرة: ٢٢٧).
قال هذا وغيره في أكثر من كتاب من كتبه المتقدمة، أي قبل ما يقال عن رجوعه عن علم الكلام.
من هنا ومحاولةً لتصحيح هذا الفهم الشائع، قدمت (علم الفقه)، على أنه العلم الأول لإمام الحرمين ﵁.
٢ - علم أصول الفقه:
علم أصول الفقه هو علم إمام الحرمين الأول كعلم الفقه تمامًا، فكلاهما (أول علومه)، إذ هما لا ينفصلان وبخاصة عند كبار الأئمة أصحاب المدارس والتجديد.
ويعتبر إمام الحرمين أحد أركان علم الأصول الأربعة، هكذا قال ابن خلدون في مقدمته، حيث عد كتاب (البرهان) لإمام الحرمين أحد الكتب الأربعة التي قام عليها علم أصول الققه، وإليها ترجع معظم المؤلفات في هذا العلم، حيث قال -وهو يتحدث عن علم الأصول- "ومن أحسن ما كتب فيه المتكلمون:
١ - كتاب (البرهان) لإمام الحرمين.
٢ - وكتاب (المستصفى) للغزالي.
(وهما من الأشعرية).
٣ - وكتاب (العمد) للقاضي عبد الجبار بن أحمد.
[ ١٩٨ ]
¬٤ - وكتاب (المعتمد) لأبي الحسين البصري.
(وهما من المعتزلة).
وكانت الأربعة قواعدَ هذا الفن، وأركانه" ا. هـ.
ولم يصلنا من كتب أهل السنة في الأصول مما ألف على طريقة المتكلمين قبل (البرهان) (١) إلا أصل الأصول: (الرسالة) للإمام الشافعي.
ولقد كان هذا الكتاب فتحًا جديدًا في علم أصول الفقه، يؤكد ذلك السبكي في طبقاته قائلًا: " إن هذا الكتاب وضعه إمام الحرمين في أصول الفقه على أسلوب غريب، لم يقتد فيه بأحد، " وأنا أسميه (لغز الأمة) لما فيه من مصاعب الأمور وأنه لا يخلي مسألة عن إشكال، ولا يخرج إلا عن اختيار يخترعه لنفسه، وتحقيقاتٍ يستبدّ بها " (٢).
ثم تحدث عن شراح البرهان ولاحظ أنهم كلهم من المالكية، وأنهم عندهم بعض تحامل على إمام الحرمين، وفسر ذلك " بانهم يستصعبون مخالفة الإمام أبي الحسن الأشعري، ويرونها هُجنة عظيمة، والإمام لا يتقيد لا بالأشعري، ولا بالشافعي، لا سيما في (البرهان) وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده، وربما خالف الأشعري، وأتى بعبارة عالية، على عادة فصاحته، فلا تحتمل المغاربة أن يقال مثلها في حق الأشعري ". وقد حكينا كثيرًا من ذلك في (شرحنا على مختصر ابن الحاجب) (٣).
ومع دفاع السبكي وردّه لتحامل شراح البرهان، ومنهم المازري، تراه يثني على المازري قائلًا عنه: "إن هذا الرجل كان من أذكى المغاربة قريحةً، وأحدهم ذهنًا؛ بحيث اجترأ على شرح (البرهان) لإمام الحرمين، وهو لغز الأمة، الذي لا يحوم نحو
_________________
(١) لا يعكر على هذا القول كتاب (العدة) لأبي يعلى الفراء الحنبلي، لأن سبقه لإمام الحرمين ليس بذي بالٍ من حيث الزمن أولًا، وثانيًا لأن كتاب أبي يعلى لم يقع من الأئمة والعلماء موقع البرهان، ولم يكن له من الأثر ما كان للبرهان.
(٢) الطبقات: ٥/ ١٩٢.
(٣) نفسه.
[ ١٩٩ ]
¬حماه، ولا يدندن حول مغزاه إلا غواصٌ على المعاني ثاقب الذهن مبرز في العلم" (١).
كما أكد ذلك السبكي في عبارة أخرى، فقال: " لم يُرَ أجلّ، ولا أفْحل في علم الأصول من البرهان " (٢).
ثم إن البرهان قد حفظ لنا الآراء الأصولية لجماعة من الأئمة الأعلام ضاعت كتبهم، فيما ضاع من تراث أمتنا ومجدها، فمن ذلك مثلًا: أنه يعرض لآراء القاضي أبي بكر الباقلاني في كل مسألة تقريبًا، ولا شك أن هذه الآراء كانت مدونة في كتبه (الأصول الكببر)، و(الأصول الصغير)، و(المقنع)، وغيرها، ولم يصلنا للآن أي من هذه الكتب.
كما ورد ذكرٌ في البرهان لآراء (ابن فورك) في (مجموعاته) وللأشعري في كتاب (أجوبة المسائل البصرية) وللقاضي عبد الجبار في (العمد) وفي (شرح العمد)، ولابن الجبائي في كتاب (الأبواب)، وهي كتب لم تصلنا للآن، بل ربما لم نعرف نسبة بعضها إلى أصحابها.
وغير هؤلاء كثيرون ذكرهم الإمام، مثل: الدقاق، والصيرفي، وداود، وابنه، والحليمي، والحارث بن أسد المحاسبي، والصيدلاني، و هذا ولم يكن (البرهان) هو كتابه الأصولي الوحيد، فله أيضًا:
- التلخيص: وهو تلخيص لكتاب الباقلاني (الإرشاد والتقريب).
- الورقات: وهو خلاصة موجزة لعلم أصول الفقه، وقد طوّف هذا الكتاب ما طوّف، فشرق وغرب، وحظي بكثير من الشروح، والحواشي، والتعليقات، والنظم، فكان محور التدريس والتحصيل لعلم أصول الفقه زمانًا طويلًا.
- التحفة في أصول الفقه، وهي من كتب الإمام المفقودة.
_________________
(١) الطبقات: ٦/ ٢٤٣.
(٢) الطبقات: ٥/ ٣٤٣.
[ ٢٠٠ ]
¬٣ - علم الخلاف والجدل:
يعتبر علم الخلاف والجدل قمة الإحاطة بالفقه والأصول، ودليل الإمامة والتمكن من العلم.
فهو في تعريف حاجي خليفة: " علم يعرف به كيفية إيراد الحج الشرعية، ودفع الشبه، وقوادح الأدلّة الخلافية، بإيراد البراهين القطعية، وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق، إلا أنه خُصّ بالمقاصد الدينية " (١).
ويقول ابن خلدون: " ولا بدّ لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته " (٢).
وربما كان أوضح دلالة على منزلة علم الخلاف، ما قاله الإمام الشاطبي، واستدلّ عليه بطائفة صالحة من أقوال السلف، قال: " جعل الناسُ العلمَ معرفةَ الاختلاف، قال قتادة: من لم يعرف الاختلاف، لم يشَمّ أنفُه الفقه، وعن هشام بن عبيد الله الرازي: من لم يعرف اختلاف القراء، فليس بقارىء، ومن لم يعرف اختلاف الفقهاء، فليس بفقيه، وعن عطاء: لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حتى يكون عالمًا باختلاف الناس، فإنه إن لم يكن كذلك، ردّ من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه إلى آخر الفصل " (٣).
وقد برع إمامنا في هذا العلم، وضرب فيه بسهم وافر، فقد عُني بجانبيه: وسائله، ومسائله. فألف في وسائل علم الخلاف كتابه القيم.
(الكافية في الجدل)
ويقع في مجلد ضخم، ويعتبر من أهم الكتب في هذا الباب (٤).
_________________
(١) كشف الظنون: ١/ ٧٢١.
(٢) المقدمة: ٤٥٧.
(٣) الموافقات: ٤/ ١٦١ - ١٦٢.
(٤) عُنيت بنشره وتحقيقه الدكتورة الفاضلة فوقية حسين محمود، رحمها الله رحمة واسعة.
[ ٢٠١ ]
¬وألف كذلك في مسائل علم الخلاف، فله في هذا الجانب المؤلفات الآتية:
١ - الأساليب في الخلافيات: ذكره الإمام وأحال عليه في عشرات المواضع من كتبه، وذكر حاجي خليفة أنه يقع في مجلدين (١).
٢ - العُمَد: وهو من كتبه بالقطع، فقد ذكره في البرهان بصورة قاطعة، لا تدع مجالًا للشك في اسم الكتاب وموضوعه، حيث قال: " وقد أجرينا في (الأساليب) و(العمد) مسائل، ومعتمد المذهب فيها الأخبار ". (فقرة: ٤٨).
كما ذكره أيضًا في خاتمة الدّرة المضية، عندما قال: " إنها جاءت إيفاءً بمسائل لم تكن جرت في (العمد) و(الأساليب) "، والدّرة المضية في الخلاف قطعًا، فهي بين أيدينا، فحيثما كانت تكملة وتوفية (للعمد) و(الأساليب)، فالعمد إذًا في الخلاف.
٣ - الغنية: واسمه الكامل (غنية المسترشدين)، ذكره كثير ممن ترجموا للإمام كالسبكي والذهبي، ولكن الذي يدل دلالة قاطعة لا تقبل الشك، هو ما ذكره تقي الدين السبكي في أول تكملته للمجموع: ١٠/ ٧، حيث عده من كتب الأصحاب في الخلاف التي بين يديه، ويرجع إليها، ويستمد منها تكملته للمجموع.
ولكن الأكثر وضوحًا، هو ما قاله في (نهاية المطلب) تعقيبًا على إحدى المسائل: " وتوجيه القولين قد استقصيناه في (الأساليب) و(الغنية) " ا. هـ.
قلت: وهذه الكتب الثلاثة: على أهميتها - لما نعثر عليها للآن.
٤ - الدّرة المضية فيما وقع فيه الخلاف بين الشافعية والحنفية (٢):
وهو الكتاب الوحيد الذي وصلنا من أصل أربعة كتب ألفها الإمام في الخلاف، ومع أنها نسخة وحيدة إلا أنها عالية الجودة، على نقصٍ في بعض الكلمات، وتآكل في بعض الحروف، وانمحاء في بعضٍ آخر، ولكن كل ذلك -على خطورته- يمكن تداركه، بمزيد من المعاناة والصبر والدأب، وتكرار القراءة، والاستعانة بما كتب
_________________
(١) كشف الظنون: ١/ ٧٥.
(٢) وقد أعاننا الله على إخراج قسم منها، ونسأله أن يتم علينا نعمته فنخرج الباقي.
[ ٢٠٢ ]
¬الإمام عن المسألة في النهاية، وبما جاء في كتب الخلاف المتاحة، ومن قبل ذلك ومن بعده توفيق الله سبحانه، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
٤ - علم السياسة الشرعية:
كان إمام الحرمين مثل كل أئمتنا، يعيش واقعه، ولا ينفصل عنه، يظهر ذلك في علاجه لمسائل الفقه المختلفة، إن في العبادات، أو في المعاملات، وسواء في الأنكحة أو الجنايات، وليس كما قال بعض الباحثين (١): " إن المؤسسة العلمية انفصلت مبكرًا عن المؤسسة السياسية، فمنذ فجر تاريخنا - بعد العصر الراشدي، بل من يوم مقتل عثمان ﵁ أخذت المؤسسة العلمية في الانفصال عن المؤسسة السياسية، أو تمت العزلة بين الزعامة السياسية، والزعامة الفكرية، وعزلت الزعامة الإسلامية الملتزمة " هكذا قال بنص حروفه.
وأقول: إن هذا الكلام باطل ببديهة العقل، وباطل بحقائق التاريخ، باطل ببديهة العقل، فليس يصح في العقل السليم أن أمة هذا حالها (عَزلٌ للزعامة الفكرية وإقصاء لها) تنتج، وتصنع كلَّ هذه الحضارة التي ارتادت للبشرية طريق الحق والعدل والسلام والأمن والإيمان، والإخاء والمساواة، ودانت لها الدنيا أكثر من ألف عام.
وباطلٌ بحقائق التاريخ الذي يثبت أن كثيرًا من (زعماء السياسة أنفسهم) مَنْ جمع بين الزعامة السياسية والفكرية، مثل عبد الملك بن مروان، وعمر بن عبد العزيز، وأبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد، والمأمون، وغير هؤلاء ممن لا نعلمهم.
وباطل أيضا بحقائق التاريخ التي تثبت أن أئمتنا (زعماء الفكر) لم يعتزلوا ولم يُعزلوا أبدًا على طول التاريخ، فأبو جعفر المنصور يطلب من الإمام مالك أن يضع له (الموطأ) وهارون الرشيد يطلب من أبي يوسف أن يضع له الخراج، والإمام
_________________
(١) لم ألتزم بعزو هذا الكلام إلى صاحبه، فليس المقصود الرد على شخصٍ بعينه، ولكن الذي يعنينا هذا النمط من التفكير، وصاحب هذا الكلام ليس فردًا، فهذا الكلام أصبح بديهية من البديهيات، ومسلمة من المسلّمات عند كثيرٍ ممن يدعون بالمجددين أو المستنيرين، وهذا الكلام أصلًا مسلوخ من كلام المستشرقين.
[ ٢٠٣ ]
¬أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي، نراه في طليعة جيش الإسلام في موقعة (ملاذ كرد) التي استؤصلت فيها جموع الروم، وأخذ إمبراطورهم أسيرًا، تلك المعركة التي كان لها ما بعدها في التاريخ، وأخبارها للأسف مجهلة لعامة مثقفينا وعلمائنا (١).
والشيخ أبو إسحاق الشيرازي كان في قلب السياسة، يوم أصلح بين الخليفة العباسي في بغداد، والسلطان ملكشاه في (الرّي).
والإمام أبو الوليد الباجي هو الذي جيش جيوس المسلمين في معركة (الزلاقة) التي أعادت هيبة المسلمين في الأندلس، ولعدة مئات من السنين.
والإمام أسد بن الفرات يقود الجيوش في البر والبحر، ويموت شهيدًا وهو من أعمدة الفقه المالكي، صاحب (الأسدية) من أمهات كتب المذهب.
وشيخ الإسلام ابن تيمية في قلب السياسة، والسجن، ويجَيِّش الجيوش لحرب التتار.
وسلطان العلماء العز بن عبد السلام صانع النصر في معركة عين جالوت.
وشيخ الإسلام محمد سعد الدين بن حسن المتوفى سنة ١٠٠٨ هـ الذي كان بمعية السلطان محمد الثالث في حرب هنغاريا، فلما هم السلطان بالتراجع تحت وطأة الهجوم الصليبي، أخذ شيخُ الإسلام بزمام حصان السلطان، ووجهه ناحية العدو، وصاح زاجرًا للسلطان: " إنما نعيش لمثل هذا اليوم!! نموت شهداء، ولا نرى انكسار جيش الإسلام " فكان النصر.
وعلماء الأزهر الذين كانوا يناقشون فرمانات السلطان، ويردّونها إذا خالفت الشرع (أي يناقشون دستورية القوانين) والذين انتزعوا وثيقة بحقوق الشعب مكتوبة موقعة من الأمراء المماليك قبل الحملة الفرنسية بسنوات (١٧٩٤ م).
_________________
(١) اقرأ أخبار هذه المعركة في كتاب (زبدة التواريخ - أخبار الأمراء والملوك السلجوقية - صدر الدين علي بن ناصر الحسيني تحقيق. د محمد نور الدين. (بيروت. دار اقرأ ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥ م).
[ ٢٠٤ ]
¬هذه نماذج عفو الخاطر، وبادي الرأي، ولكنها كافية ناطقة بتكذيب هذه المقولة التي تزعم (العزلة بين القيادة السياسية والقيادية الفكرية).
إن العزل ولا أقول العزلة أو الإنعزال لم يكن إلا في القرنين الماضيين: القرن التاسع عشر والعشرين الميلاديين. وهما فيما يزعمون عصر النهضة، لم يعزل العلماء والأئمة عن قيادة الأمة إلا في هذين القرنين، حين بدأ التغريب في الفكر والثقافة والقوانين ولذلك حديث يطول.
ولكني أحببت أن أقول: إن انشغال إمام الحرمين بالسياسة الشرعية فكرًا وتنظيرًا، ثم ممارسة وعملًا إنما هو شأن كل أئمة الإسلام. نجد هذا في ثنايا كتبهم، وفي طيات أقوالهم، وبين فتاويهم وخلال قضاياهم وأحكامهم. كما نجده فيما أفرده طائفة كبيرة منهم من بحوث وكتب مستقلة في السياسة، لم تظفر بعدُ هذه الكتب بمن يعتني بها تحقيقًا وتعليقًا، وطبعًا ونشرًا.
وكان من هذه الكتب كتاب إمام الحرمين:
(غياث الأمم في التياث الظلم)
المشهور بالغياثي
وهو من أجلّ كتب الفكر السياسي الإسلامي، ولم يعرف وينشر إلا من نحو عشرين عامًا، وقدّر الله لنا شرفَ القيام بهذا العمل.
لقد عرف الدارسون والباحثون كتاب (الأحكام السلطانية) للماوردي وشغلوا به منذ قرنٍ تقريبًا. والسبب في ذلك هو انشغال المستشرقين به، حيث نشروه وترجموه، وكأننا لا نعرف قيمة علمائنا ولا نعترف بهم إلا إذا نوّه بهم المستشرقون!!، على حين يرى إمام الحرمين - في نقده للأحكام السلطانية .. أنه ليس خالصًا للسياسة الشرعية.
وما زال المجال واسعًا أمام دراسة (الغياثي) والمقارنة بينه وبين (الأحكام السلطانية). ولعلّ أحسن وأصدق تقييم لكتاب (الغياثي) ما كتبه العلامة المحقق المرحوم السيد أحمد صقر إذ قال: " يعتبر هذا الكتاب من أجلّ كتب إمام الحرمين قدرًا من حيث الموضوع وطريقة العرض، ودقة الأداء، وهو كتاب فريد في بابه، لم
[ ٢٠٥ ]
¬ينسج ناسج على منواله، ولم يخض خائض في تياره، قد تنوّق مؤلفه في رصفه، واتخذ الرمز والإشارة سبيلًا إلى التعبير عن مضمونه الخطير، واتخذ أبحاثه العلمية ذريعة إلى عرضه الأصيل من الكتاب ثم تفضيل مؤلِّفه على علماء عصره، وأنه يفوقهم بالبحث العميق، والاستنتاج الدقيق، وفهم أسرار الشريعة على نحو لم يسبقه إليه سابق".
ثم قال: " وكتاب الغياثي هو الكتاب الذي فيه لُمَع وإشارات وتلويحات تكشف عن أخلاق كاتبه، وهو في أمسّ الحاجة إلى دراسة واعية متأنية، تضاف إلى الدراسة الجيدة التي كتبها عنه محققه " ا. هـ.
وأقول: إن هذا الكتاب يحوي نظريات ومبادىء سياسية تشمل سياسة الدولة بجوانبها المختلفة: الرئاسة، والوزارة، والأمن، والثقافة، والجيش، والضرائب إلخ.
وكل ذلك في حاجة إلى دراسة فاحصة متأنية من أهل الاختصاص في كل جانب من هذه الجوانب تستخرج مكنونه وتدرك سرّه، لنعرف قدره ومكانه في الفكر السياسي الإسلامي.
ثم يشهد لعناية الإمام بهذا الجانب، واهتمامه به، وقصده إليه، أنه كان يأخذ على الفقهاء عدم اعتنائهم به، فقد جاء في كتابه (نهاية المطلب) قوله " والشريعة بحاجة إلى أحكام الإيالات، وليس للفقهاء اعتناءٌ بها " (١١/ ٣٧٨) وأحكام الإيالات هي أحكام السياسة الشرعية كما هو معروف.
٥ - علم الكلام:
هذا هو العلم الذي اشتهر به إمام الحرمين وعرف به أكثر من غيره من علومه، وحظي هذا الجانب بأكبر عناية، فنشرت كتبه في هذا الفن، واعتني بها مبكرًا، قبل أن ينشر له كتاب آخر -حاشا الورقات في أصول الفقه- نشر الإرشاد في سنة ١٩٣٨ م نشره (لوسيان) في باريس، ثم نشر في القاهرة سنة ١٩٨٤ م، نشره الدكتور محمد يوسف موسى وعلي عبد المنعم عبد الحميد، ثم علق عليه هلموت كلوبفر - القاهرة ١٩٥٥ م.
[ ٢٠٦ ]
¬ثم نشُرت العقيدة النظامية، نشرها العلامة محمد زاهد الكوثري سنة ١٩٤٨ م، ثم أعيد نشرها سنة ١٩٧٨ م.
ثم نشُر الشامل سنة ١٩٥٩ م في أنقره، نشره هلموت كلوبفر، ثم أعيد نشره سنة ١٩٦٩ م نشره علي سامي النشار وآخرون.
ثم نشر لمع الأدلة وشفاء الغليل فيما وقع في التوراة والإنجيل من التحريف والتبديل سنة ١٩٦٨ م نشرهما معًا في غلافٍ واحد الأب آلار ميشال بدار المشرق ببيروت.
ونشرت الدكتورة فوقية حسين محمود لمع الأدلة سنة ١٩٦٥ م بالقاهرة وأعيد نشر الشفاء أيضًا سنة ١٩٧٩ م.
هكذا رأينا العناية مصروفة كلها إلى كتبه الكلامية نشرًا وتحقيقًا، ولم ير شيء من كتبه الأصولية والفقهية النورَ إلا منذ سنة ١٩٨٠ م، حيث خرج (البرهان في أصول الفقه) ثم خرج (الغياثي) و(التلخيص) و(المجتهدين) حتى وإن حُقَِّقت بعض هذه الكتب قبل ذلك مثل البرهان الذي انتهينا من تحقيقه سنة ١٩٧٥ م، والغياثي الذي انتهينا منه سنة ١٩٧٦ م، فلم تتيسر الطباعة والنشر إلا بعد هاتيك السنين.
وإذا كان هذا في جانب العناية بالكتب وتحقيقها، فقد كان كذلك في جانب الدراسات، والندوات، والمحاضرات، ففي نحو سنة ١٩٤٦ م قدم الشيخ علي جبر أطروحته للدكتوراة بعنوان: (إمام الحرمين باني المدرسة الأشعرية الحديثة) إلى كلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
وفي سنة ١٩٦٥ م نشرت الدكتورة فوقية حسين محمود بحثًا بعنوان (الجويني إمام الحرمين) كان عمدته وخلاصته التعريف بمنزلة الإمام في علم الكلام، وما تميز به وجدد فيه.
وكذلك كانت الدراسات في مقدمة كتبه الكلامية تنحو هذا المنحى، سواء ما كتبه الدكتور محمد يوسف موسى، أو الدكتور علي سامي النشار، أو المستشرق هلموت كلويفر، أو الأب ميشال آلار، أو غيرهم.
ثم قُدمت أطروحة بعنوان (منهج إمام الحرمين في دراسة العقيدة) إلى كلية الدعوة
[ ٢٠٧ ]
¬وأصول الدين بجامعة أم القرى للدكتور أحمد بن عبد اللطيف.
هذا هو مكانه في علم الكلام، وهذه هي مؤلفاته في هذا العلم -مع أنه لم يكن علمه الأول، كما أشرنا من قبل- وقد ذكر السبكي " أن المغاربة - حصل لهم بعض التحامل على الإمام، مع اعترافهم بعلوّ قدره، واقتصارهم -لا سيما في علم الكلام- على كتبه، ونهيهم عن كتب غيره " (١).
هكذا اندفع إمام الحرمين يخوض تيار علم الكلام، مدافعًا عن دين الله ذابًا عن عقائد أهل السنة، يقمع أهل الزيغ والضلال والتعطيل، والتجبسيم والتمثيل.